على مدار العامين الماضيين، رصدت كاميرات المطارات في نيودلهي وتل أبيض مشهداً متكرراً. طائرات مكتظة بوافدين من الهند، بعضهم يرتدي سترات شركات بناء إسرائيلية (حتى قبل الوصول)، وآخرون يحملون وثائق هجرة دائمة. وبالرغم من أن إسرائيل لم تعلن في حينه صراحة عن "مشروع هندي" كبير، فإن حركة الأعداد، وسرعة الإجراءات، والمسارات الجغرافية المختارة، تكشف عن خطة أعمق بكثير مما يظهر في العلن.
ما بين جسر جوي للعمالة وترحيل ديمغرافي موجه، تجمع إسرائيل بين مسارين منفصلين لكنهما يخدمان الهدف نفسه، إعادة تشكيل بيئتها السكانية وسوق العمل بطريقة استراتيجية تخدم أولوياتها الأمنية والسياسية العامة.
بديل جاهز للفلسطينيين
منذ اندلاع الحرب على غزة، قبل نحو عامين، وجدت إسرائيل نفسها أمام أزمة بنيوية، أكثر من 150 ألف فلسطيني كانوا يشغلون قطاعي البناء والزراعة توقفوا قسرياً بعد تعليق تصاريحهم. توقفت المشاريع، ارتفعت الأسعار وواجهت الحكومة ضغطاً اقتصادياً هائلاً.
وسط هذه الفوضى الاقتصادية، فُتح الباب أمام آلاف العمال الهنود للدخول بسرعة قياسية، في عملية تمّ تنسيقها بين مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزارات العمل والإسكان. خلال أشهر قليلة فقط، بدأت الرحلات الجوية المخطط لها بعناية، تنقل أفواجاً من الشبان الهنود إلى ورش البناء مباشرة من المطار.و
بالرغم من أن المبرر الرسمي لتلك العميلة هو إنقاذ قطاع البناء، تشير مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين إلى هدف آخر أكثر أهمية، التخلص من الاعتماد على العمالة الفلسطينية، التي تعتبرها الأجهزة الأمنية الاسرائيلية نقطة هشاشة في الدفاع عن الداخل الاسرائيلي. فالقطاع الاقتصادي الإسرائيلي كان طوال عقود، مرتبطاً بنبض السياسة الفلسطينية ويتعطل مع كل توتر أمني.
وجود عمال أجانب، خصوصاً من الهند، يوفّر لإسرائيل سوق عمل بلا حساسية سياسية، ويسمح لها بإدارة الاقتصاد بمعزل عن الضغوط الفلسطينية.
ينتشر العمال الهنود اليوم في المناطق الأكثر تضرراً من غياب الفلسطينيين، في ورش الأبراج السكنية بين تل أبيب ورحوفوت، في أحياء البناء الجديدة حول القدس، في المستشفيات ودور المسنين وحتى في بلدات الأطراف التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على العمال الفلسطينيين.
هذه المواقع ليست عشوائية، إنها المناطق التي يتعاظم فيها الطلب على اليد العاملة، والتي تخشى إسرائيل أن يوقفها أي اضطراب أمني أو سياسي مستقبلي.
بني منشيه.. القبيلة الضائعة
على الجانب الآخر، تجري عملية مختلفة تماماً. بعيداً عن ضجيج مشاريع البناء، تعمل إسرائيل على نقل جماعة بني منشيه من ولايتي مانيبور وميزورام في شمال شرق الهند. هؤلاء، البالغ عددهم نحو 5 آلاف و800 شخص، يعتبرون أنفسهم منحدرين من إحدى القبائل العبرية الاثني عشر الضائعة، وقد اعتنقوا اليهودية تدريجياً خلال العقود الماضية.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة لجلب كل أفراد الجماعة تقريباً خلال خمس سنوات. الإعلان بدا دينياً وتاريخياً، لكن تفاصيل التوطين تكشف عن مشروع ديمغرافي واضح.
فالتيارات الدينية والقومية في إسرائيل ترى في بني منشيه إضافة مثالية، جماعة يهودية، متدينة، منضبطة، قابلة للتوجيه ويمكن دمجها في المناطق التي تريد إسرائيل تعزيز الوجود اليهودي فيها. هذا ما يجعل الهجرة مشروعاً سياسياً بقدر ما هي عودة لقبيلة ضائعة.
الجليل والأطراف… وأحيانا المستوطنات
الخرائط التي تظهر في وثائق التوطين الداخلية، تشير إلى أن تركّز توطين بني منشيه سيكون في الجليل الأعلى والأسفل، حيث يسكن عدد كبير من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وفي بلدات قيد التطوير في الشمال والجنوب، وبعض المستوطنات في الضفة الغربية، خصوصاً تلك التي تعاني من نقص سكاني.
والهدف إعادة ترسيم التوازن الديمغرافي في المناطق الحساسة، عبر إدخال مجموعات جديدة موالية سياسياً ودينياً لدولة إسرائيل.
ما بين طائرتين… تتغير الخريطة
ما يجري بين إسرائيل والهند ليس مجرد انتقال عمالة ولا مجرد هجرة دينية. إنه مشروع لإعادة تشكيل المجتمع الإسرائيلي من الأسفل، قوى العمل، وتركيبة السكان، ومناطق التوسع، وحتى طبيعة العلاقات الاقتصادية مع الفلسطينيين.
جسر العمالة القادم من الهند، يحقق لإسرائيل قدرة على تشغيل اقتصادها بلا عوائق سياسية، فيما توفر موجات بني منشيه بعداً ديمغرافياً يخدم رؤية طويلة المدى لتثبيت الوجود اليهودي في الجليل والأطراف وأجزاء من الضفة.
كل ذلك يجري بصمت مدروس، بلا مؤتمرات صحافية، بلا ضجيج، فقط رحلات تقلع وتهبط... وبلد يعيد رسم تركيبته السكانية خطوة بعد خطوة، بعيداً عن كاميرات الحرب وضوضاء السياسة اليومية.




