منذ إعلان وزارة الدفاع أن التطوع في الجيش السوري بات جزءاً من مشروع بناء جيش وطني عقائدي، شهدت وزارتي الدفاع والداخلية إقبالاً ملحوظاً من الشباب، بدوافع متعدّدة، أبرزها السعي إلى دخل ثابت أو مكانة اجتماعية، في ظل شحّ فرص العمل وتدني الأجور، التي تبدأ من 200 دولار أميركي شهرياً.
وبعد قرابة عام على فتح باب التطوع، تكشفت شكاوى من المنتسبين الجدد بسبب ظروف العمل، وتأخر المستحقات، لتتحول لحالات استقالة طوعية أو فصل تعسفي. وبحسب ما رصدته "المدن"، فقد سُجلت خلال الأسابيع الماضية عدة حالات كان غالبيتها لشبان صغار السن، وأخرين عادوا بعد سقوط النظام إلى سوريا بعد سنوات من اللجوء، ولم يسبق لهم الانخراط في العمل المسلح، وسط شعور متزايد بأن الامتيازات داخل المؤسستين تذهب بالدرجة الأولى لمن قاتل ضمن الفصائل العسكرية.
فصل بعد الإصابة
مهند، شاب من ريف إدلب، مواليد 2003، ترك عمله في مشغل السيارات الذي يملكه والده، والتحق بقوات الأمن الداخلي في مدينة حلب بعد سقوط النظام، مدفوعاً - كما يقول - برغبة في خدمة الوطن والمساهمة في حفظ الأمن.
خضع مهند لدورة تدريبية استمرت شهرين، ثم باشر عمله بنظام دوام وصفه بالمريح (10 أيام عمل مقابل 6 أيام راحة). ويشير إلى شعوره في البداية بالرضا والانتماء، رغم ضعف التعويضات، إذ لم تتجاوز المنح التي تلقاها خلال أربعة أشهر الـ200 دولار.
وبعد الأحداث الأمنية التي شهدتها أحياء حلب في حيي الأشرفية والشيخ مقصود على خلفية اشتباكات مع خلايا تابعة لـ"قسد"، تعرض مهند لإصابة بطلقة في قدمه أثناء تأديته للخدمة؛ ما اضطره إلى التوقف عن العمل والعودة إلى منزله للعلاج.
وبحسب روايته، طُلب منه الالتحاق مجدداً بعد أقل من 15 يوماً على إصابته، بذريعة انتهاء فترة النقاهة، رغم معاناته من آثارها. وقد تقدم بطلب رسمي لتمديد الإجازة، لكنه قوبل بالرفض، قبل أن يبلغ لاحقاً بقرار فصله من الخدمة، وقد تلقى تعويضا لم يتجاوز 50 دولاراً.
وعود بالتخصّص تنتهي بالاستقالة
عبد الجواد (اسم مستعار) شاب من ريف دمشق، قرر الالتحاق بوزارة الدفاع على أمل الاستفادة من خبرته الإعلامية. وأجرى مقابلة في منطقة القابون بدمشق، وكان قد تلقّى - وفق قوله - ترحيباً من الضابط المسؤول، الذي أبلغه بإمكانية ضمّه إلى المكتب الإعلامي ضمن القوات الخاصة.
ويقول عبد الجواد إنه اشترط منذ البداية أن ينتسب ضمن اختصاصه، باعتباره متطوعاً لا مجنّداً إلزامياً. وخلال الأيام الأولى، طُلب منه تصوير بعض التدريبات والأنشطة، قبل أن تُفرض عليه بعد يومين عقوبة، بحجة تغيّبه عن التدريب الصباحي ودروس السلاح والتكتيك.
وعند مراجعته الضابط المسؤول، وتذكيره بأنه التحق بصفة إعلامي، جاءه الرد بأن "القيادة هي من تحدد التعيينات"، وأن الحاجة الحالية هي لعنصر ميداني. وبعد نحو شهر من الانتساب، قدّم عبد الجواد استقالته، بعدما خسر عمله السابق بسبب التحاقه بالوزارة. ويقول لـ"المدن": "تركت شغلي على وعود ما تحققت، وفي النهاية خرجت بلا عمل ولا تعويض".
إجراءات تنظيمية
في المقابل، يوضح مصدر في وزارة الداخلية، يعمل في قسم الموارد البشرية طلب عدم ذكر اسمه لعدم تخويله التصريح، أن رواتب العناصر تُصرف بشكل ثابت وشهري، وتبدأ من نحو 200 دولار، مشيراً إلى أن تأخير الصرف قد يحدث أحياناً، لكن المستحقات تُدفع كاملة عن كل شهر.
ويضيف أن صرف الراتب مشروط بالخضوع للدورة التدريبية، حتى في حال التعيين في موقع إداري، لافتاً إلى أن بعض الشكاوى المتعلقة بعدم انتظام التعويضات تعود إلى إجراءات تنظيمية، مثل تثبيت الأسماء أو نقل العناصر بين الوحدات.
ويؤكد المصدر أن الإقبال على الانتساب ما يزال قائماً، معتبراً أن قسماً من حالات الاستقالة ناتجة عن تقدم أشخاص دون إدراك كامل لطبيعة العمل ومتطلباته، بما يشمل الالتزام بالتدريب والقيام بمهام أمنية قد تكون خطرة في بعض الأحيان.




