واشنطن تكسر قيود الحرب الباردة وتلوح بتوسيع ترسانتها النووية

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770752638
بعد سقوط آخر معاهدة أميركا تلوح بالاختبارات النووية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في أعقاب انتهاء صلاحية آخر معاهدة نووية ملزمة بين الولايات المتحدة وروسيا، بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطوات عملية لإعادة تشكيل سياسة الردع النووي الأميركية، في تحول يُنهي عملياً أربعة عقود من القيود الصارمة التي حكمت سباق التسلح منذ نهاية الحرب الباردة.

وخلال الأيام الخمسة الأولى بعد سقوط المعاهدة، كشفت تصريحات لمسؤولين في الإدارة الأميركية أن واشنطن تدرس بنشاط خيارين رئيسيين نشر المزيد من الأسلحة النووية الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، وإمكانية استئناف التجارب النووية، لأول مرة منذ عام 1992.

وبحسب ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن هذه الخطوات تمثل انعطافة تاريخية في السياسة النووية الأميركية، وقد تجعل ترامب أول رئيس منذ عهد رونالد ريغان يزيد عدد الرؤوس النووية المنشورة فعلياً.

 

نهاية منظومة الضبط النووي

منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، اعتمدت واشنطن وموسكو على شبكة من المعاهدات للحد من التسلح، هدفت إلى تقليص عدد الرؤوس النووية، وضبط وسائل الإطلاق، وتعزيز الشفافية المتبادلة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.

وكانت معاهدة "نيو ستارت" آخر هذه الاتفاقيات، إذ حددت سقفاً يبلغ نحو 1550 رأساً نووياً منشوراً لكل طرف، إضافة إلى آليات تفتيش متبادلة. ومع انتهائها، دخلت العلاقات النووية الأميركية–الروسية مرحلة "اللا قيود"، للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عاماً.

وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت تجاربها النووية طوعياً عام 1992، ضمن توجه عالمي للحد من الانتشار النووي. غير أن ترامب أعلن في عام 2025 رغبته في استئناف الاختبارات "على أساس متكافئ" مع روسيا والصين، معتبراً أن استمرار التجميد يضع واشنطن في موقع ضعف.

وتشير مصادر داخل الإدارة للصحيفة الأميركية إلى أن الخيارات المطروحة تشمل اختبارات دون تفجير كامل "اختبارات تحت حرجة"، وتجارب مخبرية متقدمة لمحاكاة الانفجارات، واحتمال العودة إلى التفجيرات الفعلية في حال تصاعد التوترلكن حتى الآن، لم تُعلن أي خطة رسمية أو جدول زمني، ما يزيد حالة الغموض.

 

تحذيرات الخبراء من "منطقة رمادية"

قالت جيل هروبي، المديرة السابقة للإدارة الوطنية للأمن النووي "كل ما يجري الآن غامض… السياسات غير واضحة، والقرارات تبدو متسرعة"، ويرى خبراء أن الإدارة تعتمد سياسة "المنطقة الرمادية"، أي إبقاء جميع الخيارات مفتوحة دون التزام واضح، بهدف الضغط على الخصوم، والحفاظ على هامش المناورة، وتجنب ردود فعل دولية فورية. لكن هذا النهج، وفق محللين، يزيد خطر سوء التقدير الاستراتيجي.

وبعد انتهاء المعاهدة، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تمديداً غير رسمي لمدة 15 عاماً، ريثما يتم التفاوض على اتفاق جديد. غير أن ترامب رفض العرض، معتبراً أنه "غير ملزم" ولا يخدم المصالح الأميركية. وبهذا القرار، أُغلِق آخر مسار دبلوماسي منظم بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم.

وأرسلت وزارة الخارجية الأميركية وكيلها لشؤون الحد من التسلح، توماس دي نانو، إلى جنيف في يوم انتهاء المعاهدة،  حيث قال أمام مؤتمر نزع السلاح "نيو ستارت فرضت قيوداً أحادية الجانب غير مقبولة على الولايات المتحدة".

وأضاف أن الاتفاقية فشلت في تغطية الأسلحة الروسية الجديدة، واحتواء البرنامج النووي الصيني المتسارع، وضبط الأسلحة النووية قصيرة المدى. وأشار إلى أن ترامب انسحب سابقاً من معاهدتين مع موسكو بسبب "انتهاكات روسية".

 

الأسلحة التكتيكية والردع الموسّع

ويتمثل أحد محاور التوسع الأميركي في تطوير ونشر أسلحة نووية قصيرة المدى، تُعرف بالأسلحة "التكتيكية". وتتميز هذه الأسلحة بمدى أقصر، وقدرة تدميرية أقل نسبياً، وإمكانية استخدامها في ساحات المعارك الإقليمية. وكانت روسيا قد نشرت مئات منها خلال العقد الماضي، ما دفع واشنطن إلى اعتبارها "ثغرة استراتيجية". 

وتركز أهم خطوة عملية أميركية حتى الآن على أسطول الغواصات النووية من فئة "أوهايو" ويتضمن 14 غواصة، لكل منها 24 أنبوب أصلي منها 4 أنابيب معطلة، ويبلغ عدد الصواريخ الإضافية المحتملة 4 لكل غواصة.

وبعد رفع القيود، تعتزم البحرية الأميركية إعادة تشغيل الأنابيب المعطلة، ما يضيف عشرات الصواريخ ومئات الرؤوس النووية. ويرى خبراء أن هذا الإجراء وحده يعادل "زيادة ترسانة دولة نووية متوسطة الحجم".

يرى محللون أن استراتيجية ترامب تقوم على ما يُعرف تاريخياً بـ"البوكر النووي"، أي رفع سقف التهديد، وخلق حالة توتر، ودفع الخصوم إلى التفاوض من موقع ضعف. لكن الخطر يكمن في أن روسيا والصين قد تردان بخطوات مماثلة، ما يحوّل الضغط التفاوضي إلى سباق تسلح فعلي.

 

البنتاغون يضبط شركات السلاح

بالتوازي مع التصعيد النووي، شددت وزارة الدفاع الأميركية رقابتها على الصناعات العسكرية.

وأبلغ وكيل الوزارة مايكل دافي كبار المقاولين العسكريين بإطلاق مراجعات شاملة للأداء، استناداً إلى أمر تنفيذي أصدره ترامب في يناير 2026. وينص القرار على منع إعادة شراء الأسهم، وتقييد الأرباح، وخفض مكافآت الإدارة العليا، وإلغاء عقود المتعثرين.

وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن "الإجراءات العقابية ستُفرض عند الضرورة". وكرر وزير الدفاع بيت هيغسيث موقف ترامب خلال تجمع لعمال بناء السفن، قائلاً "لا رواتب خيالية، ولا مكافآت فلكية لشركات لا تفي بالتزاماتها". ويستهدف هذا الخطاب شركات كبرى، أبرزها آر تي إكس، وجنرال دايناميكس، ولوكهيد مارتن، وإلـ 3 هاريس تكنولوجيز.

وقد أعلنت هذه الشركات استثمارات بمليارات الدولارات لتوسيع خطوط الإنتاج، فيما خصص البنتاغون مليار دولار لتسريع تصنيع الصواريخ.

وتعكس هذه التطورات توجهاً متكاملاً يقوم على توسيع الترسانة النووية، وتحديث وسائل الإطلاق، وضبط الصناعات الدفاعية، وتقليص الاعتماد على المعاهدات. وهو ما يشير إلى انتقال واشنطن من "الردع التعاوني" إلى "الردع الأحادي المعزز".

 

نظام نووي جديد بلا قواعد؟

وفي ظل انهيار منظومة المعاهدات، وتزايد الغموض الاستراتيجي، يدخل العالم مرحلة نووية غير مسبوقة منذ ستينيات القرن الماضي. ويبقى السؤال المركزي مفتوحاً هل تستخدم إدارة ترامب التصعيد النووي كورقة تفاوض لإنتاج نظام ردع ثلاثي جديد، أم أنها تمضي فعلياً نحو إعادة سباق التسلح، بكل مخاطره السياسية والإنسانية؟.

الإجابة ستتضح مع الخطوات المقبلة… لكن المؤشرات الحالية توحي بأن عصر "الضبط النووي" يقترب من نهايته.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث