نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية مقالاً مطولاً للكاتب جاكي حوغي، حذر فيه من العودة إلى سياسة إهمال قطاع غزة مما قد يعيد إنتاج عملية السابع من أكتوبر.
ويقول الكاتب أن أنماط السلوك التي كانت سائدة في المجتمع الإسرائيلي قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر قد بدأت تعود ببطء، لكن بثبات، فقد "عادت وسائل الإعلام للاهتمام بالقضية الفلسطينية بصورة أقل، تماماً مثلما فعلت في الأعوام التي سبقت المجزرة".
ما قبل 7 أكتوبر
ويذكر الكاتب بما حدث في 12 أيلول/سبتمبر 2023، حين نفّذ الجناح العسكري لـ"حماس" مناورة عسكرية، حاكى فيها عناصره اقتحام مستوطنات وخطف جنود. في ذلك اليوم بالذات، كانت المحكمة العليا الإسرائيلية منعقدة للنظر في قانون "حجة المعقولية". وانشغلت العناوين العريضة بالاقتتال القضائي-السياسي، بينما دُفنت مناورة "حماس" في هوامش التغطية الإخبارية.
ويتابع أنه كما في الماضي، كذلك اليوم، "نحن الصحافيين نروي للجمهور ما يحب سماعه، لا ما يحتاج إلى سماعه، ويتجلى ذلك بوضوح هذه الأيام في ظل الأزمة في إيران، حيث تتجه الأنظار كلها إلى هناك، ولا تحظى غزة بأي اهتمام. ربما لو كنا تناولنا مناورة حماس بجدية أكبر، لارتعب أحد ما واستيقظ - ضابط رفيع، أو حتى سياسي مسؤول. لكن لم يُعِر أحد إشارة التحذير أي اهتمام، وما تبقى معروف للجميع".
ومع توقيع الهدنة بين إسرائيل وحماس وبدء دخول المساعدات إلى غزة وتأليف حكومة الخبراء الفلسطينية، يرى الكاتب أن غزة بدأت بالعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، ومعها، يتكرر نمط إسرائيلي قديم، "لنطلق عليه اسم (نُنهي العمل ونغادر)؛ تعود غزة إلى الروتين، ونحن نعود إلى روتيننا وندفعها مجدداً إلى الهامش. هذا ما كانت عليه الحال بعد كل جولة قتال سابقة مع حماس والجهاد الإسلامي".
وبالعودة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يستذكر الكاتب أن المستوى السياسي في ذلك الحين، انشغل بشؤونه ونسيَ غزة، "فترك الجيش يراقب العدو، ويرسله عند الحاجة إلى مهمات هجومية. العدو طالب، باستمرار، برفع الحصار، وهدد بالانتقام، لكن أحداً لم يصغِ، وكان هذا الموقف يعبّر عن غرور مؤسساتي طويل الأمد، افترض أن هذا الصداع سيزول من تلقاء نفسه، وإن لم يزُل، فالمشكلة مشكلتهم. في هذه الأثناء، استغل العدو لامبالاتنا وتعاظم، وفي اللحظة المؤاتية رفع رأسه".
ويضيف المقال أن "هذا ما يحدث فعلياً في هذه الأيام. منذ أكثر من عام، يعِد المستوى السياسي بتجريد "حماس" من السلاح وإنهاء المعركة بنصر مطلق. هذا ما وعدت به حكومات إسرائيل أيضاً في جولات سابقة، وتخلّت عن وعودها دائماً".
نموذج حزب الله
ويرى الكاتب أن غزة تحتاج إلى حسم، أو معالجة عميقة حتى النهاية، "فنحن لم نسعَ لذلك قط، ولا نفعل ذلك اليوم أيضاً، بل انسحبنا قبل إتمام المهمة. يمكن التفكير في عدة أسباب لعدم حسمِنا الحروب مع القطاع، أحدها الإرهاق. لقد كان القتال دائماً مُنهكاً للجيش، وللمجتمع الإسرائيلي. والجميع - المستوى السياسي، القيادة العسكرية، والمجتمع الذي يقدّم الجنود ويحتضنهم - يصِلون إلى هذه اللحظة، وهُم مُرهقون".
ويتابع أنه على الرغم من الصعوبة، فإنه لا مفرّ من حسم عسكري، يعقبه بناء إطار سياسي فوقه. هذه المهمة معقّدة ولم تُجرَّب من ذي قبل؛ هي معقّدة لأن غزة ربما تصبح أكثر تطرّفاً، ويمكن أن يحلّ مقاتلو داعش محل "حماس"؛ وهي معقّدة لأن حكومات إسرائيل تخشى أيّ حل سياسي مع الفلسطينيين، بحسب تعبيره.
ويشير المقال إلى أن قادة "حماس" أيضاً عادوا إلى ما قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، لكن لمصلحتهم. وبمهارة كبيرة، يواصلون استخدام الجمهور الفلسطيني للضغط على العالم من أجل مزيد من التسهيلات، وطموحهم هو الحكم عن بُعد، على غرار حزب الله في لبنان في سنواته الجيدة. إنهم يتجهون إلى هناك.
كمثال على ذلك، يشير الكاتب إلى ما حدث فور فتح معبر رفح، ووفق قوله فإن قادة حماس اشتكوا من الأعداد القليلة للداخلين والخارجين، "وهم محقّون جزئياً: فالأعداد ضئيلة فعلاً، لأن إسرائيل ومصر تفتحان المعبر بحذر، لكن حين تطالب حماس بمرور الآلاف، لا 50 فقط من كل جانب، فهي تقول عملياً: اسمحوا أيضاً لعناصرنا بعبور الحدود، وليس فقط المرضى والجرحى".
ويتابع "سنراهم مجدداً في الأسابيع والأشهر المقبلة يجنّدون الجميع للشكوى من وضع غزة؛ سيطالبون بمعدات ثقيلة لإزالة الأنقاض، وبالأدوية والمستلزمات الطبية، وبإعادة بناء النظام الصحي المنهار، وبالتبرعات لإعادة الإعمار".
هذا كله صحيح على الورق؛ فمئات الآلاف من الغزيين الأبرياء فقدوا بيوتهم، أو القدرة على السكن فيها، وكثيرون منهم يكرهون "حماس" ويحلمون بزوالها، لكن مَن يهتم بمعاناة الجمهور؟ خلف كل طلب كهذا بند يخدمهم هُم، لأن إعادة الإعمار ليست فقط بناء منازل، بل أيضاً إعادة بناء مقرات وأنفاق.
النتيجة بحسب المقال، "دائماً واحدة: أنجزنا ثلاثة أرباع المهمة، وعدنا إلى بيوتنا مطمئنين من دون التأكد من أن المرة المقبلة لن تأتي. الآن، جاء دونالد ترامب ومعه نيات حسنة، وحلفاء كثر، وخيارات لتجنيد الأموال لإعادة الإعمار؛ صحيح أنه فرض إنهاء الحرب على حكومة إسرائيل وانتزع منا جزءاً كبيراً من إدارة غزة واتخاذ القرار فيها. لكن يجب قول الحقيقة: إن إعادة إعمار القطاع تصبّ في المصلحة الإسرائيلية. ففي غياب الإعمار، ربما تنبت هناك أخطر أنواع الأعشاب البرية، وإذا ملّ ترامب من الواقع الغزّي وغادر، فسيعيد إلينا السيطرة الكاملة على القطاع، لكنه سيتركنا مع مشروع ضخم يفوق قدرتنا".
دور القادة
يختم المقال بالقول أن هناك عودة إلى أنماط السلوك الثابتة؛ وعلى إسرائيل إيجاد الطريق لإضعاف "حماس" حتى الانهيار، ثم الشروع في إعادة بناء القطاع بطريقة لا تشكل خطراً عليها. هذا ما كان يجب أن يجري في الماضي، لكنه لم يحدث قط، والحل العسكري وحده لا يكفي. إن النصر على "حماس" سيكون كاملاً فقط إذا شمل استقرار الحياة المدنية. ومجتمع فقير ومهمَل سيُنتج حركة "حماس" جديدة.
هناك طرق لتحقيق ذلك تتطلب مثابرة طويلة الأمد، وتعاوناً مع حكومات أُخرى، واستخداماً ذكياً لأدوات الضغط. لكن قبل كل شيء، يجب اتخاذ قرار السير في هذا الاتجاه. حتى اليوم، وحتى بعد 7 أكتوبر، لم تُبلور حكومات إسرائيل رؤية واضحة لِما تريده لغزة. "وبدلاً من ذلك، ضربت العدو حتى سال دمه، ثم عادت إلى البيت وسمحت له بالنمو من جديد".
كيف يمكن أن يحدث ذلك بالضبط؟ يرى الكاتب أنه "لهذا انتخبنا قادة، هذا هو دورهم. إنه دور معقّد ومحبِط، لكن يُتوقع منهم العمل على تحقيقه؛ فدورهم ليس نزع سلاح حماس، ثم الذهاب للنوم، أو ترديد هذا الشعار مراراً. إن نزع السلاح وسيلة ومحطة في الطريق؛ أمّا الهدف الأعلى، فهو توفير الأمن لبلدات الجنوب. من أجل ذلك، انتُخبوا، وعلى هذا الأساس، سيُحاسَبون".




