ملفات إبستين تهدد الحكومة البريطانية.. دعوات لاستقالة ستارمر

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/02/09
كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني (Getty)
فضيحة ماندلسون تفجر أخطر أزمة في عهد ستارمر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الانصياع للدعوات المتزايدة لاستقالته، في ذروة أزمة سياسية فجرتها فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، وما تلاها من تسريبات ووثائق مرتبطة بالمدان الراحل جيفري إبستين.

وجاء موقف ستارمر فيما تتواصل تداعيات استقالتين متتاليتين داخل مكتبه خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وسط تصاعد الغضب داخل حزب العمال وتكثيف هجمات المعارضة، بالتزامن مع إشارات اقتصادية عكست قلق الأسواق من اضطراب المشهد السياسي.

 

محاولة لكبح الانهيار

وأطلق ستارمر ما بدا كنداء تعبئة لموظفي رئاسة الوزراء صباح اليوم الاثنين، داخل مكتبه في "داونينغ ستريت"، في خطوة هدفت إلى إظهار تماسك القيادة بعد أيام من الاتهامات بسوء التقدير في ملف ماندلسون. 

وكرر رئيس الوزراء في كلمته أسفه لقرار التعيين، مؤكداً ضرورة استعادة الثقة العامة، قائلاً إن السياسة يجب أن تُثبت أنها "قوة للخير"، وأن الحكومة "تمضي إلى الأمام بثقة لمواصلة تغيير البلاد".

وأشاد ستارمر بمستشاره الأقرب مورغان ماكسويني، واصفاً إياه بـ"الصديق"، ومذكّراً بدوره في إعادة تشكيل حزب العمال وصولاً إلى فوزه في انتخابات عام 2024 بأغلبية برلمانية واسعة اعتُبرت من الأكبر في التاريخ الحديث لبريطانيا.

وعقب الاجتماع، أعلن مدير الاتصالات في "داونينغ ستريت"، تيم آلان، استقالته، موضحاً أنه يتنحى لإفساح المجال أمام "فريق جديد" يدعم رئيس الوزراء. وجاءت استقالة آلان بعد يوم واحد فقط من تنحي مورغان ماكسويني، الذي استقال على خلفية تعيين ماندلسون وما كُشف عن صلاته بإبستين.

وقال متحدث باسم ستارمر لاحقاً، إن رئيس الوزراء "يركّز على أداء مهامه" ولا يعتزم التنحي، مضيفاً أن استقالة آلان تمت بعد اجتماع الموظفين.

 

ماندلسون تحت التحقيق 

وتفاقمت الأزمة بعد أن تضمنت ملفات أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي، رسائل بريد إلكتروني تشير إلى أن بيتر ماندلسون سرّب إلى جيفري إبستين نقاشات حكومية حساسة خلال الأزمة المالية العالمية، بينها ما يتعلق باحتمالات بيع أصول بريطانية وتغييرات ضريبية. ولم يعلّق ماندلسون علناً على الاتهامات، كما لم يستجِب لطلبات التعليق.

وبحسب التطورات التي تحيط بالقضية، يخضع ماندلسون لتحقيقات الشرطة بتهمة محتملة تتعلق بسوء السلوك في المنصب العام، ما حوّل قرار تعيينه إلى عبء سياسي مباشر على ستارمر، وأثار أسئلة متزايدة عن حكمه وقدرته على إدارة الحكومة.

وفي مواجهة الاتهامات، اتهم ستارمر ماندلسون بصناعة "سجل من الخداع" بشأن علاقته بإبستين، وتعهد بنشر الوثائق المتعلقة بكيفية إتمام تعيينه، مؤكداً في حديثه للموظفين، أنه اعتذر لضحايا القضية، وأن ذلك "هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله".

 

اسكتلندا تقود التمرد

ولم تتراجع الضغوط السياسية، بل تصاعدت مع انتقال الاعتراض إلى مستوى قيادي داخل حزب العمال. إذ نقلت تقارير أن زعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس ساروَر، كان يستعد لإعلان موقف علني يطالب فيه ستارمر بالتنحي خلال مؤتمر صحافي في وقت لاحق من اليوم، قبل أن يتحول ذلك إلى عنوان رئيسي للأزمة داخل الحزب.

واستند ساروَر في موقفه إلى ما اعتبره تراكماً لـ"أخطاء كثيرة" في "داونينغ ستريت" حجبت إنجازات الحكومة وأغرقت رسائلها، في وقت تتجه فيه اسكتلندا إلى انتخابات برلمانها في أيار/مايو. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى تراجع دعم حزب العمال في اسكتلندا منذ انتخابات 2024، مع وجوده في المرتبة الثالثة خلف الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب "ريفورم يو كيه"، ما جعل قيادة الحزب هناك تعتبر استمرار الأزمة في لندن عاملاً مهدداً لحظوظها الانتخابية.

 

محاولة لإعادة ضبط السرد

وكان ستارمر يأمل، بعد استقالة مورغان ماكسويني، أن يعيد ضبط المشهد السياسي ويستعيد المبادرة، عبر العودة إلى أجندة أعلنها منذ توليه السلطة لكنه فشل في تثبيتها على نحو مستقر، وفي مقدمتها مواجهة غلاء المعيشة وإنعاش الاقتصاد البريطاني. غير أن الاستقالة الثانية وتقارير تمرد اسكتلندا، قلّصت فرص هذا "التحول"، وأعادت الأزمة إلى واجهة اليوم السياسي بالكامل.

وفي أجواء الانقسام المتصاعد، عبّر نائب من حزب العمال، عن صورة قاتمة للمشهد، قائلاً إن ما يجري "مؤلم"، ويشبه "حادث سيارة قاتلاً يُشاهد ببطء"، وفق وكالة "رويترز".

ولم تكن السياسة وحدها ساحة ارتدادات الأزمة. فقد ارتفعت كلفة اقتراض الحكومة البريطانية، في إشارة فسّرها مراقبون بأنها تعكس قلق المستثمرين من احتمال تفاقم عدم الاستقرار داخل حزب العمال، وتزايد مخاطر انتقال القيادة إلى جناح أكثر ميلاً للاقتراض والإنفاق، في حال أُجبر ستارمر على التنحي أو تراجعت سلطته داخل الحزب.

 

هجوم المحافظين

في المقابل، استثمرت المعارضة الأزمة لتوجيه ضربات مباشرة لستارمر. واعتبرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، أن رئيس الوزراء غير قادر على إدارة حكومته، وذهبت إلى حد تشبيه وضعه بصورة "كيس بلاستيكي تتقاذفه الرياح"، مطالبة إياه بـ"استعادة السيطرة"، أو أن يتولى "شخص آخر داخل حزب العمال" زمام القيادة، أو الذهاب إلى انتخابات.

ورأى خصوم ستارمر أن تتابع الاستقالات داخل مكتبه، وتضارب الروايات حول ملف ماندلسون، يشيران إلى خلل في الإدارة السياسية والأخلاقية للأزمة، في وقت تتوسع فيه حالة التململ داخل الحزب الحاكم نفسه.

وسط هذا المناخ، كان من المقرر أن يلتقي ستارمر نواب حزب العمال في وقت لاحق اليوم، في محاولة لاحتواء الغضب، وشرح مسار التعامل مع ملف ماندلسون، وإقناع المترددين بأن تغيير الفريق في "داونينغ ستريت" يمكن أن يوقف النزيف السياسي ويعيد الاستقرار إلى الحكومة.

غير أن التقديرات داخل لندن تشير إلى أن المسألة لم تعد تقنية أو إعلامية فقط، بل تتعلق مباشرة بشرعية القيادة داخل الحزب، وبقدرتها على تجاوز فضيحة باتت تُصنف على نطاق واسع باعتبارها أكبر أزمة في رئاسة ستارمر للوزراء حتى الآن، لكونها تضرب جوهر روايته السياسية عن "تنظيف السياسة" وإعادة الثقة بالمؤسسات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث