اليوم الجمعة، انطلقت في مسقط الجولة الأولى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، بعد حرب حزيران/يونيو الماضي التي استمرت اثني عشر يوماً. لا يرى العديد من الخبراء أي بصيص أمل في نجاح هذه المفاوضات، وفي التوصل إلى اتفاق بين البلدين، فمطالب الطرفين متباعدة جداً ومن الصعب تقريبها من بعضها.
لا يقبل الجانب الأميركي أي مستوى من التخصيب لإيران، ويطالب بتفكيك كامل دورة إيران النووية وتصفير التخصيب ونقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى الخارج. لكن إيران تصر على الحفاظ على الحد الأدنى من التخصيب، وتؤكد على تخفيف تركيز اليورانيوم كما ترفض التفاوض على برنامجها للصواريخ الباليستية.
صواريخ إيران هي الجوهر
على الرغم من أن عنوان محادثات البلدين يحمل اسم المفاوضات النووية، إلا أن أهم موضوع خلاف بين إيران وأميركا في المحادثات الجديدة، هو مسألة الصواريخ الباليستية وليس المسألة النووية. لأنه بعد هجوم طائرات "بي -2" على المراكز النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً وتكراراً، أنه دمّر المنشآت النووية الإيرانية، وأن عودة إيران إلى أنشطة التخصيب ستستغرق سنوات. حاولت الولايات المتحدة من خلال الإعلان والتأكيد على تدمير منشآت التخصيب الإيرانية، أن تقلّل من قيمة أي تنازل نووي لإيران خلال أي مفاوضات مقبلة، لأنه إذا كان البرنامج النووي الإيراني قد دُمّر، فما قيمة الاتفاق على شيء لم يعد موجوداً؟
الورقة القوية الوحيدة التي بقيت لإيران في مواجهة تهديد إسرائيل وأميركا، هي برنامجها الصاروخي، لأن إيران لم تحصل بعد على سلاح نووي، وحتى لو حصلت أو تحصل على السلاح النووي، فإن استخدامه في فضاء العلاقات الدولية الحالية، يبقى صعباً، لكن مدى وقوة تدمير الصواريخ الإيرانية تسبب ردعاً ضد خطر إسرائيل، وإيران لن تسلّم هذه الورقة الرابحة.
قال المستشار الألماني خلال زيارته الأخيرة للرياض، إنه لا ينبغي لإيران أن تمتلك صواريخ تستطيع من خلالها استهداف إسرائيل أو جيرانها العرب. وهذا يدل على أن تحييد برنامج إيران الصاروخي هو أولوية الغرب.
قلق جيران إيران
الضغط الذي مارسه جيران إيران على ترامب، أحدث درعاً متيناً أمام الهجوم العسكري الأميركي على إيران. كل الدول المجاورة لإيران تخشى من انعكاسات الهجوم، لأنه حتى لو نجت من نيران الحرب، فلن تنجو من موجة نزوح الملايين من الإيرانيين. لكن التأثير المباشر لحرب أميركا ضد إيران على إسرائيل، لا شك فيه، لأن إيران ستوجه كل قوتها الصاروخية المضادة للرادار نحو تل أبيب. هذه الصواريخ تمكنت أيضاً خلال حرب الاثني عشر يوماً، من إجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار.
دعم الصين وروسيا
لدعم الصين لإيران على مستوى توفير وقود الصواريخ، وكذلك على المستوى الاستخباراتي والأمني، دور حاسم في صمود إيران أمام الشروط الأميركية. ساعدت الصين إيران بلا حدود في ترميم بناء برنامجها الصاروخي بعد الحرب، ومن خلال توفير أنظمة تحديد مواقع خارج سيطرة الآخرين، منحت إيران القدرة على استهداف أهدافها بدقة. ووفّرت الصين لإيران إمكانية تتبع تحركات السفن الحربية الأميركية.
وعلى الرغم من أن الصينيين تجنبوا حتى الآن المشاركة في المشاريع العسكرية خارج حدودهم، حتى في حرب أوكرانيا، إلا أنهم يعرفون جيداً أنه بعد إيران يأتي دور الصين.
كما جهزت روسيا، وتتبعها بيلاروسيا، إيران خلال الأشهر السبعة الماضية، بالكثير من المعدات العسكرية الهجومية، وسمحت روسيا لإيران باسقاط صاروخها بعيد المدى "خيبر"، البالغ مداه 200 كيلومتر في أراضي سيبيريا، في أيلول/سبتمبر الماضي.
ويؤكد القادة العسكريون في الحرس الثوري والجيش الإيراني، على قدرتهم على استهداف السفن الأميركية. وبطبيعة الحال، فإن مقتل أي جندي أميركي خلال الحرب، سیدفع الشعب الأميركي الی الاحتجاج ضد ترامب، وسيقلل من شعبيته. لكن في المقابل، فإن مقتل العسكريين والمدنيين الإيرانيين خلال مثل هذه الحرب، سيزيد فقط من شعبية النظام في الجمهورية الإسلامية. الإيرانيون يفخرون باستشهاد أحبائهم في مثل هذه الحرب، ویقفون بجانب النظام.
أين تقع الديمقراطية وحقوق الانسان؟
منذ بداية الاضطرابات الأخيرة فی ایران، حثّ الرئيس ترامب المحتجين باستمرار على مواصلة احتجاجاتهم، ووعدهم بأن مساعداته في الطريق، لكنه الآن اتجه إلى المفاوضات مع إيران. وزير خارجيته مارك روبيو ذكر أيضاً مؤخراً، بجانب المواضيع الثلاثة النووي والصاروخي والقوات الإقليمية الإيرانية، موضوعاً رابعاً وهو تحسين تفاعل حكومة إيران مع المواطنين، وإنهاء القمع واحترام حقوق الشعب الإيراني. هذا الموضوع ربما تم طرحه استرضاءً للمعارضين الإيرانيين الذين كانوا يتوقعون دعما فورياً وحاسماً من ترامب، لكنهم يرون الآن ممثليه يتفاوضون مع إيران. كان المحتجون يتصورون أن الديمقراطية وحقوق الإنسان يندرجان ضمن سلم اولويات الرئيس ترامب، والآن يشعرون بخيبة أمل.
لذلك، على الرغم من كل التشاؤم، فإن القوة الصاروخية الردعية لإيران، وضغط جيران إيران، والتأثير السيئ للحرب المحتملة على إسرائيل، والتأثير السلبي للتكاليف البشرية للحرب على الشعبية الداخلية لترامب، تجعل إيران غير راغبة في الاستسلام لمطالب أميركا القصوى.
لا تزال إيران تأمل في الاستمرار في حالة "لا حرب ولا اتفاق". فلماذا تخضع لشروط تسلبها كل شيء مسبقاً، وتجردها من الشرعية الداخلية، وتتركها بلا دفاع أمام أي عدوان خارجي؟




