تتصاعد الضغوط على رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، بعد استقالة رئيس طاقمه مورغان مكسويني، وتجدد الجدل حول تعيين السفير بيتر ماندلسون وعلاقته بجيفري إبستين، فيما تتسع التكهنات داخل حزب العمال بشأن سيناريوهات الخلافة.
بيتر ماندلسون هو أحد أكثر الوجوه نفوذاً وإثارة للجدل في تاريخ حزب العمال البريطاني، بسبب دوره المحوري خلف الكواليس. وهو كان من مهندسي مشروع حزب العمال الجدد في عهد توني بلير، وتولى مناصب وزارية بارزة قبل أن يصبح لاحقاً مفوضاً أوروبياً للتجارة، ثم يعود إلى الواجهة في زمن كير ستارمر.
استقالة مورغان مكسويني، كبير موظفي رئيس الوزراء كير ستارمر، لم تكن مجرد تعديل إداري في قلب داونينغ ستريت 10، بل علامة على أن مركز السلطة نفسه دخل مرحلة ارتباك، في الوقت الذي يتغذى فيه الرأي العام والإعلام البريطاني على تفاصيل فضيحة تتقاطع فيها السياسة مع اسم لطالما أحرق كل من اقترب منه، جيفري إبستين.
استقالة في مركز العاصفة
مكسويني الذي يُنسب إليه دور محوري في تنظيم ماكينة حزب العمال، وصولاً إلى فوزهم في انتخابات 2024، غادر هذه المرة وهو يتحمل المسؤولية عن نصيحة فتحت على الحكومة باباً شديد الحساسية. فالتعيين الذي أعاد إشعال الأزمة هو اختيار بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، في ظل عودة ملف إبستين إلى الواجهة عبر وثائق وإفادات أميركية أُفرج عنها مؤخراً، ما أعاد طرح السؤال الأشد إحراجاً، هل كان يجب أن يمر هذا التعيين أصلاً، سياسياً وأخلاقياً، مهما كانت خبرة صاحبه وصلاته داخل دوائر النخبة البريطانية؟
مأزق ستارمر
الأزمة لا تُقرأ حتى الآن باعتبارها اتهاماً قانونياً مباشراً لرئيس الوزراء، بل باعتبارها امتحاناً قاسياً لحسن التقدير. لكن، كلما طال بقاء الموضوع في صدارة عناوين الاخبار، اتسعت الفجوة بين خطاب الشفافية الذي جاء به حزب العمال إلى السلطة، وبين الانطباع الذي يتكون لدى الجمهور بأن دوائر القرار لا تزال أسيرة شبكات النفوذ القديمة.
هذا ما يفسر لماذا تبدو استقالة مكسويني أكثر من مجرد خطوة إدارية. فهي، في جانب منها، محاولة لامتصاص الغضب، وإظهار أن هناك من يدفع الثمن داخل الحلقة الأقرب من ستارمر، لكنها في جانب آخر، اعتراف بأن الأزمة وصلت إلى قلب غرفة القيادة. وفي لحظات كهذه، لا تنتظر وستمنستر كثيراً قبل أن يبدأ السؤال التقليدي، من هو رئيس الحكومة التالي؟
في هذا المناخ تحديداً، بدأ تداول أسماء على شكل سيناريوهات أكثر منه حقائق. ومع كل أزمة تتزاحم فيها الروايات، تبحث الصحافة عن وجه يمكن اختزاله في عنوان جذاب، ويبحث الحزب في الكواليس عن صيغ تضمن تماسكه إن ساءت الأمور. هكذا برز اسم وزيرة الداخلية شابانا محمود، لا بوصفها مرشحة حتمية، بل بوصفها عنواناً يجمع بين موقع سيادي ورمزية عالية، في لحظة تبحث فيها السياسة عن صور قوية بقدر ما تبحث عن حلول.
لماذا شابانا محمود تحديداً؟
شابانا محمود تقف اليوم في واحدة من أكثر الوزارات حساسية وتأثيراً في بريطانيا. ووزارة الداخلية ليست حقيبة عادية، فهي حيث تتقاطع ملفات الأمن والهجرة والشرطة مع قلق الشارع وأسئلة الهوية وحدود الدولة. وحين يكون صاحب هذه الحقيبة في الواجهة، يصبح تلقائياً ضمن دائرة الضوء، خصوصاً عندما تهتز الحكومة. يضاف إلى ذلك أن قصة أول رئيسة وزراء مسلمة تحمل جاذبية إعلامية واضحة، سواء قدمت كبعد تاريخي لافت أو كبذرة لاستقطاب جديد. لكن هذا البعد الرمزي، مهما كان لامعاً، لا يحسم وحده معارك القيادة داخل حزب بحجم العمال.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين التداول الإعلامي وبين الوقائع التنظيمية. فحتى اللحظة، لا يوجد تحدٍ رسمي معلن لستارمر داخل حزب العمال البريطاني، ولا آلية تنافس مفتوحة. وما يتردد في الأحاديث هو أقرب إلى جس نبض تفرضه الأزمة. كما أن سوق الأسماء لا يتوقف عند شابانا محمود، إذ تبرز شخصيات أخرى تُذكر بوتيرة أقل لأسباب تتعلق باتساع شبكات الدعم داخل الكتلة البرلمانية، أو بامتلاك خبرة تنفيذية في الملفات الاقتصادية والخدماتية التي تعد عادة ممراً تقليدياً نحو رئاسة الحكومة.
هل هي فعلا في موقع الخليفة؟
ظهور شابانا محمود في الواجهة ليس تفصيلاً عابراً. فالأزمات الكبرى غالباً ما تخلق فرصة لوجوه جديدة أو لتوازنات مختلفة، وتدفع الحزب إلى التفكير في الصورة التي يريد تقديمها للبلاد حين تهتز شرعيته الأخلاقية. وفي حال تحول الجدل إلى نزيف سياسي متواصل، قد يصبح الحديث عن الخلافة أكثر اقتراباً من الواقع، عندها ستدخل الأسماء المتداولة امتحاناً قاسياً، امتحان حشد الدعم داخل الحزب أولاً، ثم اختبار القدرة على مخاطبة البلاد وإعادة بناء الثقة ثانياً.
يتعرض ستارمر لضغط حقيقي، واستقالة رئيس طاقمه تعكس حجم الكلفة السياسية داخل مركز الحكم، لكن ترجمة ذلك إلى سقوط سريع ليست تلقائية، خصوصاً في ظل أغلبية برلمانية مريحة لحزب العمال. أما شابانا محمود، فهي اسم حاضر بقوة في التداول لأنها تجمع بين الموقع والرمزية، غير أن طريق القيادة إن فتح لن يُحسم بعناوين الصحف وحدها، بل بأرقام التأييد داخل الحزب، وبقدرة المرشح على تقديم نفسه بوصفه ضمانة للاستقرار، لا مجرد عنوان جذاب في لحظة أزمة.




