لا تكشف اللحظات التاريخية الفاصلة عن مسار الأحداث فحسب، بل تفضح البنية العميقة التي تُدار بها القوة داخل الدولة. وفي السياق المصري، يظلّ 11 شباط/ فبراير 2011 لحظة كاشفة، لا لأنه أنهى حكم حسني مبارك، بل لأنه عرّى طبيعة العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، حين بدا التنحي تعبيراً عن منطق الاعتراف بالواقع في لحظة بلغ فيها النظام حدوده القصوى، فتقدّم الجيش بوصفه الضامن الأخير لتماسك الدولة لا لنجاة الرئيس ونبلائِه.
على النقيض، تشكّلت تجربة الحكم بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013 على منطق مغاير، لا يعترف بالحدود، لكنه يسعى إلى إلغائها؛ إذ انتقلت العلاقة من توازن هش بين مراكز قوى متعددة إلى تحصين شامل يعيد تعريف الجيش، لا كحَكَم فوق الصراع، بل كامتداد عضوي للقرار الرئاسي وفاعل يومي في السياسة والاقتصاد والمجتمع. وبين منطقٍ انتهى بالاستسلام لواقع مفروض، وآخر يعمل على صناعة وتَطويع واقع جديد.
في هذا المقال، أحاول تفكيك هذه التحولات البنيوية، مستعرضاً الفارق بين "منطق الاعتراف بالواقع" الذي حكم رحيل مبارك، و"منطق صناعة الواقع" الذي يحكم بقاء السيسي، مع تحليل لأبرز التكتيكات التي حولت المؤسسة العسكرية من ضامن أخير للدولة إلى شرط مسبق لاستقرار وبقاء السلطة.
الحادي عشر من شباط/ فبراير وذروة نموذج "الجيش الضامن"
لا يمكن فهم مشهد تنحّي حسني مبارك في الحادي عشر من شباط/فبراير 2011 من دون التوقّف عند العقلية السياسية التي حكمت مصر على مدى ثلاثة عقود، والتي قامت على توزيع غير معلن للأدوار بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية. ففي ظل هذا الترتيب، تموضع الجيش كقوة سيادية كامنة خلف الستار، محتفظاً باستقلاله المؤسسي وامتيازاته الذاتية، ما دام النظام قادراً على إدارة المجال العام وضبط الشارع عبر أجهزة وزارة الداخلية والحزب الوطني الحاكم. وعندما اندلعت ثورة كانون الثاني/يناير، لم يكن "حياد" الجيش تعبيراً عن انحياز أخلاقي للديمقراطية أو استجابة مباشرة لمطالب الشارع، بقدر ما كان قراراً استراتيجياً عقلانياً هدفه حماية صورة المؤسسة العسكرية وضمان بقاء الدولة، حتى لو استدعى ذلك التضحية برأس النظام نفسه، وإن كان ابن المؤسسة العسكرية. في تلك اللحظة، ظهرت حدود القوة الرئاسية أمام مؤسسة ترفض أن تتحمّل كلفة انهيار النظام أو أن تُستدرج إلى صدام مباشر مع المجتمع.
طوال عهد مبارك، اتّسم وضع المؤسسة العسكرية بتمَوضع سيادي نأى بها عن الانخراط في السياسة اليومية وإدارة الخدمات العامة، مكتفية بعلاقة استقلال متبادل مع الرئاسة؛ فالأخيرة تدير الشأن السياسي وتتحمّل كلفة القمع، بينما يركّز الجيش على شؤونه المهنية والأمنية. وعلى المستوى الاقتصادي، تبنّت المؤسسة نموذجا منغلقا، بشكل نسبي، يهدف إلى تحقيق قدر محدود من الاكتفاء الذاتي دون السعي إلى منافسة مباشرة في السوق المدني. أما أمنيا، فقد انحصرت عقيدتها في حماية الحدود والأمن القومي، مع تفويض شبه كامل لوزارة الداخلية في إدارة الأمن الداخلي، بما فيه السياسي. هذا الفصل الوظيفي هو ما جعل تدخل الجيش في الشأن العام استثناءً مرتبطاً بالأزمات الوجودية التي تهدد كيان الدولة، كما حدث في انتفاضة 1977 وتمرد الأمن المركزي عام 1986، وصولاً إلى لحظة كانون الثاني/يناير 2011، تحديداً يوم 29 كانون الثاني/ يناير، حين عاد الجيش ليتقدّم بوصفه الضامن الأخير لا الحاكم المباشر.
في الأيام الأخيرة من حكمه، لم يكن مبارك يواجه صراعا بين نظام وشعب فحسب، بل كان يعيش صراعاً صامتا داخل بنية السلطة نفسها حول كلفة البقاء وحدود الاحتمال. فقد أدرك أن استدعاء الجيش للنزول إلى الشوارع في 28 كانون الثاني/يناير، بعد هروب ضباط وجنود وزارة الداخلية، كان إيذاناً بانتقال السيادة فعلياً إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن أي محاولة لفرض بقائه بالقوة ستقود إلى مواجهة مباشرة بين الجيش وملايين المتظاهرين، بما يحمله ذلك من خطر تآكل شرعية المؤسسة أو حتى انقسامها. من هنا، جاء قرار التنحي كفعل تسليم واعٍ بحدود القوة، تُوّج ببيان عمر سليمان وبيانات المجلس العسكري اللاحقة التي قدّمت الجيش بوصفه الحكَم والضامن معاً، وصنعت تفويضا شعبيا ضمنيا لإدارة المرحلة الانتقالية. هذا المنطق، القائم على انتظار لحظة الانفجار ثم التدخل لإنقاذ الدولة.
هندسة الولاء الاستباقي وتفكيك "مراكز القوى"
على النقيض من تجربة مبارك، انطلق عبد الفتاح السيسي من قراءة مختلفة تماماً لأحداث 2011، قراءة لا ترى في حياد الجيش لحظة إنقاذ للدولة، بل خطأ استراتيجيا كاد يفتح الباب أمام انفصال المؤسسة العسكرية عن مصير رأس السلطة. من هذا المنظور، لم يعد مقبولاً أن يحتفظ الجيش بمسافة سيادية مستقلة، أو أن تتكوّن داخله مراكز قرار قادرة على التصرّف خارج إرادة الرئيس. لذلك، قامت فلسفة الحكم الجديدة على تحويل المؤسسة العسكرية من "ضامن أخير" يمكنه التضحية بالحاكم عند الضرورة، إلى "شريك عضوي" لا يمكنه النجاة إلا بنجاة النظام نفسه. هذا التحول لم يكن مجرد خيار سياسي، بل إعادة تعريف جذرية لمعنى السيادة، تقوم على ربط بقاء الدولة ببقاء السلطة، وبقاء السلطة بالولاء الكامل والمتبادل بين رأس السُلطة السياسية والقوات المسلحة.
ترجمت هذه الرؤية عملياً عبر مجموعة من التكتيكات الدقيقة، كان أبرزها تفكيك أي إمكانية لتكوّن نخبة عسكرية موازية. فبعكس مبارك، الذي سمح ببقاء قيادات كبرى في مواقعها لعقود طويلة، اعتمد السيسي سياسة التدوير السريع والمستمر في المناصب الحساسة، بما يمنع تراكم النفوذ أو تشكّل شرعية مستقلة داخل المؤسسة. وخلال سنوات قليلة، جرى استبعاد معظم أعضاء المجلس العسكري الذين شاركوا في لحظة 2013، لضمان ألّا تتحول المشاركة في "التغيير" إلى مصدر قوة مستقبلية. ولم يقتصر هذا النهج على الجيش، بل امتد إلى جهاز المخابرات العامة، حيث شهد الجهاز تغييرات جذرية في قياداته، وتعيين شخصيات مرتبطة مباشرة بالرئيس، في إشارة واضحة إلى دمج الأجهزة السيادية في الدائرة الشخصية للسلطة، كما عكست التغييرات الوزارية الأخيرة، ومنها تعيين وزير دفاع جديد في تموز/يوليو 2024، عبد المجيد صقر، استمرار اختيار قيادات يغلب عليها الطابع المهني والولاء الفني المباشر، مع استبعاد أي طموح سياسي مستقل.
غير أن التحصين الحقيقي لهذه المنظومة لم يكن إداريا فقط، بل دستوريا بالأساس. فقد شكّلت تعديلات 2019 الإطار القانوني الذي أعاد تعريف موقع الجيش داخل الدولة، لا بوصفه مؤسسة مهنية محايدة، بل كـ"وصي" على النظام السياسي ذاته. فالمادة (200) منحت القوات المسلحة دور حماية الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة، وهو تعريف فضفاض يسمح بتدخلها في أي مسار سياسي مدني مستقبلي. كما وسّعت المادة (204) من نطاق محاكمة المدنيين عسكريًا، في رسالة ردع مباشرة لأي احتجاجات تمس مصالح المؤسسة الاقتصادية أو منشآتها الحيوية. أما المادة (234)، التي جعلت موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة شرطا دائما لتعيين وزير الدفاع، فقد كرّست استقلال المؤسسة عن أي رقابة مدنية فعلية، مع ربطها في الوقت ذاته بشرعية النظام القائم. هذه الهندسة الدستورية عكست عقيدة ترى أن "الدولة" لا تُفهم إلا من خلال الجيش، وأن أي تهديد للنظام هو تهديد للدولة ذاتها، بما يبرر استدعاء القوة المسلحة ليس كحل استثنائي، بل كآلية حكم دائمة.
عسكرة البنية الهيكلية والتحول من "الضمانة" إلى "الاشتراط"
تجاوزت استراتيجية السيسي حدود السيطرة القيادية والتحصين الدستوري، لتدخل مرحلة "العسكرة الشاملة" للدولة، حيث لم يعد الجيش ضامنا أخيرا يتدخل في لحظات الأزمات، بل تحوّل إلى شرطٍ مسبق لسير الحياة اليومية. في هذا النموذج، لا تُحمى السلطة من لحظة انفجار محتملة فحسب، بل يُعاد إنتاج واقع تصبح فيه الدولة عاجزة عن العمل دون الانخراط العسكري المباشر. هكذا جرى ربط بقاء النظام بمصالح الجيش اليومية، بحيث لم يعد الصراع سياسيا فقط، بل صراعا على شبكة واسعة من المصالح المتداخلة، فيما شكّل التوسع الاقتصادي للمؤسسة العسكرية الركيزة الأساسية لهذا المنطق، مع انتقال الجيش من دور اقتصادي محدود في عهد مبارك إلى فاعل مركزي في المشروعات القومية والبنية التحتية.
في هذا السياق، تحوّل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من أداة للاكتفاء الذاتي إلى إمبراطورية اقتصادية تشرف على آلاف المشروعات في مجالات تمتد من الزراعة إلى الصناعات الثقيلة. وترافق هذا التمدد مع بناء إطار قانوني يحصّن النشاط الاقتصادي العسكري من أي رقابة مدنية، كما في قانون 2018 الخاص بنقل أصول الدولة غير المستغلة إلى صندوق مصر السيادي، بما أعاد تعريف "المال العام" خارج منطق المساءلة. لم يعد التوسع الاقتصادي، هنا، نشاطا استثماريا عاديا، بل آلية لإعادة توزيع ملكية الدولة داخل دائرة السلطة العسكرية، وترسيخ اندماج الجيش في قلب الاقتصاد الوطني.
وتكتمل هذه المنظومة عبر منح شركات الجيش إعفاءات واسعة واستخدامها عمالة المجندين، ما يمنحها ميزة تنافسية تُقصي القطاع الخاص وتحوّل الدولة إلى رهينة للموارد العسكرية. غير أن هذا التغلغل لا يُفهم بوصفه بحثاً عن الربح فقط، بل كـَ "تأمين سياسي" بعيد المدى؛ فالجيش الذي يسيطر على أصول ضخمة ويشغّل ملايين المدنيين يصبح طرفاً لا يمكن فصل استقرار الدولة عنه. ويتوازى ذلك مع عسكرة العقل الإداري عبر دمج التعليم المدني في الإطار العسكري وفرض الأكاديمية العسكرية كمعبر للترقي الوظيفي، بما يؤدي إلى تآكل الاستقلالية المؤسسية وتحويل الدولة تدريجيا إلى بنية معسكرة، لا يحمي فيها الجيش مدنية الدولة، بل يحلّ محلها.
نهاية، يمكن قراءة المقارنة بين 11 شباط/فبراير 2011 واللحظة الراهنة باعتبارها انتقالاً من منطق حكم يعترف بحدود القوة إلى منطق يسعى إلى نفيها. فبينما قبل مبارك، لحظة الانكسار، بأن الدولة أكبر من الحاكم وأن الجيش هو الضامن الأخير القادر على التضحية بالرئيس حفاظا على الكيان، أعاد النظام الحالي، بقيادة السيسي، صياغة المعادلة عبر دمج الجيش في صلب السياسة والاقتصاد والمجتمع بوصفه شرطا يوميا لاستمرار السلطة. ورغم أن هذا الدمج يبدو ضمانة استباقية ضد الاحتجاج، فإنه يحمل مفارقة خطيرة، إذ يحوّل الجيش من ملاذ أخير للدولة إلى طرف مسؤول عن إخفاقاتها، ويضع مصير السلطة والمؤسسة الحامية لها في كف واحدة، بحيث تغدو أي لحظة كاشفة اختباراً لبقاء النظام والدولة معاً.




