قرار الحرب يتعثر في زحام البوارج

Image-1770112375
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

قد يستدعي مستوى الحشد قرب إيران، ما هو أكبر من ضربة، لكنه ما زال على أي حال، أصغر من حرب. ومع ذلك فلا ضمانة للسيطرة على مستوى التصعيد، فقد تنفلت الأزمة من عقالها، لتقود المنطقة الى صراع أعمق وأطول. وهذا ما يخشاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما يسعى إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. 

لا أحد في الإقليم يتحرق شوقاً للحرب، سوى إسرائيل، فالأزمة الراهنة تهيء لها ما قد تراه فرصة لامتطاء صهوة الإقليم، إن راحت هذه المرة، فلن تعود مجدداً، قبل نصف قرن على الأقل. 

بينما يبدو  موقف الرئيس الأميركي في الأزمة الراهنة مع إيران كمن تتعثر خطاه في أطراف ثوبه، فلم يعد بوسعه لا الهرولة إلى الأمام ولا الفرار الى الخلف. 

مشكلة الرئيس الأميركي في الأزمة الراهنة أنه ربما أفرط في المراهنة على حرص إيران على تجنب الحرب بأي ثمن، لكنه أسرف في رهانه بوضع المرشد الايراني خامنئي في مواجهة تحدٍ وجودي، لا خيار له فيه سوى مواصلة التحدي.

 

شروط ترامب "المذلة" لإنهاء الأزمة وسحب حشوده وبوارجه، توشك أن تكون شروط وثيقة استسلام، لا تدع فرصة للنظام الإيراني للبقاء إن هو قبلها، ولا تدع فرصة لتجنب اشتعال الحرب -بلا ثمن- إن هو رفضها، وأغلب الظن أن قرار الحرب الذي يتعثر في زحام البوارج، ربما يبحث عن مخرج للقوة العظمى الوحيدة إن هي أرادت تجنب الحرب في اللحظات الأخيرة. 

محادثات نتنياهو في واشنطن هدفها إقناع ترامب بشن حرب شاملة لإسقاط نظام الملالي في طهران، لكن مستوى الحشد الأميركي في مسرح العمليات لا يزال دون مستوى ذلك الهدف، بل إنه لا يزال أقل مما كان عليه في حرب الإثنى عشر يوماً في حزيران/يونيو من العام الماضي. 

إذا نجح نتنياهو في مهمته بواشنطن -وهذا مستبعد الى حد كبير-، فقد تتأخر حرب ترامب ضد إيران لاستكمال حشد لن يكون كافياً في أي وقت لتحقيق هدف إسقاط النظام،لا بحجمه، ولا بقدراته، ولا باتساع مسرح عملياته (أكثر من مليون و600 ألف كيلومتر مربع)، وإن تأخرت الحرب لشهور مقبلة، فإن مستوى الاستعداد الإيراني لخوضها سوف يتحسن بدرجة قد تكون مؤلمة لخصوم إيران.

 

ترامب الذي لا يخفي ولعه بما يسميه "مبدأ السلام من خلال القوة"، يبدو مزهواً بقدرة آلة الحرب الأميركية على تحقيق غايات السياسة دون استخدام كثيف للقوة، لكن فرص انتصار هذا المبدأ في الحرب ضد إيران، تبدو ضئيلة، وعالية الكلفة في نفس الوقت. 

أخطر ما يخيف ترامب في الأزمة، ثلاثة أمور، أولها: مفاجآت إيرانية سواء في قدرات التسليح أو في دقته ومداه وقدرته على إصابة أهدافه. وثانيها: احتمالات تعرض قوات أميركية لضربات مذلة في منطقة مسرح العمليات، على نحو يكسر كبرياء القوة، وهو أعزّ أسلحة الردع في الترسانة الأميركية حتى الآن. وثالثها: النفس الطويل جداً للإيرانيين في حرب تقليدية، فقد استطاع المرشد الراحل الخميني أن يواصل الحرب دون توقف، على مدى 8 سنوات متصلة ضد العراق، الذي اصطفت خلفه آنذاك ترسانات الغرب وأموال الشرق.

هذا النفس الطويل، هو أكثر ما يخشاه ترامب الذي اشترط على جنرالاته أن تكون الحرب ضد ايران، خاطفة، فلا تمتد لأيام أو لأسابيع.

لكن نتنياهو الذي يصطحب قائد سلاح الجو الاسرائيلي معه في زيارته الحالية إلى البيت الأبيض، سوف يواصل الإلحاح على ترامب لتبني فكرة حرب النهاية ضد ايران، باعتبارها آخر حروب اسرائيل للهيمنة على الشرق الأوسط.

 

يتمنى ترامب، لو كان بوسعه إسقاط النظام في طهران، بذات الطريقة التي انتزع بها الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته من مخدعهما، لكنه يعرف أن إيران ليست فنزويلا، وأن خامنئي ليس مادورو، وأن حوافز الرصد والتأهب لدى الصينيين والروس في الأزمة الإيرانية، أكبر بكثير منها في حالة فنزويلا، وأن كمين الاستنزاف المرتقب للولايات المتحدة في أي حرب ممتدة مع إيران، قد يعجّل بإنهاء انفراد الولايات المتحدة بزعامة النظام الدولي. 

طبقاً للاستراتيجية الأميركية للأمن القومي، والتي جرى الإعلان عنها قبل أسابيع، لتعكس خطة البيت الابيض تجاه العالم، فإن الأسئلة التي طرحتها إدارة ترامب على نفسها هي:

-ماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تريد؟

-ما هي الوسائل المتاحة لدى أميركا لتحقيق ما تريد؟

-كيف يمكن ربط الغايات بالوسائل في استراتيجية أمن قومي قابلة للتطبيق؟

 

وبتطبيق تلك المباديء المستجدة، على السياسة الأميركية تجاه ايران، فإن أولويات أميركا في الأزمة الإيرانية ينبغي أن تريد تغيير النظام في إيران، وإن لم تتمكن من ذلك، فإن عليها إضعاف النظام من خلال كسر هيبته داخلياً وإقليمياً، وهذا ما يجري طول الوقت، دون أثر حاسم حتى الان، بجاني إجبار النظام على التخلي كلياً عن برنامجه النووي، كما إجباره على تقييد برنامجه الصاروخي (تحدث نتنياهو عن وضع مدىً أقصى للصواريخ الايرانية قدره 300 كيلومتر، بينما تحدثت مصادر أميركية عن مدى أقصى لصواريخ ايران قدره 500 كيلومتر).

أهداف أميركا في الأزمة، وتركيزها على استسلام مذلّ لايران وتغيير بنية النظام ووجهته، كل ذلك رفع سقف التحدي لدى الايرانيين، حيث لا توجد منطقة وسطى بين ما تريده أميركا كشروط لإنهاء الحشد، وبين ما تريده ايران كمطالب للتعايش السلمي مع أميركا ومع الجوار.

وبسبب بعد المسافة بين ما تريده أميركا واسرائيل من جهة، وبين ما يمكن أن تقبله إيران من جهة أخرى، يبدو السلام بعيداً، وتبدو فرصة تراجع ترامب أمام المرشد ضعيفة وباهظة الكلفة.

 

لا مخرج من الأزمة الراهنة، بينما يعلو صليل السيوف، سوى بالبحث عن منطقة وسطى، يجد ترامب قربها ما يمكّنه من ادعاء النصر، أو ادعاء الحكمة او كلا الادعاءين. ويعثر قربهما المرشد على ما يمكّنه من البقاء، دون المخاطرة بوجود الدولة الايرانية ذاته. 

زحام البوارج حول ايران، لم يفلح حتى الآن في وضع الملالي تحت ضغوط كافية من أجل التغيير، لكن ثمة مناطق ربما جرى تأهيلها بمعرفة الملالي لإنتاج حلول وسط، تسكت بعدها المدافع وتنسحب البوارج دون حرب حقيقية. 

مناطق الحلول الوسط تبدو قريبة في الملف النووي من التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لتخزينه عند طرف ثالث، قد يكون روسيا أو الصين أو الهند. وكذلك الاحتفاظ بحق التخصيب "رمزياً" بحد اقصى 1.5% ، والبدء في مفاوضات جديدة هدفها تشديد القبضة الدولية على البرنامج النووي الإيراني.

أما البرنامج الصاروخي الإيراني، فهو ملاذ طهران الآخير الذي لن تتخلى عن ما حققته فيه من طفرات تتعلق بمداه، وبطاقاته التدميرية، ما لم يتم بحث ذلك في إطار جماعي إقليمي أو دولي. 

 قرار الحرب في الأزمة الإيرانية، لا يزال نفسياً أقرب، لكنه في حسابات الجنرالات يبدو بعيداً، أما على الأرض، فلا مكان للحلول باهظة الكلفة، إذ تكتفي البوارج بحفلات استعراض القوة، بينما تشقّ طريقها باتجاه مسرح مستجد لأزمة مستجدة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث