أجمع الإعلام العبري على أن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، أمس الأربعاء، كان الأكثر "استثنائية وسريّةً" مقارنة باللقاءات الستّة السابقة خلال عام واحد.
واعتبرت صحيفة "يسرائيل هيوم"، أن المؤشرات تفيد أن لقاء كهذا، لم يكن من قبل، وأن محاولة الظهور بـ"برود" إلى الخارج، كانت على تناقض مع أجواء الداخل، دون أن توضح المقصود بذلك. ولم تقتصر هذه القراءة على الصحيفة المقربة من نتنياهو فقط، بل تقاطعت معها قراءات إعلامية عبرية أخرى ليست يمينية.
"التعتيم".. دليلُ "الأهمية"!
وفي حين نُسب إلى أروقة سياسية في تل أبيب، بأن ما يُثار إعلامياً، مجرد تحليلات وتخمينات في ظل انعدام معلومات حاسمة عن ما دار داخل الاجتماع، فإن الصحافي الإسرائيلي في الإذاعة العبرية الرسمية يعقوب عيزرا، نوه بأن لقاء نتنياهو- ترامب كان "الأكثر سرية ومحاطاً بتعتيم كبير جداً"، مبيناً أنه لم يتمكن من تلقي أي جملة أو معلومة من الأوساط السياسية المقربة من نتنياهو بخصوص الاجتماع، وهو ما اعتبره "تأكيداً" على "أهمية" اللقاء، وتضمنه "تفاهمات" أميركية-إسرائيلية؛ بالنظر إلى طبيعة الشخصيات المشاركة بالاجتماع إلى جانب نتنياهو وترامب، وأيضاً حرص الطرفين على التكتم.
وتساءلت إذاعة "مكان" العبرية عن أسباب "الكلام القليل" للمجتمعين، وعدم إجراء مؤتمر صحفي قبل اللقاء وبعده، فأجاب محرر الشؤون السياسية في إفادته، أن إصرار ترامب على تقليل الكلام هو قرار "استراتيجي"؛ كي لا تظهر الولايات المتحدة وكأنها يتم توجيهها من قبل إسرائيل، وأيضاً كتكتيك تفاوضي مع إيران، لتشجعيها على إبداء "مرونة تفاوضية كبيرة"، عبر استخدامه الكلمة "الأهم" في النص الذي نشره بعد اللقاء، وهي "أصررتُ" بهذه المرحلة استنفاد مسار التفاوض مع طهران؛ لمحاولة إبرام الاتفاق المنشود، إلى جانب دافع ثالث متمثل ب"حساسية" ما بحثه اللقاء.
ماذا دار؟
وفي خضم الغموض، أشارت أقلام سياسية إسرائيلية إلى أن اللقاء شهد طرح نتنياهو ومن مَعه، معلومات أمنية أمام ترامب بشأن إيران، وسبل توظيفها لـ"خدمة" المسار التفاوضي ومنع طهران من "المُناورة وشراء الوقت"، بمنظور تل أبيب. فيما قالت هيئة البث العبرية إن نتنياهو استعرض مفهومه لـ"الاتفاق الجيد" مع الجمهورية الإسلامية، وأنه يجب أن يكون "من دون تاريخ انتهاء"، وأن تُمنع إيران إلى الأبد من صناعة قنبلة نووية، بموازاة تقييد برنامجها الصاروخي الباليستي وتحييدها إقليمياً.
وبحث الاجتماع أيضاً، "الخطة ب" وسيناريوهات التعامل مع إيران، في حال فشل المفاوضات وعدم قبولها الشروط الأميركية، بحسب مواقع أمنية عبرية.
وبينما تحدثت مقالات إسرائيلية عن تفاهم نتنياهو وترامب على أمور كثيرة بخصوص إيران وغزة، إلا أن ثمة تبايناً حول الطريقة المُثلى لـ"ترويض" طهران وتغيير سلوكها. وأوضحت إفادات إذاعية وتلفزيونية لمراسلين إسرائيليين متخصصين بالشأن السياسي، أن نتنياهو لم يتمكن من معرفة كل ما يدور في عقل ترامب، وخصوصاً ما يتعلق بالخطة "ب"، في حال فشل المفاوضات، حيث اكتفى الرئيس الأميركي بإخباره أنه يريد أولاً فحص إمكانية عقد اتفاق مع إيران على أساس شروط واشنطن، لكنه نوه كذلك لخيارات متعددة للتعامل مع طهران إذا لم تقدم "تنازلات".. وهو ما يثير تساؤلات بشأن ماهية الخيارات ومدى انحصارها بهجوم عسكري على إيران، أم شمولها خيارات مركّبة تجمع أكثر من مسار، وربما سيناريو "مفاجئ"!
في حين، اعتبر المحرر السياسي لهيئة البث العبرية شمعون آران، أن تقديرات إسرائيل، هي أن الضربة الأميركية لايران، "مسألة وقت"؛ بحجة أن الأخيرة لن تقبل بالشروط الأميركية.
ترمب.. "لم يحسم بعد"!
بدورها، رأت محللة الشؤون السياسية للقناة "12" دانا فايس، أن قرار ترامب لم يُحسم بعد، ما جعل لقاءه بنتنياهو "مهمّاً"، وفق قولها.. مشيرة إلى أن نتنياهو ليس وحده من "يهمس" في أذن ترامب، وليست فقط المعلومات الاستخباراتية التي جلبها معه، وإنما أيضاً دول إقليمية مؤثرة، في إشارة إلى تركيا ودول خليجية تدفع نحو الحل الدبلوماسي مع طهران، عدا عن انقسامات داخل الإدارة الأميركية إزاء "الحماسة" لاستعجال الخيار العسكري من عدمه.
أما مراسل القناة "12" نير دفوري، فقال إن هناك 3 إمكانيات مطروحة على الطاولة حالياً، فإما اتفاق أفضل أو أسوأ، أم ضربة واسعة بقيادة الأميركيين، وإما موافقة أميركية لإسرائيل على تنفيذ عملية، وإذا نجحت، سينضم الأميركيون لاحقاً. وبيّن دفوري أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحرص عند طرح تقديراتها للسيناريوهات المتاحة، على استخدام كلمة "الآن"؛ لأنها لا تجزم ماذا سيخرج من الغرفة!
في حين، زعم مراسل الشؤون السياسية عميت سيجال، أن الوضع حالياً أقرب إلى ضربة عسكرية من وجود خلاف أميركي-إسرائيلي، مذكراً بنهج سري سابق لهكذا لقاءات "سرية" في عهد رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خصوصاً حينما كانوا يأتون إلى واشنطن لعرض معلومات أمنية مستجدة، كما حصل في حالة المفاعل النووي السوري قيد الإنشاء قرب دير الزور، والذي ضربته إسرائيل قبل نحو 19 عاماً.
وبشأن الغموض المحيط بلقاء واشنطن، قال سيجال إن الافتراض المعقول، هو أن اللقاء تناول جوانب استخباراتية-عملياتية، أكثر من كونه تناول محاولات إقناع أو إنزال أحدهم عن الشجرة.
وبغض النظر عن ما بُحث أو اتّفق عليه خلال لقاء نتنياهو-ترامب، فإن الاستنتاجات السياسية والاستراتيجية، تفيد أن هناك إصرار أميركي-إسرائيلي على ضرورة "حسم" أمر إيران بكل الوسائل، خصوصاً أن واشنطن وتل أبيب تعتقدان أن خطة ترامب الهادفة لصياغة شرق أوسط جديد، تتطلب خطوة ما تجاه طهران، تحت عنوان "استغلال الفرصة"، ما يعني أن الأشهر القادمة مرشحة لـ"مفاجآت دراماتيكية"، مهما كان مضمونها.




