الحسكة على عتبة إعادة التشكّل: الاتفاق يسير على حافة الهدوء

خاص - المدنالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770652370
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن محافظة الحسكة مجرّد ساحة توتر أمني عابر في الأسابيع التي سبقت اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير، بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). بل كانت الحسكة مختبراً مكثفاً لصراع سرديات ومشاريع حكم متنافسة في شمال شرق سوريا، ومختبراً أيضاً لحدود قدرة الدولة على إعادة بسط حضورها في مناطق خرجت من قبضتها المباشرة منذ عام 2012.

ما جرى في المدينة، منذ الاشتباكات المحدودة مروراً بحالة الاستنفار العسكري، وصولاً إلى الاتفاق ثم زيارة وفد وزارة الدفاع السورية في 6 شباط/فبراير 2026، أعطى الانطباع بأن الحسكة لم تعد تقف فقط عند عتبة تهدئة أمنية، بل عند عتبة إعادة تشكيل كاملة لعلاقتها مع المركز، ولشكل السلطة في منطقة ظلّت لعقد كامل محكومة بمنطق الإدارة الذاتية والأمر الواقع.

وفق مصادر المدن، فإن الدافع الأساسي للاتفاق لم يكن أمنياً بحتاً، بل سياسياً وإدارياً بامتياز: كيف يمكن إعادة دمج محافظة شديدة التعقيد الإثني والسياسي ضمن الدولة من دون تفجير صدام جديد، ومن دون خسارة ما تبقّى من تماسك اجتماعي محلي؟

 

هدنة الرصاص… وبداية إعادة ترتيب الدولة

ينصّ البند الأول من الاتفاق على وقف إطلاق نار دائم وشامل، وإيقاف المداهمات والاعتقالات المرتبطة بالأحداث الأخيرة. ظاهرياً، يبدو هذا بنداً تقليدياً في أي اتفاق تهدئة، لكن ما كشفته مصادر "المدن" أن خلف هذا السطر تختبئ معادلة أعمق بكثير.

من جهة، كانت الحكومة السورية حريصة على إنهاء مشاهد الاقتتال الداخلي في الحسكة، ليس فقط لأسباب إنسانية، بل لأن هذه المشاهد أضرّت بصورة الدولة داخلياً وخارجياً في لحظة تحاول فيها دمشق إعادة تقديم نفسها كسلطة جامعة بعد سنوات من التفكك. ومن جهة ثانية، كانت "قسد" تخشى أن تتحول التهدئة إلى مقدمة لاجتثاث أمني كامل لها، خصوصاً في المدن الكبرى.

الإبقاء على حماية سجون "داعش" بيد قسد، كما ذكرت مصادر "المدن"، لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل اعترافاً عملياً بأن الدولة لا تملك حالياً القدرات اللوجستية والاستخبارية الكافية لإدارة هذا الملف بمفردها، في ظل حساسيته الدولية وضغوط التحالف الدولي.

كما أن عبارة "تقديم الدعم اللوجستي لعملية الإخلاء الجارية" التي وردت في الاتفاق، أشارت وفق معلومات حصلت عليها "المدن"، إلى ترتيبات نقل محسوبة لعناصر ومعدات، وليس انسحاباً عشوائياً أو انهياراً لـ"قسد". بهذا المعنى، كانت الهدنة بداية تفاوض على شكل السلطة، لا مجرد وقف لإطلاق النار.

 

المدن بلا ثكنات: فراغ منضبط

أكثر ما لفت الانتباه في الترتيبات العسكرية، هو انسحاب "قسد" من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكناتها المتفق عليها، مقابل تمركز الجيش السوري في الشدادي جنوب المحافظة. هذا الترتيب، وفق قراءة قدّمها محللون، حوّل الشدادي من بلدة نفطية زراعية إلى مركز ثقل عسكري جديد في شمال شرق سوريا.

تفريغ المدن من الوجود العسكري المباشر للطرفين حمل رسائل متعددة. أولاً، رسالة إلى السكان بأن مرحلة الاحتكاك اليومي بالسلاح داخل الأحياء ستنتهي أو تتراجع. ثانياً، رسالة سياسية مفادها أن الدولة لا تريد إدارة المدن بالدبابات، بل عبر مؤسسات مدنية وأمنية نظامية. وثالثاً، خلق فراغ أمني منضبط يُراد ملؤه لاحقاً بقوة مشتركة مُعاد تشكيلها.

أحد المسؤولين المحليين في الحسكة، قال لـ"المدن"، إن "الشارع تنفّس الصعداء حين غابت المظاهر المسلحة الكثيفة"، لكنّه أضاف أن هذا الهدوء لا يزال هشاً، لأن الثقة بين الأطراف لم تُبنَ بعد.

 

فرقة الحسكة: قلب الصفقة العسكرية

البند الأكثر استراتيجية في الاتفاق، كان إنشاء فرقة عسكرية لمحافظة الحسكة، مقرها الشدادي، وتعمل بإشراف وزارة الدفاع السورية. وفق مصادر "المدن"، كان هذا البند محور النقاش الأصعب بين الطرفين، لأنه يمسّ جوهر موازين القوة على الأرض.

عملياً، يعني إنشاء هذه الفرقة الانتقال من مشهد تعددية مسلحة داخل المحافظة إلى وحدة قيادة واحدة. لم يعد مقبولاً، في منطق الدولة، أن توجد قوتان متوازيتان تديران الأمن والعسكر في المكان نفسه.

دمج ثلاثة ألوية من "قسد" ضمن هذه الفرقة، لم يكن تفكيكاً لـ"قسد"، بل إعادة تعريف لها: من قوة شبه دولة إلى مكوّن داخل الدولة. أما تسليم السلاح الثقيل للفرقة الجديدة، فكان رسالة واضحة بأن السيطرة الاستراتيجية ستصبح تحت مظلة رسمية.

مع ذلك، بقي سؤال مفتوحاً بين السياسيين المحليين: هل ستكون هذه الفرقة مجرد هيكل انتقالي، أم نواة لجيش سوري ذي طابع لامركزي يعترف بخصوصية الشمال الشرقي؟ معظم التقديرات التي وصلت إلى "المدن" تميل إلى أنها ستكون مزيجاً بين الأمرين: شكل مركزي مع حضور محلي واضح.

 

كوباني… من أيقونة إلى لواء نظامي

البند الرابع من الاتفاق، نصّ على دمج القوة العسكرية في كوباني ضمن لواء تابع لفرقة عسكرية في محافظة حلب. هذا التحول، بحسب مصادر "المدن"، يحمل دلالات رمزية كبيرة.

كوباني لم تكن مدينة عادية؛ كانت رمزاً عالمياً لمقاومة "داعش"، ومختبراً للتجربة الكردية العسكرية والسياسية. إخراجها من وضع الكيان العسكري شبه المستقل وربطها بسلسلة قيادة سورية أوسع، يعني عملياً نقلها من فضاء الثورة إلى فضاء الدولة.

ويقول ناشط كردي لـِ "المدن"، إن "كوباني ستبقى رمزاً، لكن الرمز سيتحوّل من بندقية مرفوعة إلى مؤسسة نظامية"، في إشارة إلى انتقال المدينة من منطق التعبئة الدائمة إلى منطق الاندماج.

 

الأمن الداخلي: تفكيك ثقافة الميليشيا

ملف الأمن المحلي كان من أكثر الملفات حساسية في الاتفاق. دخول 15 سيارة أمنية لكل من الحسكة والقامشلي، وفق معلومات مصادر "المدن"، جاء كإجراء عاجل لتعزيز الاستقرار ومنع الفراغ الأمني.

الأهم كان بدء دمج قوات الأسايش ضمن وزارة الداخلية، مع تسجيل نحو ألفي عنصر للعمل في خدمات المحافظة، بما فيها المرور والشرطة المدنية. الشرط الأساسي كان أن يكونوا سوريين حصراً، في رسالة واضحة إلى منع أي وجود غير سوري في الأجهزة المحلية.

استدعاء كل عنصر بشكل فردي إلى مركز التجنيد لم يكن إجراءً روتينياً، بل عملية تدقيق أمنية وسياسية. وقال بعض المطلعين لـ"المدن"، إن الهدف كان غربلة العناصر المتشددة أو المرتبطة بأجندات خارجية.

في المقابل، طُلب من المجموعات المسلحة غير المنضوية في الأسايش، الانسحاب إلى عامودا أو الدرباسية أو المالكية، ما عكس رغبة الحكومة في "تنظيف" المدن من أي تشكيلات غير نظامية قد تعيق توحيد القرار الأمني.

 

تقاسم النفوذ… لا انتصار ولا هزيمة

الاتفاق لم يُنهِ نفوذ "قسد"، بل أعاد توزيعه. محافظ الحسكة يُرشَّح من قبل "قسد"، بينما يُرشَّح قائد الأمن من الحكومة السورية، إضافة إلى معاون لوزير الدفاع من طرف "قسد".

هذه الصيغة، كما وصفتها مصادر "المدن"، تشبه عقد شراكة غير مكتوب: واجهة مدنية محلية لـ"قسد" مقابل استعادة الدولة للقبضة الأمنية والعسكرية العليا. ليست محاصصة كاملة، لكنها توازن دقيق يمنع الإقصاء الكامل لأي طرف.

سياسي محلي علّق لـ"المدن" قائلاً إن "هذه ليست هزيمة لقسد ولا انتصاراً كاملاً للدولة، بل ترتيب مؤقت قد يتطور إلى نموذج حكم جديد في الشمال الشرقي".

 

المدن بلا سلاح… رهان المرحلة

البند العاشر الذي يمنع دخول القوات العسكرية إلى المدن والبلدات، خصوصاً في المناطق الكردية، اعتُبر من أكثر البنود حساسية مدنياً. نظرياً، يقلّل هذا البند الاحتقان ويحدّ من ثقافة السلاح ويعيد الاعتبار للشرطة المدنية.

لكن مراقبين تحدّثوا إلى "المدن"، أشاروا إلى أن الالتزام العملي بهذا البند سيُختبر عند أول حادث أمني كبير. هل ستصمد القاعدة أم ستعود الدبابات إلى الشوارع بحجة “الضرورة”؟

لا ينهي اتفاق 29 كانون الثاني، الصراع في شمال شرق سوريا، لكنه يغلق فصلاً كاملاً من الحكم الموازي في الحسكة. المدينة تقف اليوم بين ماضي الحرب ومستقبل الدولة.

إذا نجح مسار الدمج، قد تصبح الحسكة نموذجاً لسوريا جديدة. أما إذا فشل، فقد تتحول المحافظة إلى ساحة توتر مؤجل ينتظر شرارة جديدة. وحتى الآن، المؤشرات التي رصدتها مصادر المدن تميل إلى خيار الدمج، لا الانفجار. عودة المؤسسات، انسحاب السلاح من المدن، وترتيبات المعابر والنفط، كلها خطوات في اتجاه تثبيت الدولة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث