أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تنفيذ مرحلة جديدة من بنود الاتفاق المبرم مع الحكومة السورية، شملت إعادة تموضع قواتها في منطقتي الهول وتل براك بريف الحسكة، بالتوازي مع انسحاب القوات العسكرية من أطراف المدن وانتشار قوى الأمن الداخلي "الأسايش" في المواقع التي جرى إخلاؤها.
وجاء الإعلان في وقت كشفت فيه "قسد" عن وجود مماطلة من جانب دمشق في تنفيذ بعض بنود الاتفاق، ولا سيما المتعلقة بملف الأسرى والتعيينات الإدارية والانسحابات العسكرية في عدد من المناطق الحساسة.
شامي: دخلنا مرحلة البنود العسكرية
وقال مدير المركز الإعلامي لـ"قسد"، فرهاد شامي، في تصريحات لفضائية روناهي، إن الأيام الأخيرة شهدت تطبيق البنود الإدارية والأمنية، قبل الانتقال إلى تنفيذ البنود العسكرية، موضحاً أن "تطبيق هذه البنود يشمل قوات سوريا الديمقراطية والحكومة على حد سواء".
وأضاف أن "قواتنا العسكرية ستنسحب من داخل المدن، واليوم جرت إعادة التموضع والانسحاب من الأطراف الشرقية، أي منطقتي الهول وتل براك"، مشيراً إلى أن القوات ستعود إلى نقاطها الأساسية التي كانت تتمركز فيها قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
وأكد شامي أن قوى "الأسايش" انتشرت في المناطق التي انسحبت منها "قسد"، في إطار ترتيبات أمنية تهدف إلى ضبط الاستقرار، لافتاً إلى أن الاتفاق ينص أيضاً على انسحاب القوات الحكومية من الهول وتل براك خلال اليوم ذاته.
واتهم شامي الحكومة السورية بـ"المماطلة في تنفيذ بعض بنود الاتفاق"، مشيراً إلى وجود عراقيل تعترض التنفيذ الكامل، من بينها عدم إطلاق سراح مقاتلي "قسد" الأسرى، رغم النص على ذلك في التفاهمات، واستمرار الوجود العسكري في بعض القرى وجبهات القتال في عين العرب "كوباني"، وبقاء المدينة، وفق توصيفه، "محاصرة حتى الآن".
كما أشار إلى أن قرار تعيين نور الدين أحمد محافظاً للحسكة لم يصدر رسمياً بعد، رغم إدراجه ضمن مسار تنفيذ الاتفاق. وختم شامي بالتأكيد على أن الحوار لا يزال مستمراً برعاية دولية، معرباً عن أمله في تطبيق جميع البنود وعدم عرقلة الاتفاق، بما يساهم في تثبيت الاستقرار في شمال شرق سوريا.
إشادة رسمية ومواقف متباينة
في المقابل، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، عبر وكالة "سانا"، أن "قسد تلتزم بتطبيق الاتفاق"، ووصفت خطواتها بـ"الإيجابية"، مؤكدة أنها ستواصل المراقبة والتقييم لتحديد الخطوات اللاحقة.
وأشارت إلى أن الجيش بدأ فعلياً بالانسحاب من محيط مدينة الحسكة، وانتشرت قوى الأمن الداخلي في المناطق التي أُخليت، في إطار تطبيق الاتفاق.
وتذهب تقارير عربية إلى أن الاتفاق نجح حتى الآن في نزع فتيل مواجهة واسعة في محافظة الحسكة، التي تُعد المعقل الرئيسي لـ"قسد"، رغم التباينات المتزايدة في تقييم وتيرة التنفيذ.
وأعادت "قسد" تجميع قواتها في ثلاث قواعد رئيسية، هي جبل كوكب شرق الحسكة، وتل بيدر، شمال شرقي المحافظة، واستراحة الوزير شمال غرب المدينة.
وأوضحت المصادر أن هذه القواعد ستخضع للنظام العسكري السوري، ولن يُسمح بتحرك القوات منها أو انتشارها داخل المدن من دون أوامر من وزارة الدفاع، في إطار ضبط الوجود العسكري مستقبلاً.
المطار والحقول النفطية
وفي سياق متصل، باشرت الحكومة السورية تسلّم مطار القامشلي الدولي، بحضور رئيس الهيئة العامة للطيران المدني عمر الحصري، الذي وصف الخطوة بأنها "سيادية"، وتُسهم في إعادة دمج شمال شرق سورية ضمن منظومة الطيران الوطنية.
كما تسلمت الحكومة حقول رميلان والسويدية النفطية في ريف القامشلي، والتي تُعد من أقدم وأهم الحقول في البلاد، وسط تقديرات برفع الإنتاج من نحو 23 ألف برميل يومياً إلى ما لا يقل عن 80 ألف برميل خلال عام. وأجرى وفد تقني من الشركة السورية للبترول جولة ميدانية في الحقول لتقييم واقع الإنتاج وحاجات الصيانة.
وفي ترجمة إضافية للاتفاق، باشر المحافظ الجديد للحسكة، نور الدين عيسى أحمد، مهامه رسمياً، وهو من مواليد القامشلي عام 1969، ويحمل شهادة في الهندسة، وعمل سابقاً في مديرية الاتصالات، قبل انخراطه في صفوف "قسد". كما تشير معطيات إلى احتمال تعيين القيادي في "قسد" جيا كوباني نائباً لوزير الدفاع، وفق اتفاق 18 كانون الثاني الماضي.
خروج كوادر "العمال الكردستاني"
وبحسب تقارير إعلامية، بينها موقع "المونيتور"، بدأت كوادر غير سورية من حزب العمال الكردستاني بمغادرة الأراضي السورية باتجاه جبال قنديل في العراق، تنفيذاً لبند ينص على إخراج العناصر غير السوريين. ويُعد هذا الملف من أكثر البنود حساسية في الاتفاق، نظراً لارتباطه بالمخاوف التركية والإقليمية.
من جانبه، رأى مدير مؤسسة "كرد بلا حدود" في باريس، كادار هوزان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الاتفاق "يسير بشكل جيد"، في ظل ضغوط أميركية وفرنسية وموافقة تركية. وأشار إلى أن تبادل الأسرى بين الجانبين مرجّح، وإن كان منقوصاً، معتبراً أن ذلك يعطي مؤشراً إيجابياً على جدية التنفيذ.
كما دعا دمشق إلى معالجة ما وصفه بـ"الفصائلية داخل الجيش"، ولا سيما في مناطق رأس العين وتل أبيض وعفرين.
تسوية أوضاع عناصر "قسد"
في سياق موازٍ، أعلنت وزارة الداخلية السورية بدء استقبال طلبات عناصر "قسد" الراغبين في تسوية أوضاعهم القانونية، وذلك في مركز بمدينة إدلب، اعتباراً من 14 شباط/فبراير 2026 حتى 1 آذار/مارس 2026.
ودعت الوزارة المتقدمين إلى تسليم أسلحتهم وإحضار وثائقهم الرسمية، تمهيداً لاستكمال الإجراءات، في إطار تعزيز الاستقرار وتهيئة ظروف العودة إلى الحياة المدنية.
وسبق أن افتتحت الوزارة، في 26 كانون الثاني/يناير الماضي، مراكز مماثلة في دير الزور والرقة، ضمن مباني قيادة الأمن الداخلي ونقابة العمال سابقاً.
وينص اتفاق 18 كانون الثاني/يناير بين دمشق و"قسد" على تنفيذ 14 بنداً عبر لجان مشتركة، تشمل دمج المؤسسات المدنية، إعادة هيكلة القوى الأمنية، إخراج المقاتلين غير السوريين، وضبط الوجود العسكري داخل المدن.
وبينما تؤكد الأطراف تحقيق تقدم ملموس، تشير التصريحات المتبادلة إلى استمرار فجوات في الثقة والتنفيذ، ما يجعل الاتفاق حتى الآن في مرحلة "اختبار ميداني" حقيقي، وسط ترقب محلي ودولي لمآلاته النهائية، وقدرته على تثبيت الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق سورية تعقيداً سياسياً وأمنياً.




