عندما تتحول التجارة إلى سلاح: الهند في قلب صراع القوى الكبرى

وائل عوادالأحد 2026/02/08
Image-1770492618
مودي أشاد بالتوصل إلى إطار اتفاق تجاري مؤقت مع واشنطن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سارع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الإشادة بالتوصل إلى إطار اتفاق تجاري مؤقت مع الولايات المتحدة، معتبرًا أنه يعكس عمق الثقة والديناميكية في الشراكة الثنائية، ويعزّز مبادرة "صنع في الهند" عبر فتح فرص أوسع أمام المصدّرين، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والمزارعين، مع وعود بتوليد وظائف جديدة للشباب والنساء. وبدوره، أكد وزير التجارة بيوش غويال أن الاتفاق يفتح سوقًا أميركية تُقدَّر بنحو 30 تريليون دولار أمام الصادرات الهندية، مدفوعًا بتخفيضات جمركية وإعفاءات قطاعية محددة، مع التشديد في الوقت نفسه على حماية القطاعات الزراعية الحساسة.
غير أنّ هذا الخطاب التفاؤلي الرسمي لا يحجب الأسئلة الأعمق التي يثيرها الاتفاق: عن كلفته الاستراتيجية، وحدود مكاسبه الفعلية، ودلالاته في عالم تتسارع فيه عملية تسييس التجارة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد تحت منطق القوة لا الشراكة.


تسليح الاقتصاد
وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن إطار اتفاقية التجارة بين الهند والولايات المتحدة بوصفه تتويجًا عمليًا لهذا المنطق القائم على تسليح الاقتصاد. فالاتفاق، الذي أدى إلى خفض ملموس للتعريفات الجمركية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، لا يمكن قراءته كخطوة تجارية تقنية معزولة، بل كترتيب استراتيجي واسع الأبعاد. إذ تضمن التزام الهند بشراء سلع أميركية بقيمة تصل إلى 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وهو رقم يتجاوز كونه مؤشرًا على توسيع التبادل التجاري، ليعكس حجم الرهان الأمريكي على توجيه الطلب الهندي بما يخدم إعادة تموضع سلاسل الإمداد والنفوذ الاقتصادي.
الأهم أن هذا الإطار لم يُقدَّم بوصفه اتفاقًا نهائيًا، بل كمرحلة تمهيدية لمفاوضات أوسع تهدف إلى التوصل إلى اتفاقية تجارية ثنائية شاملة. وهنا تحديدًا تتضح طبيعة العلاقة غير المتكافئة: فالإطار يفتح الباب، لكنه يترك شروط العبور النهائي رهينة لجولات تفاوض لاحقة، تُستخدم فيها التسهيلات الجمركية، وحجم السوق، ووتيرة الانفتاح، كأدوات ضغط سياسية بقدر ما هي حوافز اقتصادية. بهذا المعنى، يصبح الاتفاق جزءًا من عملية مستمرة لإعادة ضبط خيارات الهند، لا مجرد صفقة لتحفيز التجارة أو دعم النمو.
لم تعد الاتفاقيات التجارية اليوم تُوقَّع بين شركاء متكافئين، بل بين أطراف يعرف أحدها جيدًا كيف يُحوِّل السوق إلى أداة ضغط، والتجارة إلى سلاح سياسي. والاتفاق التجاري الأميركي– الهندي ليس استثناءً، بل نموذجًا صريحًا لكيف تُدار العلاقات الاقتصادية في زمن الجيو-اقتصاد. وعندما يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء الهندي بأنه "أحد أقرب أصدقائه"، فذلك لا يعكس دفئًا دبلوماسيًا بقدر ما يكشف عن صفقة حققت أولًا وأخيرًا المصلحة الأمريكية.
الولايات المتحدة لا تفاوض لتقاسم المكاسب، بل لتقليص خسائرها وتعظيم نفوذها. هي لا تعرض على شركائها صفقات "رابح–رابح"، بل تضعهم أمام معادلة قسرية: إمّا القبول بشروطها، أو تحمّل كلفة الإقصاء من أكبر سوق في العالم. والتهديد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 50% لم يكن أداة تفاوض عادية، بل رسالة سياسية واضحة بأن النفاذ إلى السوق الأمريكية امتياز مشروط بالاصطفاف، لا حقًا تجاريًا محكومًا بالقواعد. في هذا السياق، تصبح تعريفة الـ18% تسوية قسرية لا إنجازًا تفاوضيًا.
الهند لم تُوقّع هذا الاتفاق لأنها ضعيفة اقتصاديًا، بل لأنها محاصرة داخل نظام عالمي يُعاقب الاستقلال الاستراتيجي ويكافئ الانضواء تحت المظلة الأميركية. أما السرية التي أحاطت بالمفاوضات، فلم تكن حنكة دبلوماسية بقدر ما كانت اعترافًا ضمنيًا بحساسية الصفقة داخليًا، خصوصًا في بلد تُعدّ فيه الزراعة مسألة سياسية– اجتماعية وجودية. أي تسريب مبكر كان كفيلًا بإشعال الشارع، وإفشال الاتفاق قبل ولادته. ما جرى لم يكن إخفاءً للحقيقة، بل إدارة استباقية لغضب كان متوقعًا سلفًا.


ماذا عن الخطر الحقيقي؟
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نسبة الرسوم أو تفاصيل الإعفاءات، بل في المنطق الذي يحكم الصفقة برمتها. فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى بيع مزيد من السلع للهند، بل إلى إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية على حساب الصين. والهند، في هذا الإطار، ليست شريكًا متكافئًا بقدر ما هي حلقة وظيفية في استراتيجية احتواء اقتصادية غير معلنة. هذا الدور قد يمنح نيودلهي مكاسب قصيرة الأجل، لكنه في المقابل يقيّد هامش استقلالها الاستراتيجي، ويحوّل خياراتها الاقتصادية إلى امتدادات لصراع القوى الكبرى، لا تعبيرًا حرًا عن أولوياتها الوطنية.
الأخطر في الاتفاق الأميركي– الهندي ليس بنوده المعلنة، بل ارتداداته الصامتة على بنية العلاقات الدولية القائمة، وعلى رأسها العلاقة الهندية–الروسية. فحين تُربط التجارة بالطاقة، ويُشترط الاقتصاد بالاصطفاف السياسي، تصبح "الاعتمادية المتبادلة" أداة ضغط لا تقل فاعلية عن العقوبات المباشرة. إن الدفع الأميركي نحو تقليص واردات النفط الروسي من الهند لا يمكن قراءته كخيار اقتصادي محض، بل كمحاولة واعية لإعادة هندسة الولاءات عبر ما يمكن تسميته بالقوة الناعمة الخشنة. في هذا السياق، يبدو الحديث المتكرر عن "الاستقلال الاستراتيجي" أقرب إلى خطاب مطمئن للرأي العام منه إلى سياسة قابلة للصمود أمام اختبارات الواقع.

أما الصين، فهي الحاضر الغائب في هذه المعادلة. فواشنطن لا تسعى فقط إلى كبح تمدد النفوذ الصيني، بل إلى منع تشكّل نظام تجاري عالمي متعدد المراكز، يسمح لقوى صاعدة مثل الهند بالتحرك خارج منطق المحاور الصلبة. ومن هنا، فإن كل اتفاق تجاري، وكل تعريفة تفضيلية، وكل تسهيل مشروط، ليس سوى حلقة في مشروع أوسع لإعادة تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة، تُدار فيها التجارة بوصفها أداة ضبط سياسي لا قناة تعاون متكافئ.
في المحصلة، لا يعكس الاتفاق الأميركي– الهندي شراكة ندّية مكتملة، ولا خضوعًا هنديًا مطلقًا. إنه اتفاق أُبرم تحت الضغط، في نظام دولي لا يكافئ الحياد ولا يتسامح مع التردد. اختارت نيودلهي مواجهة ألم المنافسة بدلاً من الانزلاق إلى عزلة بطيئة، لكنها قبلت في المقابل الدخول إلى نظام تُستخدم فيه الأسواق كسلاح، لا كجسر. إنها مقامرة محسوبة، نعم، لكنها مقامرة تُدار على ملعب صُمّم منذ البداية بما يخدم الطرف الأقوى.
غير أن المفارقة أن هذه المقاربة الأميركية، وإن بدت فعّالة على المدى القصير، تحمل في طياتها بذور توتر مستدام. فالدول الصاعدة، وعلى رأسها الهند، لا تسعى إلى استبدال تبعية بأخرى، بل إلى تعظيم هامش الحركة في نظام دولي آخذ في التشظي. وإذا كانت نيودلهي قد قبلت اليوم بلعبة التوازنات القاسية، فإنها تفعل ذلك بوعي كامل بأن التعريفات، كما التحالفات، أدوات مؤقتة في عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة أسرع من قدرة أي قوة عظمى على احتكارها.
في النهاية، قد تنجح الولايات المتحدة في توظيف التعريفات الجمركية لإعادة ترتيب التموضع السياسي في المرحلة الراهنة، لكنها تخاطر في الوقت نفسه بتكريس نظام تجاري مسيّس، تُدار فيه العلاقات الاقتصادية بمنطق الإكراه لا الشراكة. أما الهند، فهي تراهن على عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، مدركة أن المواجهة الأمريكية–الصينية لن تُحسم بتعريفة أو اتفاق، بل بإعادة تعريف معنى القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث