شهدت مدينة اللاذقية، منذ السنوات الأولى للثورة السورية، موجات نزوح متعدّدة من مدينة إدلب، التي وُصفت حينها بأنها عاصمة الحراك المعارض. في بدايات هذا النزوح، كان الحضور مؤقتاً في معظمه، وإن تجاوز عدد العائلات الوافدة خمسة آلاف عائلة.
اقتصرت الإقامة آنذاك على النساء والأطفال، وعلى فترات قصيرة، في بيوت مستأجرة، ضمن محاولات محضة للنجاة والاحتماء من القصف وتقلّبات الجبهات.
مع مرور الوقت، ومع طول أمد النزاع وانسداد أفق العودة، بدأ هذا النزوح يتحوّل تدريجياً من حالة مؤقتة إلى شكل من أشكال الاستقرار، قبل أن يتطوّر لاحقاً إلى تملّك فعلي للعقارات. حتى هذه المرحلة، لا يبدو المشهد استثنائياً في سياق حرب طويلة أعادت رسم الخريطة السكانية في مختلف المحافظات السورية.
بدأ الاستثنائي، وفق شهاداتٍ متقاطعة، حين لم يعُد شراء البيوت يُقرأ بوصفه خطوةً طبيعية نحو الاستقرار، بل جرى تأويله ضمن سرديةٍ سياسية واضحة، تقوم على تصنيف المالكين السابقين باعتبارهم "الطرف الآخر". عند هذه النقطة، خرجت الصفقة العقارية من حيّزها الاقتصادي، ودخلت فضاء الرمزية السياسية وإعادة توزيع المعنى.
يقول وسيطٌ عقاري يعمل في المدينة، إن بعض المشترين لا يترددون في التصريح علناً بأنهم "يأخذون بيوت من كانوا مع النظام". وسواء كانت هذه التصريحات دقيقة، أم مجرّد مبالغات فردية، فإن تداولها على نطاق واسع أسهم في خلق مناخٍ عام من القلق، وأعاد تعريف البيع بوصفه موقفاً سياسياً بقدر ما هو إجراء اقتصادي.
اقتصادياً، تسلّل الفقر إلى مدينة اللاذقية، ما دفع بعض سكانها إلى البيع. غير أن الجديد هذه المرّة هو دخول مشترين قادرين على الدفع بأسعار مرتفعة، لتتحوّل ملكية عددٍ كبير من بيوت الكورنيش الشمالي والغربي، إضافةً إلى محالّ في قلب السوق، إلى مالكين من أهالي إدلب، كما هو مسجَّل في السندات العقارية.
بهذا المعنى، لا يعمل الاتهام السياسي وحده، بل يجد في الفقر حليفاً صامتاً يعزّز أثره ويدفع باتجاه تسريع التحوّلات في خريطة الملكية.
في المقابل، انتشر خطابٌ مضاد بين بعض أهالي الساحل، يدعو إلى عدم بيع الأرض "للغرباء"، ويصف البيع بالخيانة، ويربط العقار بالدم والتضحيات. وهذا الخطاب، على الرغم من تعبيره عن خوفٍ حقيقي من التهميش وفقدان السيطرة، ينقل النقاش من مستوى الحقوق إلى مستوى التعبئة العاطفية.
التملك
في اللاذقية، لم تعد مسألة بيع المنزل، في كثير من الحالات، شأناً اقتصادياً صرفاً، ولا مجرّد قرارٍ تحكمه معادلات العرض والطلب وحدها. خلال الأشهر الأخيرة، تسلّلت السياسة إلى سوق السكن من أوسع أبوابه، لا بوصفها نقاشاً عاماً أو خلافاً في الرأي، بل كأداة ضغط غير معلنة، تُمارَس بصمتٍ على المالكين، وتعيد تشكيل قراراتهم في ظلّ مناخٍ كثيفٍ من الخوف والالتباس وانعدام اليقين.
وفي شهاداتٍ متقاطعة، يروي سكان المدينة من أحياءٍ مختلفةٍ أن السؤال لم يعد: هل تبيع؟ أو بكم تبيع؟ بل تحوّل إلى سؤالٍ أكثر إرباكاً: لمن تبيع؟ وبأي صفةٍ اجتماعية قد تُصنَّف؟
هنا، لم يعد البيت مجرّد جدرانٍ وسقفٍ، بل تحوّل في المخيال العام إلى سيرةٍ سياسيّة متراكمة، وإلى حكم مؤجّل على صاحبه، لا يُنطَق به صراحةً، لكنّه حاضر في كل تفصيل من تفاصيل القرار.
رجلٌ ستينيٌّ من أحد أحياء اللاذقية يقول إنه حسم قراره بالبيع بعد أسابيع طويلة من التردّد والقلق. بعد سلسلة من "النصائح" التي وصلته عبر وسطاء ومعارف كانت كافيةً لدفعه إلى القبول بالأمر الواقع.
"قيل لي إن اسمي غير مريحٍ، وإن بقاء البيت باسمي قد يفتح باب أسئلةٍ لا نهاية لها"، ليغدو الخوف عاملاً حاسماً في قراراتٍ يُفترض أن تكون مدنية واقتصادية بحتة.
إدلب بوصفها فكرة
في الأحاديث المتداولة بين بعض أهالي اللاذقية، لا تظهر إدلب كمدينة أو محافظة فحسب، بل تُستعاد بوصفها فكرةً سياسيةً مكتملةً، محمّلة بدلالات تتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة والصراع والاصطفاف. فالقادمون منها لا يُنظر إليهم، في كثير من هذه الروايات، كأفراد ذوي تجارب متباينة ومسارات شخصية مختلفة، بل ككتلة واحدة متجانسة، تُسقَط عليها سردية الحرب بكل أثقالها: سنوات القصف، وتجربة النزوح، ومعنى "الضحية" الذي تحوّل، في المخيال المحلي، إلى مصدر مشروعية أخلاقية قائمة بذاتها.
ضمن هذا التصوّر، لا يُقرأ حضور أبناء إدلب في سوق العقارات بوصفه بحثاً عن الأمان أو محاولة للاستقرار بعد سنوات طويلة من التهجير، بل يُعاد تأويله كفعل "استعادة" رمزية. استعادة لما فُقد خلال سنوات الحرب، أو لما يُعتقد أنه صودر أو حُرم منه في مرحلة سابقة. هنا، لا يعود العقار مجرد مساحة للسكن أو الاستثمار، بل يتحوّل إلى حامل لمعنى أعمق، وإلى أداة لإعادة ترتيب ما يُنظر إليه بوصفه اختلالاً سابقاً في ميزان العدالة.
هذا الانتقال من الجغرافيا إلى الرمز هو ما يجعل سوق السكن في اللاذقية مشحوناً إلى هذا الحد. فالصفقة العقارية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا تُقاس بقيمتها المالية فقط، بل بما يُسقَط عليها من دلالات.
وفي هذا المناخ، يغدو البيت أكثر من ملكية خاصة؛ يصبح جزءاً من سردية جماعية متنازَع عليها، تُحمَّل فيها الجدران والأسقف ما يفوق قدرتها على الاحتمال، وتتحوّل السوق من فضاء اقتصادي إلى ساحة رمزية لتصفية الذاكرة والصراع.
"فلول"
الكلمة الأكثر تداولاً في شهادات البائعين هي "فلول". مصطلح متداول على نطاق واسع، من دون تعريف قانوني واضح ، لكنه مع ذلك يمتلك قوة اجتماعية هائلة، يكفي أن يُلمَّح إلى هذه الكلمة في جلسة خاصة، أو أن تُتداول همساً في دائرة ضيقة، حتى تتحوّل إلى عبء ثقيل على صاحب الملك، وتضعه في موقع مساءلة غير معلنة.
فمجرد الشكّ، أو استدعاء التاريخ الشخصي، أو حتى الإشارة إلى الانتماء العائلي، قد يكون كافياً لتحويل البيت من ملكية خاصة إلى موضع اشتباه دائم.
بهذا المعنى، لا يعمل الضغط عبر مؤسسات الدولة أو أدواتها الرسمية، بل يُمارَس من خلال المجتمع نفسه، وعبر شبكة معقّدة من الإشارات والتلميحات والتفاهمات الضمنية. هي لغة لا تُدوَّن في محاضر، ولا تُكتَب في قرارات، لكنها تُفهم جيداً من الجميع، وتؤدي وظيفتها بكفاءة: دفع الأفراد إلى إعادة حساباتهم، والتصرّف تحت وطأة الخوف، لا تحت مظلّة القانون.
إعادة البناء
يُضاف إلى ما سبق بُعدٌ آخر لا يقلّ حساسيّة، يتمثّل في تصاعد الحديث عن "إعادة البناء". ففي بعض السرديّات المتداولة، لا يُنظر إلى شراء العقار على أنّه مجرّد بحثٍ عن سكن أو استثمار فردي، بل بوصفه خطوةً أولى في مسارٍ أوسع لإعادة تشكيل المدينة، اقتصادياً واجتماعياً، وربّما رمزيّاً أيضاً.
غير أن إعادة البناء، في هذا السياق، لا تظهر كمشروع وطني شامل يقوم على رؤية تخطيطية واضحة، ومؤسسات جامعة، وضمانات قانونيّة متساوية، بل كتصوّر جزئيّ ومجزّأ، تحكمه الذاكرة السياسيّة أكثر ممّا يحكمه التخطيط العام. وبدل أن تُقدَّم بوصفها عمليةً جامعة تعيد وصل ما انقطع، تُستعاد في المخيال المحلي كأداة محتملة لإعادة توزيع المكان والموارد وفق سرديات الماضي وصراعاته.
هذا التصور يزيد من مخاوف السكان الأصليين، ويعزز شعورهم بأنهم ليسوا شركاء في مستقبل المدينة، بل أطرافاً يُعاد ترتيب مواقعهم فيها من دون مشاركتهم الفعليّة.
هل نحن أمام تغيير ديمغرافي؟
يتكرّر هذا السؤال بإلحاح في النقاش العام، غير أن الإجابة عنه تظلّ معقّدة وحذرة. فالتغيير الديمغرافي لا يُقاس بالنوايا المعلنة أو بالتصريحات الفردية، بل بالأنماط المتكررة والآثار القابلة للرصد على الأرض. وحتى الآن، لا تتوافر صورة مكتملة تُثبت وجود سياسة منظمة ومعلنة تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي ممنهج في اللاذقية، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل مؤشرات ضغطٍ متراكمة كافية لإثارة القلق المشروع.
الأخطر من الوقائع الجزئية نفسها هو ما يُبنى في الوعي العام: تصاعد شعورٍ بأن فئةً من السوريين ترى نفسها مخوّلة أخلاقياً، أو تاريخياً، بإعادة توزيع الملكيّات على أساس الموقف السياسي في الماضي. هذا التصوّر، حتى إن لم يتحوّل إلى سياسة رسمية، يحمل في طيّاته بذور انقسامٍ عميق، ويهدّد بتحويل الملكية الخاصة إلى ساحة تصفية حساباتٍ مؤجّلة.
ما يجري في اللاذقية اليوم لا يمكن اختزاله في قصة "غرباء" و"أبناء أرض"، ولا في مواجهةٍ مباشرة بين فئاتٍ سكانية. إنه، في جوهره، صراع سرديّات متناقضة: سرديّة ترى في العقار تعويضاً متأخراً عن خسارات الحرب ومعاناة النزوح، وأخرى ترى فيه خطّ الدفاع الأخير عن هوية تشعر بأنها مهدَّدة ومهمَّشة.
في ظلّ هذا الصراع، يعمل سوق السكن بوصفه سوقاً هشّاً، يفتقر إلى ضمانات قانونية كافية، ويُترك لتوازنات القوة والخوف، بدل أن يُدار بقواعد واضحة تحمي جميع الأطراف.
