ضم الضفة تحت مظلة العربدة العسكرية الإسرائيلية

حلمي موسىالخميس 2026/02/12
 مستوطنات في الضفة (getty)
تعاظم هوس الاستيطان في الضفة بعد وصول اليمين الإسرائيلي للحكم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967 ساد تعبير "الضم الزاحف" لوصف المساعي الاستيطانية فيها، ابتداء من إعلان ضم القدس ونشوء حركة "غوش إيمونيم"، مروراً بإنشاء مستوطنة كريات أربع في الخليل وإعلان "مشروع ألون" لضم غور الأردن. وبعد وصول اليمين للحكم في العام 1977، تعاظم هوس الاستيطان متنقلاً بين قرى ومدن الضفة في محاولة لترسيخ وقائع على الأرض ولمنع فرص تحقيق أي تسوية سياسية تقوم على أساس الحل الإقليمي. وحتى ذلك الحين كان الخلاف ظاهراً في المجتمع الإسرائيلي بين دعاة الحل الإقليمي ومعارضيه، لكن هذا الخلاف صار يحسم بشكل متزايد لصالح أعداء هذا الحل، خصوصاً بعد اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو. لكن وحتى تشكيل حكومة نتنياهو الحالية، كانت هناك عوامل داخلية وخارجية تحد وتكبح ظاهرة الاستيطان. غير أن هذه العوامل تلاشت، أو تكاد، في ظل الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لها من جهة والصمت العالمي من جهة ثانية. 

 

الحسم التاريخي

وتقريباً، وفي ظل دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخطة "ريفيرا غزة" – على الأقل مع بدء الحرب على غزة- بما تتضمنه من قبول بتهجير فلسطينيي القطاع، سال لعاب اليمين الصهيوني لتنفيذ ما يسميه قادته ب"الحسم التاريخي". بل أن رئيس الحكومة المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، عرض علناً رؤيته لإسرائيل الكبرى والتي ترى في احتلال فلسطين كاملة مقدمة لاحتلال باقي أراضي دولة "من النيل إلى الفرات". ولذلك لم يتطلب الأمر كثير عناء من حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير لاتخاذ المزيد من قرارات الضم وبشدة أكبر. ولم يكن آخر هذه القرارات في الكنيست تمرير قانون السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية بالقراءة الأولى تمهيداً لإقراره نهائياً في وقت لاحق.

وهكذا بطريقة تتسم بالتواء مكشوف، وعشية زيارة نتنياهو العاجلة إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب، اتخذت الحكومة الإسرائيلية مجموعة قرارات ترمي إلى بلورة "بيئة عمل" تعزز فرض السيادة الفعلية على الأرض. يعلم نتنياهو وحكومته أن هذه القرارات سوف تثير ردود فعل فلسطينية وعربية ودولية قوية، لكن ما كان يهمهم بشكل أساسي الوضع الداخلي، وخصوصاً الحفاظ على وحدة اليمين بانتظار الانتخابات المقبلة التي ليست بعيدة. فالخلافات على أشدها بين مكونات الائتلاف اليميني، "ليكود" و"الصهيونية الدينية" والحريديم. كما أن الوضع الإقليمي على حافة انفجار كبير وتفجيرات مختلفة على أكثر من جبهة لكن ذلك ليس أشد أهمية في نظر اليمين الحاكم من تعميق الوحدة الداخلية استعدادا للمعركة الانتخابية.

وربما لهذا السبب تم اتخاذ القرارات من دون إعلانات مدوية، وجرى تسريب الأمر لوسائل إعلام إسرائيلية مع تركيز على التغيير الجذري في ممارسات الاستحواذ على أراضي الضفة وهدم مباني الفلسطينيين حتى في المنطقة "أ" بذريعة حماية الآثار والتراث. وكان جلياً أن نتائج هذا التغيير تتمثل في توسع كبير للاستيطان اليهودي في جميع أنحاء الضفة. كما أن أحد هذه القرارات يسمح للحكومة الإسرائيلية برفع السرية عن سجلات الطابو في الضفة، ما سيتيح تحديد هوية ملاك الأراضي، بل والتواصل معهم والضغط عليهم لبيع أراضيهم. وتلغي قرارات الحكومة سريان القانون الأردني الذي كان يحكم تسجيل الأراضي في الضفة والذي يمنع بيع الأراضي لغير العرب.

 

مصلحة دينية وقومية

وتبدأ هذه القرارات بنزع صلاحيات الفلسطينيين في ضبط الملكيات الخاصة بعد أن كانت انتزعت منهم الملكية العامة والمشاعات تحت مسمى "أراضي دولة" خصصت أغلبها للمستوطنات. وبالرغم من أن حكومات إسرائيل منذ احتلال الضفة كانت تدير لجنة حكومية سرية للاستحواذ على الأراضي بطرق التفافية وبالضغط على السكان، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يعلن عن تفعيلها رسمياً للسيطرة على الملكيات الخاصة. وعلاوة على ذلك تضمنت القرارات أيضاً السيطرة الكاملة على مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي وإلغاء الصلاحيات التي كانت ممنوحة للسلطة الفلسطينية وبلدية الخليل فيها. فالتغييرات هناك، في الحرم الإبراهيمي وكريات أربع وباقي أرجاء المدينة، سوف تجري من الآن فصاعداً بقرار إسرائيل ومن دون تشاور مع الجانب الفلسطيني. وأيضاً لا يقتصر الأمر على الخليل، وإنما في كل مكان تعلن فيه إسرائيل أن لها فيه مصلحة دينية أو قومية مثل قبر راحيل في بيت لحم وقبر يوسف في نابلس.

وبهذه القرارات يتنصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو شخصياً من توقيعه على اتفاقية الخليل مع السلطة الفلسطينية العام 1997. وبديهي أن نتنياهو واليمين عموماً كانوا يرون العار في توقيع حكومة رابين على اتفاقيات أوسلو أصلاً، لكن العار جللهم بتوقيعهم على اتفاقية الخليل وهو ما يحاولون إزالته. ومن المنطقي الافتراض أن رد السلطة الفلسطينية والمحيط العربي سيكون حاداً، خصوصاً وأن هذه القرارات تصطدم بمعارضة دولية جارفة حتى من الإدارة الأميركية ذاتها. 

يذكر أنه في تشرين أول الفائت، وبعد يوم على تمرير قانون السيادة بالقراءة الأولى، وعد الرئيس الأميركي، في مقابلة نُشرت في مجلة "تايم" الأميركية، بأنه لن يسمح بضم الضفة. كما أكد لاحقاً أنه شعر بالإهانة من تصويت الكنيست وقال: "لن يحدث ذلك. لن يحدث. لن يحدث ذلك لأنني قطعت وعداً للدول العربية. ولا يمكن فعل ذلك الآن. لدينا دعم كبير في الدول العربية. ستفقد إسرائيل كل دعمها في الولايات المتحدة إذا حدث هذا."

 

إسقاط السلطة الفلسطينية

ومن الجائز أن رد فعل حركة "السلام الآن" كان الأشد وضوحاً في قراءته لقرارات حكومة نتنياهو. إذ قالت الحركة التي تتابع النهج التوسعي الاستيطاني: "وعد نتنياهو بإسقاط حماس في غزة، لكنه في الواقع اختار إسقاط السلطة الفلسطينية، وإلغاء الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل، وإجبارنا على ضمّ الأراضي بحكم الأمر الواقع، في تناقض تام مع إرادة الشعب، والمصالح الإسرائيلية، وموقف الرئيس ترامب الواضح. يُظهر قرار مجلس الوزراء أن الأمر لا يتعلق بتعميق الضم في المنطقة (ج)، بل يتعلق بخطوات سيادية خطيرة وغير مسؤولة في المنطقتين (أ) و(ب) أيضاً، واختراق كل حاجز ممكن في طريق الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية. هذه حكومة متطرفة وغير مسؤولة تجرّنا إلى كارثة. يجب على جميع القوى الديمقراطية في إسرائيل الآن التحرك بكل الوسائل الممكنة ضدها". 

وكانت أسس تعزيز الاستيطان وفرض السيادة هذه قد وضعت قبل نحو ثلاث سنوات، أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية. فقد أنشأ سموتريتش لنفسه أدوات ضغط في وزارة المالية، واستحدث منصباً لم يكن موجوداً في وزارة الدفاع - وهو في الواقع منصب الحاكم الفعلي للضفة - وأسس إدارة الاستيطان، وأصدر سلسلة من القرارات على نطاق لم يسبق له مثيل. منذ تشكيل الحكومة، تم بناء أكثر من 50 ألف وحدة سكنية استيطانية في الضفة. وتم تحويل ميزانيات ضخمة إلى مستوطنات الضفة 2.7 مليار شيكل. وإجمالاً أنشأت الحكومة 69 مستوطنة جديدة، منها حوالي 20 مستوطنة "بدأت من الصفر". والحديث هنا يدور عن 330 مستوطنة، منها حوالي 140 مستوطنة منظمة. أما الباقي فهي مزارع وبؤر استيطانية. وقد مثلت هذه السياسة ليس فقط استمرار لمنهج "الضم الزاحف" وإنما تجسيداً لمنهج "الضم الجارف" الذي نادت به الصهيونية الدينية وأقاصي الليكود. 

ومعروف أنه بادر إلى هذه القرارات بشكل أساسي، وبضغط من قادة وحاخامات الاستيطان، كل من الوزيرين المسؤولين عن إدارة شؤون الضفة وزير الحرب، إسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وبحسب ما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن القيادات الأمنية والعسكرية أيدت هذه القرارات لكنها أوصت ببدء تنفيذها فقط بعد انتهاء شهر رمضان الذي يعتبر في العادة فترة شديدة التوتر أمنياً في كل عام. وقال كاتس: "إن القرارات التي قررناها اليوم تعكس سياسة واضحة، تتمثل في تعزيز سيطرة إسرائيل على يهودا والسامرة، ودعم الاستيطان، وضمان مستقبلنا في هذه الأرض لأجيال قادمة. يهودا والسامرة هما قلب البلاد، وتعزيزهما يمثل مصلحة أمنية ووطنية وصهيونية بالغة الأهمية. نحن ملتزمون بإزالة الحواجز، وخلق اليقين القانوني والمدني، وتمكين المستوطنين من العيش والبناء والتطوير على قدم المساواة مع جميع مواطني إسرائيل". 

وأضح للجميع أن قرارات حكومة نتنياهو استمرار لسياسة تهدف إلى التقويضٌ الممنهج للوضع الراهن والاتفاقيات السياسية القائمة منذ ثلاثة عقود. ويرى الجميع في ذلك خطوة أخرى وعدوانية في استيلاء ليس فقط على ما تبقى من أرض وإنما أيضاً سيطرة على المواقع التراثية والدينية والأثرية في الضفة الغربية وتحويلها إلى أسلحة ضد أصحاب الأرض. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث