الأخطر منذ 58 عاماً ... قرارات إسرائيلية ترسم المشهد بالضفة

ياسر مناعالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770658647
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت في 8 شباط/ فبراير الجاري، أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (كابينت) صادق على حزمة قرارات تتعلق بإدارة الأراضي والتخطيط والبناء في الضفة الغربية، وذلك في بيان مشترك لوزير الأمن يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وصفت الصحيفة هذه الخطوات بأنها دراماتيكية وتُحدث تحولاً جوهرياً في الواقع الميداني في الضفة، في حين اعتبرها مجلس المستوطنات الأهم منذ 58 عاماً.

جاءت هذه الخطوات بالتزامن مع استعداد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة، وفي ظل تساؤلات داخل إسرائيل حول مستوى التنسيق مع واشنطن وحول التداعيات الأمنية والدبلوماسية المحتملة.

ترى الحكومة الإسرائيلية أن القرارات تزيل عوائق تاريخية أمام الاستيطان وتؤسس لإدارة أكثر طبيعية للحياة المدنية - الاستيطانية في الضفة، بينما تحذر جهات في المؤسسة العسكرية والمعارضة السياسية من أن هذه الخطوات قد تقود إلى تصعيد ميداني وتوترات دولية. يعكس الجدل حجم التحول الذي تحمله القرارات، لأنها لا تقتصر على ملف واحد بل تمتد إلى الأراضي والتخطيط والإنفاذ والإدارة البلدية.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة حول طبيعة هذه الخطوات ودلالاتها وحدود تأثيرها في مستقبل الضفة.

 

ما الذي تتضمنه القرارات الإسرائيلية بالتفصيل؟

تشمل القرارات إعادة تنظيم واسعة لملف الأراضي والإدارة المدنية والتخطيط. جرى رفع السرية عن سجلات الأراضي لدى الإدارة المدنية بما يتيح للمستوطنين الوصول إلى بيانات الملكية والتواصل المباشر مع مالكي الأراضي الفلسطينيين وإبرام صفقات البيع.

أُلغي القانون الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي لمن لا يُعدّون عربا، وأُلغي شرط التصاريح الخاصة لإتمام الصفقات العقارية. أُلغي كذلك شرط الرقابة المهنية المسبقة على صفقات الأراضي، والاكتفاء بشروط التسجيل الأساسية ما يختصر الإجراءات ويقلل زمن إنجاز الصفقات. 

فيما استؤنف عمل لجنة شراء الأراضي الحكومية بهدف تمكين الدولة من شراء أراضٍ بصورة منظمة، وتوفير احتياطي أراضٍ للمشاريع المستقبلية. امتدت القرارات إلى توسيع صلاحيات الإدارة المدنية في مناطق (أ) و(ب) مع اختلاف طبيعة السيطرة في كل منهما. في مناطق (أ) تتولى السلطة الفلسطينية الإدارة المدنية والأمنية نظرياً، لذلك يمثّل توسيع الصلاحيات الإسرائيلية تدخلاً مباشراً في ملفات البيئة والمياه والآثار والتراث داخل مناطق يُفترض أنها خارج الولاية الإدارية الإسرائيلية. 

أما في مناطق (ب) فتدير السلطة الشؤون المدنية بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية، ما يجعل توسيع الصلاحيات خطوة تعمّق الحضور الإداري الإسرائيلي وتوسّع نطاق تدخله في مجالات كانت تُدار مدنياً من قبل السلطة. كانت هذه الصلاحيات سابقاً محدودة ومحصورة في نطاقات ضيقة، بينما يمنح التغيير الجديد السلطات الإسرائيلية قدرة أوسع على التدخل في مساحات تخضع نظرياً لإدارة السلطة الفلسطينية. إضافة إلى نقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل، وإنشاء إدارة بلدية خاصة بمجمع قبر راحيل.

 

ما الذي يكشفه أسلوب إعلان قرارات المجلس الوزاري؟

يكشف غياب بيان حكومي رسمي مقابل صدور التصريحات عن وزراء محدّدين نمطاً متكرراً في إدارة القرارات الحساسة يقوم على إبقاء قدر من الغموض المؤسسي. يمنح هذا الأسلوب القيادة السياسية هامش مناورة أمام ردود الفعل الدولية، خاصة الأميركية. يتيح ذلك لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إمكانية التراجع أو إعادة الصياغة عند ظهور اعتراض مباشر من واشنطن، عبر تقديم ما صدر بوصفه مواقف وزارية أو توجهات داخلية لم تتحول بعد إلى قرار حكومي ملزم.

 

لماذا يشكّل ملف الأراضي محور هذه القرارات؟

يؤدي فتح سجلات الأراضي وإلغاء القيود القانونية إلى إزالة العوائق التي كانت تحدّ من قدرة المستوطنين على شراء الأراضي، ويحوّل العملية إلى مسار أسرع وأبسط بعد أن كانت تعتمد على شركات وسيطة لتجاوز القيود السابقة. إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي تعيد للدولة دورا مباشرا في توجيه سوق الأراضي وتأمين مخزون استراتيجي للمشاريع الاستيطانية المستقبلية. إن انتقال الأراضي إلى ملكيات فردية استيطانية، يرسّخ واقعاً يصعب التراجع عنه لاحقاً، لأن الملكية الفردية تولّد شبكة مصالح قانونية ومالية تجعل أي انسحاب أو تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً من الناحية القانونية والسياسية.

كما منحت القرارات الإدارة المدنية صلاحيات أوسع في مجالات البيئة والمياه والآثار داخل مناطق (أ) و(ب) التي تُدار مدنيا من قبل السلطة الفلسطينية نظرياً. في مناطق (أ) يمثل ذلك تدخلاً مباشراً في مجالات خارج الولاية الإدارية الإسرائيلية، وفي مناطق (ب) يعمّق الحضور الإداري الإسرائيلي في مجالات كانت تُدار مدنياً، فلسطينياً. توسع الصلاحيات يمنح إسرائيل أدوات عمل إضافية داخل مناطق لم تكن خاضعة للإنفاذ المباشر سابقا، ما يعكس تحولا في حدود التدخل الإداري.

 

لماذا تُعد الخليل مركز التحول الأبرز؟

نقل صلاحيات ترخيص البناء للمستوطنين في الخليل والحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل إلى مؤسسات التخطيط الإسرائيلية يغيّر آلية التخطيط العمراني جذرياً. أصبحت الموافقة الأمنية من قبل الجيش الإسرائيلي كافية بعد أن كان أي تغيير يتطلب المرور عبر البلدية والإدارة المدنية. يؤدي ذلك إلى تقليص الاعتماد على المؤسسات الفلسطينية وتسهيل التوسع العمراني للمستوطنين. توقيت الخطوة حساس بسبب الأبعاد الدينية والسياسية للحرم الإبراهيمي واحتمالات التصعيد الميداني والضغوط الدولية المرتبطة به.

 

ما دلالة إنشاء إدارة بلدية لمجمع قبة راحيل؟

إنشاء إدارة بلدية خاصة بالمجمع قبر راحيل ( المعروف فلسطينياً مسجد بلال) داخل نطاق بلدية بيت لحم يخلق إدارة منفصلة داخل نطاق بلدية فلسطينية. في هذا المقام ترى الحكومة الإسرائيلية أن الهدف تحسين الخدمات والبنية التحتية، بينما يعكس القرار إعادة ترتيب الخريطة البلدية وتوسيع السيطرة الإدارية الإسرائيلية على الأرض.

 

ما موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والسياق السياسي؟

دعمت المؤسسة الأمنية معظم القرارات مع تحفظات على توقيت بعض الخطوات المرتبطة بالخليل واحتمالات التصعيد. جاء اتخاذ القرارات بالتزامن مع زيارة مرتقبة لبنيامين نتنياهو لواشنطن وفي ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي في أكتوبر القادم، وهذا ما يضعها ضمن سياق سياسي أوسع ويشير إلى أن الضفة تدخل مرحلة جديدة تحمل تداعيات طويلة المدى على الواقع الميداني والسياسي.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث