ماذا تفعل الجهات المعنية لمواجهة مخطط إسرائيل اتجاه الدروز؟

ناصر زيدانالجمعة 2026/02/06
السويداء (getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

عينت إسرائيل الجنرال المتقاعد غسان عليان منسقاً في المنطقة الشمالية، للتواصل مع "دروز الشرق الأوسط"، خصوصاً في سوريا ولبنان، وفق ما ورد حرفياً في  نص القرار. والخطوة العدوانية التي يرفضها غالبية الدروز؛ جاءت بعد التطورات الإيجابية التي حصلت في شمال شرق سوريا، وأدت الى اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الحكومة، والى سيطرة قوات هذه الأخيرة على كل المناطق التي كانت خارجة عن نفوذها، وهو ما لم تَكُن ترغب فيه إسرائيل التي تُشهِر نوياها التخريبية الهادفة الى شرذمة سوريا، وإقامة كيانات مذهبية وعرقية فيها.

 

ملف محافظة السويداء الجنوبية والتي يقطنها أغلبية من الموحدين المسلمين الدروز؛ شائك ومُعقّد، ولكنه غير مُستعصي على الحل. وبينما تجاهر عناصر مُسلحة ومؤيدو الشيخ حكمت الهجري بطلب الانفصال عن سوريا، وبتعزيز العلاقة مع إسرائيل "كونها تدخلت لحمايتهم من مجازر تموز الماضي" كما أعلنوا في التظاهرة المحدودة التي نظموها منذ أيام. 

ترفض أكثرية الدروز هذه الشعارات، وتتمسّك بالانتماء الى سوريا العربية ومهما اشتدت الضغوطات، وآخر مؤشرات هذا الرفض جاءت بواسطة النداء الذي أصدرته مجموعة الأكاديميين والمثقفين في 2 شباط/فبراير، ووضعوا أسماؤهم وتواقيعهم جهاراً عليه، رغم الأجواء الأمنية المُعقّدة، حيث يسيطر عناصر "الحرص الوطني" المعارض للحكومة السورية، ويمنعون بالقوة أي تحركات تخالفهم الرأي، وكل مَن يعارضهم مُهدَّد بالاعتقال او بالاغتيال.

 

المُخطط الإسرائيلي الداعم لإنشاء كيان درزي موالي لهم بواسطة بعض المتعاونين؛ لم يعُد سراً، وقادة تل أبيب يبذلون جهوداً كبيرة لتحقيق هذا الهدف التفتيتي، ويصرفون أموالاً طائلة من أجله، ويقدمون اغراءات كبيرة، وصلت الى حد عرض تعليم الطلاب الدروز الذين انقطعوا عن الجامعات السورية بسبب الأحداث؛ في جامعات القُدس وتل أبيب مجاناً، ولكن هؤلاء يرفضون هذه العروض، ويتمسكون بإنتمائهم الى الوطن الأم، برغم ما أصابهم من ضرر من جراء التهجُمات التحريضية من جماعات تكفيرية، طالتهم في جامعاتهم في حلب وحمص ودمشق، ومعظم هؤلاء غير قادرين على الالتحاق بأماكن الدراسة في هذه المُدن لأن حواجز "الحرص الوطني" تمنع عليهم الخروج من المحافظة.

 

ماذا تفعل الجهات السورية والعربية لمواجهة المخطط الإسرائيلي؟

معارضو المُخطط الإسرائيلي مكشوفون بدون أي غطاءٍ أو دعمٍ أو حماية، ومعظم أهالي السويداء في حالة عَوز، ويعانون من فقرٍ مُدقِع، وأهالي ضحايا أحداث تموز/يوليو الماضي؛ لم يحصلوا على أية تقديمات تعويضية، وهم خارج منازلهم التي تعرضت للحرق، ولم يُقدَّم أي من الجناة المرتكبين الى المحاكمة حتى الآن. وبصرف النظر عن تداعيات ما جرى في تموز، وما إذا كان مُدبراً، أو حصل بفعل الصدفة؛ لا يمكن تبرير تجاهل المسؤولين السوريين لما يحصل، والدولة "أم الصبي" ولا يجوز أن تتصرف كما يتصرف المُتفلِّتون من القانون، أو معارضوها المتمردون الذين يبحثون عن ملاذ، لأن غالبيتهم متهمون ومحسوبون على النظام البائد. ومهام مؤسسات الدولة حماية أبناء الوطن، ومنع أي اعتداء عليهم، وفق ما جاء في الإعلان الدستوري الذي أشار الى هذه المسؤولية، بصرف النظر عن الشوائب التي جاءت فيه. الدولة لم تَقُم بكامل الواجب المطلوب، وهو ما أعطي فرصة لإسرائيل للإستثمار بالمحنة وتقديم بدائل، منها عطاءات مالية وعينية، ومنها ضمانات أمنية بغيضة.

 

ويأخذ أهالي السويداء على الدول العربية الشقيقة تخليها عن الدروز عامةً، وتركهم وحدهم بالمواجهة، وعدم الوقوف الى جانبهم بما يكفي خلال هذه الضائقة، حتى أن المساعدات الإنسانية شحيحة الى الحدود الدنيا، بينما الصعوبات المعيشية وضعف العناية الطبية والافتقار الى وسائل التدفئة؛ يطال جميع مَن يرفض قبول المساعدات الإسرائيلية، وهم أغلبية موصوفة.

في نيسان/أبريل 1948، طلب فوزي القاوقجي قائد القوات العربية التي حاربت في فلسطين من قائد "فوج الجبل" شكيب وهاب، المساعدة بعد أن حاصرته العصابات الصهيونية في بلدات "هوشة والكساير"، وأبلى الفوج الدرزي بلاءً مُدهشاً في مواجهة هذه العصابات، لكن ذخيرتهم نفذت ولم يبقَ معهم تجهيزات وطعام. طلبوا إمدادات من دمشق آنذاك، ولكنها لم تصل، واضطروا إلى الانسحاب أمام العصابات الصهيونية تاركين شهداءهم في أرض المعركة (راجع كتاب "دروز الغفلة" لقيس فرّو الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2019، من الصفحة 153 الى الصفحة 159). فهل نحن أمام مشهدٍ مماثل في جنوب سوريا اليوم؟ يُترك الوطنيون الدروز وحدهم في مواجهة المؤامرة (ولا نقصد الدعم بالسلاح).

 

هناك مَن له مصلحة في دفع الدروز نحو أحضان إسرائيل، وهؤلاء يرفضون، ويتمسكون بتاريخهم وتراثهم الإسلامي والعربي. ولكن ماذا يفعلون إذا ما نفذت وسائل الصمود وفرغت معاجنهم، وتُركوا فريسة للعدوان؟ كل الدول ما عدا إسرائيل تُؤيد وحدة سوريا دون أن تقدِّم أي دعم للمُتشبثين بهذه الوحدة. والغالبية الساحقة من الدروز من هؤلاء. لكنهم مُصممون على التعالي عن الجراح، وهم مع مُصالحة شُجاعة، بعد تقديم المُرتكبين للعدالة والتعويض عن الاضرار وتأمين عودة النازحين والمفقودين وإزالة رواسب الخوف من بعض الشركاء في الوطن.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث