ربما يبدو العنوان صادماً، إسرائيل تمنع دخول اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة ومباشرة مهامها في غزة، ما يعنى مبدئياً أنها لا تزال تفرض سيطرتها الكاملة على القطاع، بشكل مباشر على ثلثي مساحته المدمرة والخالية تقريباً من السكان وبشكل غير مباشر على الثلث الباقي المدمر والمكتظ بمليوني مواطن فلسطيني. وكما الحال دائماً منذ إعادة انتشارها خارج القطاع عام 2004، لا تزال إسرائيل تسيطر وتتحكم تماماً بالمعابر والحدود البرية والبحرية والجوية، علماً أن هذا ليس واقع الحال تماماً، حيث تتمتع الولايات المتحدة بالقرار الفصل والحاسم في غزة، وتسمح لإسرائيل بهامش واسع للتصرف ولكن ضمن الخطوط والقواعد التي ترسمها. وكما في قصة افتتاح معبر رفح، فإن واشنطن، عندما تضغط جدياً، جدياً ستضطر تل أبيب في النهاية إلى التراجع، وعليه يبدو دخول اللجنة الوطنية إلى غزة مسألة وقت فقط، وسؤال متى لا هل، في ظل الاقتناع الأميركي بدورها المحوري والمركزي ضمن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، المهم شخصياً لترامب كما للسياسة الأميركية في عموم المنطقة.
"الأمر لي"
إذن لم تدخل اللجنة الوطنية لإدارة غزة حتى الآن لمباشرة مهامها في غزة، بعد شهر تقريباً من الإعلان عن تشكيلها في ظل ممانعة إسرائيلية يمكن فهمها، أو للدقة وضعها في سياقاتها التاريخية والسياسية راهنة، وأولها سعى إسرائيل لتجسيد مقولة "الأمر لي"، وبأنها المتحكمة تماماً بقطاع غزة والدخول إليه والخروج منه، وتفاصيل الحياة اليومية فيه، وهو أمر مهم للدولة العبرية ككيان استعماري لكسر إرادة الفلسطينيين ومنعهم من المقاومة، كما لحكومة نتنياهو- سموتريتش- بن غفير الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية، خصوصاً في سنة الانتخابات العامة التي باتت قصة وقت، وسؤال متى لا هل، مع تزايد احتمالات إجرائها بشكل مبكر في ربيع أو صيف العام الجاري، أي قبل ستة شهور تقريباً من موعدها القانوني المقرر نهاية العام.
مرتبط بما سبق، يجب التذكير بسياسة التقطير التقليدية الإسرائيلية، وتحتها يندرج هذا التأخير المتعمد في دخول اللجنة ومباشرة مهامها، وإذا كان بالإمكان المماطلة لأبعد مدى زمني دون دفع ثمن باهظ فلم لا، وإذا كانت اللجنة ستعيد عجلة الحياة المتوقفة بغزة بمستوياتها كافة، فالأفضل أن يحدث هذا متأخراً قدر الإمكان وبأقصى تكلفة ممكنة على الفلسطينيين، تنفيذاً لسياسة الإبادة المتعمدة التي تتبعها تل أبيب بشكل منهجي منذ بداية الحرب والتي استمرت بأشكال مختلفة حتى بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بداية تشرين أول/أكتوبر الماضي.
في الأهداف تسعى إسرائيل ولا شك إلى ابتزاز اللجنة الوطنية، والضغط عليها أولاً بإثبات أنها المتحكمة تماماً بحركتها ومهامها، وبالتالي ردعها عن التفكير أو العمل بشكل مستقل بعيداً عن الخطوط الحمر التي ترسمها تل أبيب، تحديداً في بعدين أساسيين هما "السيادة الوطنية ورفض الوصاية الأجنبية"، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية "القيادة الشرعية أو الرسمية" برام الله، لإجهاض مخططات الفصل مع الضفة الغربية وخلق واقع دائم بإدارة غزة، يتجاوز تفويض العامين حسب خطة ترامب واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها الذي جرت شرعنته بقرار رسمي -2803- من مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
صورة خادعة
مع ذلك يجب الانتباه إلى أن هذه الصورة التي تحاول إسرائيل رسمها خادعة نوعاً ما، أو للدقة غير مكتملة، كون واشنطن هي من تتحكم تماماً بالوضع الراهن في غزة عبر مركز التنسيق المدني العسكري، النسخة الفلسطينية من الميكانيزم، في مستعمرة كريات جات المقامة على أنقاض بلدتنا الفالوجا، مع مراعاة المصالح الإسرائيلية عبر السماح لتل أبيب بهامش واسع للحركة في غزة، ولكن ضمن الخطوط الحمراء والقواعد المرسومة أميركياً، مع فهم واسع لتلك المصالح بعيداً عن المبالغة في الحسابات الشخصية والحزبية لنتنياهو.
وفي السياق، لا بأس من التذكير بقصة معبر رفح، حيث ماطلت اسرائيل في إعادة افتتاحه المندرجة ضمن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وتلكأت في استعادة جثة آخر أسير لها -ران غويلي- لدى حماس، رغم امتلاكها معطيات وافية عن مكانها، وعندما رأت أميركا أن الوقت قد حان لافتتاح المعبر ضمن الانتقال الرسمي إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، اضطرت تل لبيب لتلبية الرغبة الأميركية مع وضع بصمتها الخاصة، وفرض شروطها الصارمة والقاسية على تفاصيل عمله ولكن على قاعدة عودة المعبر للعمل مثلما تريد واشنطن.
وعليه ستتكرر سابقة المعبر بحذافيرها تقريباً، مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة والانتباه إلى أن هذا التاخير يعود كذلك، حسب مصادر مطلعة، إلى عوامل موضوعية أخرى لكنها لا تبرر بالتأكيد بقاء اللجنة بعيداً عن غزة وعدم مباشرة ومهامها لشهر تقريباً.
غياب فلسطيني
من تلك العوامل خضوع اللجنة لبرنامج تدريبي مكثف في القاهرة-الحوكمة والإدارة- برعاية أميركية ومصرية وإشراف مباشر من الممثل "المندوب السامي" مسؤول المكتب التنفيذي لمجلس السلام البلغاري نيكولاى ميلادينوف باعتباره المسؤول الأول عن عمل اللجنة ومهامها المحددة وفق القواعد التي يحددها مجلس السلام.
إلى ذلك هناك معضلات أخرى لم تحل بعد تتعلق بالمؤسسات المفترض أن تتبع لها اللجنة الإدارية لغزة ومنها مجلس السلام الأعلى، والمكتب التنفيذي المنبثق عنه، وقوة الاستقرار الدولية.
إضافة الى ما سبق، وحسب المصادر المطلعة، ثمة عوامل أخرى ذات طابع تقني أو لوجستي، تتعلق بالتفاصيل اللوجستية والفنية والمالية لعمل اللجنة "المكاتب والمقرات"، ومعضلة الأمن ونزع "تجميد وتخزين السلاح" والجهة التي ستتولى ذلك.
بكل الأحوال عندما ترى الإدارة الأميركية أن الوقت قد حان، ستدخل اللجنة إلى غزة لمباشرة عملها ومهامها، وهو أمر لم ولن ترفضه إسرائيل من حيث المبدأ، ولكنها ستسعى بانتهازية ونفاق لتصوير قبولها كتنازل لا استحقاق، تماماً كما فعلت في قصة معبر رفح.
بالمقابل يبدو وللأسف الغياب الفلسطيني مدوياً تجاه اللجنة، مع التذكير بضرورة عدم التلعثم في دعم عملها ونجاحها وعدم مطالبتها بأكثر من طاقتها، والتكفل بخلق البيئة أو الحاضنة الوطنية والسياسية والشعبية لها، واستغلال التفويض الأممي المحدد زمنياً للجنة -عامين- والشرعية الدولية لتجيير مهامها التنموية والإدارية باتجاه إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وشق الأفق والمسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.




