2026: سنة الحسم في البحر الأحمر بين المحاور الكبرى

ديما الحلوةالأربعاء 2026/02/11
Image-1770749352
صراع محاور في البحر الأحمر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إعلان الاتحاد الأوروبي في الشهر الماضي عن قرار صريح بقطع واردات الغاز الروسي على نحوٍ كامل بدءًا من 2027، يضع القارة الأوروبية أمام اعتماد شبه كلي على الطاقة القادمة عبر الشرق الأوسط والهند. هذا الإعلان لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل بمثابة إشارة لتأكيد كون العام الحالي هو عام حافل بالصراعات في الشرق الأوسط، ليس في مضيق باب المندب فحسب، بل في البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح محورين متقابلين على مضيق باب المندب: إسرائيل والهند والإمارات وإثيوبيا وصوماليلاند في مواجهة السعودية ومصر وتركيا والسودان والصومال وإريتريا، مع فصائل مسلحة مثل الحوثي والميليشيات الانفصالية كأدوات ضغط استراتيجية.

وبينما تسعى الولايات المتحدة لتأمين الغاز البديل لأوروبا عبر الشرق الأوسط، يبرز التحدي الأكبر، كلا المحورين المتنازعين على النفوذ بالبحر الأحمر يضم حلفاء رئيسيين بخاصة إسرائيل والسعودية، ما يجعل المشهد معقدًا بخاصة إذا قررت واشنطن فتح معركة مع الحوثي.

 

المحور الجديد لإسرائيل: السيطرة على طرق البحر الأحمر

في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، أعلنت إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند، خطوة قلبت خريطة القرن الإفريقي. هذا الاعتراف فتح بوابة استراتيجية لمحور يضم إسرائيل والهند والإمارات وإثيوبيا، يركز على السيطرة على خليج عدن وباب المندب ومواجهة النفوذ الإقليمي للسعودية ومصر.

من خلال هذا الاصطفاف، أصبح لدى إسرائيل عمق استراتيجي جديد يسمح لها بإقامة قواعد عسكرية مشتركة مع الإمارات والهند في سواحل صوماليلاند وتثبيت وجودها في الجزر اليمنية المقابلة. بينما تعتزم الهند إدارة الأمن البحري الإقليمي عبر مبادراتها البحرية الاستراتيجية "ساغار" و"ماهاساغار"، وتعزيز قدراتها الدفاعية عبر صفقات أسلحة بقيمة 5 مليارات دولار، لتزويد صوماليلاند وإثيوبيا بالأنظمة الدفاعية، غالبًا مدمجة بتقنيات إسرائيلية. الإمارات ضمن هذا الاصطفاف تعمل على تعزيز شراكاتها العسكرية مع إثيوبيا، لتأمين نقل السلاح إلى قوات “الدعم السريع” في السودان. ويأتي دور أثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، في توفير الوصول إلى المنافذ البحرية الحيوية بديلًا عن جيبوتي الخاضع لنفوذ الصين. وعليه، يشكل هذا الاصطفاف الرباعي محورًا متكاملًا للسيطرة على البحر الأحمر والطرق البحرية الحيوية، بما فيها ميناء بربرة.

 

المحور المناهض بقيادة السعودية

في المقابل، تشكل مصر والسعودية وإريتريا والسودان وتركيا والصومال محورًا مضادًا، يركز على مواجهة النفوذ الإسرائيلي والحد من تمدده في البحر الأحمر وجنوب اليمن.

إريتريا تمثل عنصرًا محوريًا للأمن المصري والسعودي، خصوصًا في ظل تصاعد توترات إثيوبيا بعد افتتاح سد النهضة، والذي يُنظر إليه في القاهرة على أنه تهديد مباشر للأمن القومي المصري. ويأتي دور السعودية هنا في توفير الموارد المالية والتسهيلات العسكرية لإريتريا، التي تفتقر إلى القدرات الاقتصادية الكافية لتعزيز دفاعاتها ومواجهة الطائرات المسيّرة الإثيوبية الحديثة. فيما تحاول القاهرة سد الثغرات الأمنية عبر إريتريا والموانئ الجنوبية، بما في ذلك تنسيق مع اللواء الليبي خليفة حفتر لمنع وصول إمدادات عسكرية للدعم السريع. تركيا، من جانبها، تمتلك قواعد عسكرية في الصومال وإريتريا، وزوّدت الصومال بطائرات مقاتلة لدعم الأمن البحري. كما تنسق أنقرة مع القاهرة والرياض لتأمين الموانئ الحيوية، بما يشمل ميناء بربرة، الذي يشكل أيضًا شريانًا رئيسيًا للنفوذ السعودي المصري في المنطقة مقابل النفوذ الهندي الإسرائيلي.

 

الحوثي: التحدي الأكبر

فيما يواجه محور إسرائيل الرباعي في البحر الأحمر تحديًا رئيسيًا يتمثل في جماعة الحوثي، القوة القادرة على تهديد قواعدهم البحرية والجزر اليمنية مباشرة. تدرك إسرائيل أن أي مواجهة مع الحوثي لن تُحل إلا عبر ضربات جوية مركزة ودعم داخلي على الأرض. هنا تتقاطع المصالح: السعودية، رغم كونها حليفًا أميركيًا رئيسيًا، ليست على استعداد لدفع التحالف السداسي لمواجهة الحوثي نيابة عن إسرائيل، لأن مصالحها في البحر الأحمر تتعارض مع خطط تل أبيب.

هذا الفراغ الاستراتيجي جعل المجلس الانتقالي الجنوبي يتحرك في هذا التوقيت، مستفيدًا من الدعم الإماراتي ووجود إسرائيل في المنطقة، ليعيد ملف الانفصال إلى الواجهة، كأداة ضغط على السعودية. الانتقالي يسعى عبر حشد التظاهرات في عدن وحضرموت وسقطرى لفرض نفوذه وبالتالي إظهار إمكانية أن يكون القوة الأرضية التي تواجه الحوثي، بينما تحاول إسرائيل تأمين قواعدها البحرية والجزر اليمنية عبر دفع السعودية بعيدًا عن جنوب اليمن.

والإشكالية تتعقد أكثر بسبب الضغط الأميركي: واشنطن تدعم السعودية ومصر وتركيا وإريتريا والصومال والسودان، لكنها في الوقت ذاته متحالفة مع إسرائيل والهند والإمارات، وترسل أسطولها الحربي إلى ميناء إيلات لدعم تل أبيب ضد أي مواجهة مع الحوثي، ما يعني أن أي مواجهة واسعة في اليمن أو البحر الأحمر قد تضطر المحور السعودي المصري التركي للوقوف في موقف صعب، محكوم بين الالتزام تجاه حلفه مع الولايات المتحدة، وحماية مصالحه الإقليمية، ومنع النفوذ الإسرائيلي من التوسع في باب المندب والممرات البحرية الحيوية. 

من ميناء بربرة إلى الجزر اليمنية، ومن الصومال وإريتريا إلى السودان، كل خطوة عسكرية أو سياسية في المنطقة تعيد رسم خارطة القوة والنفوذ في البحر الأحمر. ومع اعتماد أوروبا الحاسم على الغاز القادم من الشرق الأوسط، في ظل تهديد الحرب مع روسيا خلال الأعوام المقبلة، يصبح عام 2026 عامًا مفصليًا للمنطقة، حيث تتقاطع المصالح والتحالفات والصراعات المسلحة على أهم شرايين التجارة العالمية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث