ما إن أغلق الحرس الوطني في السويداء طريق دمشق السويداء أمام الراغبين بالخروج من المحافظة، مساء السبت الماضي، عقب مقتل أربعة مدنيين في قرية المتونة برصاص عنصر من قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، حتى بدأت مظاهر الأزمة بشكل سريع على السويداء واقتصادها الهش.
سرعان ما اختفى الخبز من الأفران، وارتفع سعر البنزين من 15 ألف إلى 50 ألف ليرة، بينما لا يتجاوز سعره في دمشق الـ10 آلاف ليرة. كذلك، ارتفع ليتر المازوت من 10 آلاف إلى 15 ألف ليرة.
وتفاقمت الأزمة يوم الاثنين، بعد إبلاغ قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة، شركات النقل العامة بتوقيف حركة الذهاب والإياب على طريق دمشق السويداء، دون توضيح الأسباب. شوارع مدينة السويداء باتت شبه خالية من السيارات، حركة النقل تراجعت بشكل ملحوظ. البلديات أطلقت نداءات استغاثة لتأمين المازوت لآلياتها للقيام ببعض الخدمات الأساسية.
في مدينة شهبا شمال المحافظة، انقطع التيار الكهربائي ومعه المياه تلقائياً منذ أربعة أيام، نتيجة اشتباكات بين الأمن الداخلي والحرس الوطني على المحور الغربي للسويداء، ولم تحصل شركة الكهرباء حتى اليوم على موافقة أمنية من الحكومة السورية لإصلاح العطل. مشاهد قاسية تعكس مدى تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية داخل السويداء، تحت ضغط الاستعصاء السياسي.
حادثة المتونة: فتيل الأزمة الجديدة
مساء السبت الماضي، قُتل أربعة مزارعين من قرية المتونة الواقعة على طريق دمشق السويداء، وتحت سيطرة الحكومة السورية، برصاص عنصر من قوى الأمن الداخلي. وقعت الجريمة أثناء جني المزارعين لمحصول الزيتون بعد منحهم تصريحاً أمنياً بالدخول إلى القرية. وبرغم إعلان مديرية الأمن الداخلي في السويداء عن توقيف العنصر المتورط في الجريمة، إلا أن الحادثة عمّقت الأزمة السياسية والأمنية المستعصية أصلاً بين دمشق والسويداء.
وتحمل قرية المتونة أهمية خاصة كونها تقع على الطريق الرئيسي بين دمشق والسويداء، وهو شريان الحياة للمحافظة الجنوبية. في هذه القرية، يتموضع حاجز تابع لقوى الأمن الحكومية يُعرف باسم "المعبر"، والذي يمثل خطاً فاصلاً بين مناطق سيطرة الحكومة السورية ومناطق سيطرة الحرس الوطني داخل السويداء. وعلى بعد نحو 3 كيلومترات من هذا المعبر، يتواجد أول حاجز تابع للحرس الوطني في قرية أم الزيتون، ويحمل اسم "المعبر" أيضاً. تحولت هذه المعابر إلى نقاط اقتصادية وسياسية حساسة، وأصبحت تلعب دوراً بالغ الأهمية في التحكم في حركة الأشخاص والبضائع ومستلزمات الحياة الأساسية لأهالي محافظة السويداء.
فرصة ذهبية للمحتكرين
بعد جريمة المتونة، سارع الحرس الوطني إلى فرض إجراءات مشددة على "معبر" أم الزيتون، ومَنع الأهالي من مغادرة السويداء نحو دمشق، مدّعياً أن هذا الإجراء يهدف إلى حماية المدنيين من الاستهداف الطائفي. إلا أن هذه الخطوة كانت بمثابة فرصة ذهبية للمحتكرين والمتحكمين بالاقتصاد داخل السويداء، الذين يرتبطون أصلاً بالقوى العسكرية المسيطرة على المشهد.
ساعات قليلة اختفت خلالها المحطات المتنقلة التي تبيع البنزين، لتوعد في اليوم التالي، الأحد، لتعلن عن رفع الأسعار إلى ثلاثة أضعاف السعر السابق. في الوقت نفسه، شهدت الأفران نقصاً حاداً في الطحين، نتيجة عدم وصول توريدات منظمة الغذاء العالمي، الأحد، والمقدرة بنحو 500 طن تُرسل إلى السويداء كدفعة واحدة أسبوعياً منذ تموز/يوليو الماضي.
وقال مصدر في مديرية التجارة الداخلية، لـ"المدن"، إن الحكومة السورية لم تمنح منظمة الغذاء العالمي الموافقة لدخول السويداء الأحد، بحجة التوترات الأمنية. هذا الإجراء أدى لارتفاع سعر الطحين في السوق السوداء، ومعه سعر ربطة الخبز إلى 10 آلاف ليرة. كما توقفت الحكومة السورية عن إرسال طلبات المحروقات إلى السويداء، ما عمّق الأزمة المعيشية والخدمية في المنطقة.
سكان السويداء هم الضحية
ما شهدته السويداء من تقييد لحركة المرور عبر شريانها الحيوي، وارتفاع مفاجئ للأسعار، يسلط الضوء على تأثير التوترات السياسية والأمنية على الحياة اليومية للأهالي. فالمواطنون الذين وجدوا أنفسهم عالقين في وضع اقتصادي قاسٍ، أصبحوا ضحايا للأزمة المستمرة منذ تموز الفائت، تحت ضغط المعابر، وشبكات المحتكرين المرتبطة بقوى الأمر الواقع. التصريحات الرسمية من الجانبين غائبة، وسط حالة من الركود الاقتصادي، أصبح فيها الحصول على الخبز والمحروقات بسعر يتناسب مع مستوى الدخل حلماً للسكان.
وفي كل حادثة من هذا النوع، يظهر مدى تأثير الاستعصاء السياسي وغياب الحد الأدنى من التنسيق والتواصل بين الحكومة السورية في دمشق والسلطات المحلية في السويداء، على حياة المواطنين. كما أن غياب أية مبادرات لحل هذه الأزمات، جعلت الوضع يتفاقم بشكل أسرع، ويتحمل على وقعه الأهالي أعباء إضافية من معاناة متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية. ومع استمرار هذا الوضع المتدهور، يظل السؤال الشاغل لأهالي السويداء هو إلى متى الوضع سيبقى محكوماً بمزيد من التأزم السياسي والأمني والضغوط الاقتصادية التي تضع أبناء السويداء في قلب معركة من أجل البقاء؟




