كيف اجتاحت السّلفيّة اليمن ونقّبت النساء

محمد أبي سمراالخميس 2026/02/05
Image-1770120126
إظهار النساء نسخًا متكررة بلا ملامح ولا شخصيات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ العام 2011 كشف ما سمّي الربيع العربي الستار عن مجتمعات عربية كثيرة. كأنما البلدان التي مرَّ بها كانت قبله بلا مجتمعات، بعدما خنقتها وحطمتها وغيّبتها أنظمة أمنية مستبدة، تزعمها طوال عقود قادة جعلوا أسماءهم وسلطانهم وصورهم فوق بلادهم وأسمى منها، حتى صار يقال عراق صدام حسين، وليبيا معمر القذافي، ويمن علي عبدالله صالح، وسوريا الأسد الذي قال فيه مدّاح لبناني مرة: "أسد والناس تحتك عدد".   

فجأة كشف الربيع العربي مجتمعات مجهولة، تركتها أنظمتها قاعاً صفصفاً. وفوجئ مشاهدو صور الربيع اليمني مثلاً، وتحديداً في صنعاء وعدن، بسيل النساء المنقبة أجسادهن كلها بذاك السواد الفاحم في ذلك البلد المجهول.

هذا التحقيق يتقصى محطات من التاريخ الاجتماعي والسياسي لتلك الصور اليمنية التي لا تزال تطالعنا حتى اليوم، وكلما تجدّدت الحوادث وأخبارها وصورها في اليمن، يستحيل أن نشاهد فيها امرأة غير منقبة.

 

بين التقليد والسلفية

كان فارع المسلمي في العاشرة من عمره سنة 2000، عندما صدمته مشاهد النساء المنقبات في قريته اليمنية الجبلية النائية وفي عاصمة بلده صنعاء. لاحقاً، في شبابه -وكان قد أصبح باحثاً في أحوال اليمن الاجتماعية والسياسية، بعدما تحوّل الربيع اليمني حرباً أهلية وإقليمية أصابت بلدان ذاك الربيع، سوى مصر وتونس- اكتشف فارع أن الإسلام السلفي، ومن مظاهره ارتداء النساء النقاب، على صلة حميمة بعودة نحو مليون يمني إلى بلادهم من مهاجرهم في بلدان الخليج النفطية. 

كانت أفواج اليمنيين قد بدأت تهاجر بكثافة إلى تلك البلدان وتعمل فيها منذ اكتشاف النفط هناك، وتدفق موارده عليها، وحاجتها إلى اليد العاملة. وكانت الكويت والسعودية وجهة هجرات اليمنيين الغالبة، لتشكل تحويلاتهم المالية السنوية إلى أهلهم بما يقارب 30 إلى 40 في المئة من الناتج الوطني اليمني. وكان السبب في عودتهم الجماعية القسرية، تأييد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح غزوَ نظام صدام حسين العراقي الكويت في العام 1990.

إلى جانب هذه الخسارة الفادحة، التي عرّضت اليمن إلى أزمة اقتصادية ومعيشية صعبة، انتشر مع فيض العائدين الفقر والأمية وخراب التعليم، والإسلام السلفي في سائر الديار اليمنية، ومنها قرية فارع وأهله الجبلية النائية على مسافة 9 ساعات في السيارة من العاصمة صنعاء.

قبل الموجة السلفية الكبرى تلك التي اتخذت أجسام النساء، حضورهن ومسلكهنّ في الفضاءات العامة والخاصة، مداراً أساسياً لإعلان أسلمة المجتمع وإشهارها مشهدياً، كان إسلام اليمنيين واليمنيات تقليدياً ويماشي عادات المجتمع وتقاليده المحافظة المتوارثة، والمتغيّرة حسب ظروف الحياة المادية والأخلاقية ومتطلباتها وضروراتها. وكان المجتمع يصوغ أحكامه، أعرافه وتقاليده وقيمه وشعائره الدينية، من دون أن تمتلك جماعة منه تفويضاً أو حقاً يمكّنها من تحديد معايير الدين القويم وأحكامه، وفرضها على الناس أجمعين، وخصوصاً في ما يتعلق بسلوك النساء وقيافتهن. ذلك أن الناس أحرار ومتساوون، بهذا القدر أو ذاك ومن حيث المبدأ، في ملاءمة حياتهم مع قيم الإسلام العليا الأساسية وأركانه، ومع الاجتماع الإسلامي، أو إسلام الجماعة.

أما دعاة السلفية الجديدة، بنسخها وتياراتها الكثيرة، فتعتبر أن إسلامها وحده هو الإسلام القويم، إسلام "السلف الصالح" كما يتخيله رجال الدعوة، ويريدون فرضه على الجميع بالقسر والتخويف والتهديد والإخضاع، وأحياناً بالعنف.

 

السلفية "جاهلية" جديدة؟

وروى فارع المسلمي كيف ظهر الإسلام السلفي في قريته، وراح يناهض الإسلام التقليدي السائر فيها، متخذاً أجسام النساء المدار الأساسي لمعركته. فالسلفية في وجه من وجوهها مرض هجاسي ذكوري بالنساء. وهو لا يزال يتذكر من مطلع فتوته صديقه الذي يكبره بجيل يردد: "وأد، وأد، وأد "، حينما كانا يسيران معاً في دروب قريتهما، ويبصران امرأة منقبة الجسم بالسواد من شعرها إلى قدميها. كأنما صديقه كان يستعيد في كلمته تلك الآية القرآنية: "وإذا المَوؤدة سُئِلت بأيِّ ذنْبٍ قُتلتْ"، ليقول إن التنقيب السلفي الجديد لجسم المرأة، إنما يريد العودة إلى "جاهلية" ما قبل الإسلام، عندما كانت الأنثى توأد، أي تُدفن حية بعد ولادتها.

وحسب شهادة فارع تفشّت السلفية الجديدة في المجتمع اليمني على دفعات أو موجات متلاحقة، مع عودة اليمنيين الكثيقة من بلدان الخليج، وفي موازاة شيوع وسائط التواصل الحديثة. 

في البداية، أي في السبعينات والثمانينات، كان المهاجرون اليمنيون في بلاد الخليج يرسلون إلى أهلهم وعائلاتهم ونسائهم في بلادهم، أشرطة كاسيت يسجلون عليها بأصواتهم -بديلًا عن الرسائل- ما يريدون إطلاعهم عليه عن حياتهم وأحوالهم في مهاجرهم. وكانوا يضمِّنون تلك التسجيلات الصوتية بعض الوصايا والتعاليم التي يرغبون أن تتّبعها نساؤهم في غيابهم. لكن أثر ذلك ظل طفيفًا وأقل من أن يذكر، إلى أن بدأت في مطلع التسعينات عودة موجات المهاجرين إلى ديارهم. وإذا كانت الغالبية العظمى منهم رجالًا بلا نساءٍ ولا عائلات، فإن بعض العائدين عادت معهم نساؤهم منقبات، بعدما كانوا استقدموهن من اليمن إلى مهاجرهم.

وصُدمت النساء اليمنيات المقيمات في مدن وقرى بلدهن بمشهد العائدات المنقبات بالسواد. فأم فارع مثلًا -وهي كسائر نساء القرية- كانت ترتدي ألبسة تقليدية كثيرة الأشكال والألوان، فتتبرج وتتكحّل بأصناف من المستحضرات البلدية التقليدية، وتضع على رأسها منديلًا لا يغطي شعرها، وهو للزينة أكثر منه للستر أو التستّر، فيما هي ترتاد ديوان المنزل وتجالس فيه الرجال والزوّار، ولها بينهم حضورها وشخصيتها وكلمتها. 

وعلى وجه العموم كانت شخصية المرأة، حضورها ومرتبتها ودورها، تظهر من خلال أشكال قيافتها المتنوعة والمتعددة، على خلاف تنقيب أجسام النساء كلها بالسواد لإخفائها، وإظهارهن نسخًا متكررة بلا ملامح ولا شخصيات محددة متمايزة ولا ملامح.

 

المساجد وأجسام النساء

ونجح دعاة السلفية في استمالة بعض العائلات والأسر الهامشية في قرية فارع. وكان المظهر الأساسي لذاك النجاح تحجّب عدد من النساء أو تنقبهنّ، وارتياد رجالٍ المسجدَ للصلاة وحضور خطب الجمعة. وشاع بين بعض النساء اللواتي استغربن الظاهرة المستجدة، تعليلهن نقاب المنقبات ببشاعتهنّ. أما إقبال شبّان وفتيان على ارتياد المسجد، فأثار ريبة أهلهم وآبائهم واستغرابهم، فأخذوا يراقبون أولادهم، كأنما الأولاد يماشون رفاق سوءٍ، فيسأل هذا أو ذاك ابنه: أيش في، ليش تروح ع المسجد؟! إذا تشتي (تشتهي أو تريد) تصلي، ليش ما تصلي بالبيت؟!

وبعد عودة المهاجرين بأعدادهم الضخمة، وانقطاع عائدات الهجرة، وتفشي الفقر وتردّي الخدمات العامة والتعليم والأوضاع المعيشية، حدث في اليمن ارتجاج اجتماعي شامل كان البطن الخصب لتوليد السلفية وانتشارها المعمم.

أم فارع التي كان يدهشها تزايد عدد النساء المنقبات فتنفر منهن، بدأت قناعاتها ترتجّ شيئاً فشيئاً، وينتاب سلوكها قلق وارتباك، عندما راح يتفشى الحجاب والنقاب بين نساء القرية غير العائدات من المهاجر، فأسقط أخيراً في يدها، ليرجِّح فارع أن والدته كانت من آخر من أُرغمن على ارتداء الحجاب في القرية التي تغيّر نمط عيش أهلها، وصار مسجدها قبلة يومية لكثرة من شبانها وفتيانها ورجالها.

 

سفينة نوح وتقنية بيل غيتس

شاءت أقدار فارع أن يحصل في العام 2005 على منحة لدراسة السنة الأخيرة من مرحلة تعلّمه الثانوي في أميركا، حيث حلَّ ضيفاً في بيت أسرة أميركية أشعرته أنه ابنها بالتبنّي، فصار لديه، إلى والده الأول، والداً آخر أميركياً من أصول شرق آسيوية. واستُكملت منحته تلك بأخرى للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث أقام طالباً جامعياً، ثم متدرباً وباحثاً في الشؤون اليمنية بمؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي، من دون أن ينقطع عن زيارة بلده والإقامة فيه إقامة متقطّعة، معايشاً أزماته الاجتماعية والسياسية وباحثاً فيها.

"سفينة نوح ترتطم بتقنية بيل غيتس"، كان عنوان أحد مقالات فارع الأولى عن انتشار السلفية في المجتمع اليمني الذي أخذت بعض نسائه المنقبات في قرية جبلية نائية، تمشين على طرق ترابية للوصول إلى بقالةٍ متواضعة فيها، صاحبها عجوز وبها بعض من سلع قليلة، فتقايضن ما تحملنه من زيت أو سمن بقري ببطاقة لشحن هواتفهنّ المحمولة. وكان المشهد هذا يشي بأن القرية وسواها الكثير من قرى اليمن، يعيش أهلها في زمن هجين تختلط فيه المقايضة السابقة على التداول النقدي بتكنولوجيات العالم الافتراضي، وبعولمة فوضوية.

 

مشهد الكوارث السائلة

وحين زرت اليمن -أنا كاتب هذه السطور- في العام 2006، اصطحبني عاقل (مختار) إحدى القرى، إلى مدرسة خربة مهجورة، والتقينا أمامها تحت شجرة هرمة بمدرّسها الوحيد. وفي جلستنا على أحجار تحت الشجرة، قال المدرّس إن التلامذة نادراً ما يأتون إلى المدرسة التي شاهدنا في غرفها المشققة الجدران مقاعد محطمة ومهترئة. فجأة سألَنا المدرّسُ عن مذيعاتٍ في محطات تلفزيونية لبنانية وذكر أسماءهن وأسماء نجمات غناء فيديو كليب لبنانيات. ولما سألناه كيف يشاهدهنّ، بعدما كان قد أخبرنا أن ليس من كهرباء في القرية، ضحك قائلاً إن بعض أهلها لديهم أجهزة تلفزيون صغيرة، يشغّلونها على الطاقة المخزّنة في بطاريات سيارات عتيقة يستعملونها على طرق ترابية لا تخلو من الحجارة، ولم تعرف الإسفلت قط.

أما عاقل القرية، فرفض أن يشرب الماء من عبوة بلاستيكية كنت أحملها، وقال إن عليّ الاحتفاظ بمائها لي، لئلا تفرغ في رحلتنا الطويلة، فأضطر، لو عطشت، إلى شرب المياه الملوّثة في قراهم، فتؤذيني، لأنني متعوّد على شرب مياه نظيفة. أما هم فلم يعد تلوّثُ الماء يصيبهم بمكروه، لأن أجسامهم اكتسبت مناعة تقيهم من أذاه لكثرة ما شربوا منه. 

أخجلني كلام الرجل القصير النحيل الجسم، فلم أشرب من العبوة، ووقفتُ عن الحجر الذي كنتُ أجلسُ عليه، فاصطدم رأسي بغصن من أغصان الشجرة فوقي. "جَبَرَكْ، جبرك"، ردّد العاقل. وهذه كلمة سمعتُ يمنيين يرددونها في معرض تمنّيهم ألا يُصاب بأذىً من تعرّض لحادثةٍ مفاجئة. تضاعف خجلي وظللت صامتاً، فيما الرجل العاقل يقول إنه لو وقف كما وقفتُ، فلن يصل رأسه إلى غصن الشجرة فوقه. وليس جيله وحده تعرض كثيرون منه لسوء التغذية في طفولتهم، بل إن أعراضه متفشية اليوم على نطاق واسع بين الأطفال اليمنيين.

فجأة خطر في بالي قول المتنبّي في سيف الدولة، واستبدلتُ كلمة "الروم" في بيته الشعري بكلمة تناسب واقع الحال في يمن الأمس واليوم: وسوى الكوارث خلف ظهرك كارثة/ فعلى أي جانبيك تميلُ؟

 

"جِنِّيُّ" عولمة متخلفة

ويرى فارع المسلمي (الناجي؟) من كوارث اليمن، أن الإنترنت والفيس بوك والهاتف المحمول، لم يزامن شيوعُها مزامنةً وقتية محايدة شيوعََ السلفية وحجابها ونقابها وتكفينها حياة النساء بالسواد الفاحم. فوسائط التواصل هذه -بمنصاتها وشبكاتها المفتوحة طوال الوقت بين البشر، وقيل إنها جعلت "العالم قريةً كونية"، والوقت والحياة والمجتمعات والعالم كله وكوارثه في حال من السيولة الفياضة على الدوام- ساهمت "فتنتُنها الساحرة" مساهمةً حاسمة في العودة إلى ما يُفترض ويُتخيل أنه "السلف الصالح"، وإلى هويات أصلية صلبة. وهذا كله لمجابهة الفتنة وسحرها اللذين أشاعتهما الوسائط إياها التي أحدثت ارتجاجًا في المجتمع اليمني التقليدي، المحافظ والمتدين تديُّنًا تقليديًا متوارثًا، والضعيف الاتصال بعالم الحداثة والتحديث المعاصر. وهو ارتجاج عنيف غير مسبوق أصاب قيم ذاك المجتمع، معاييره وأحكامه الأخلاقية، كما أصاب نظام العلاقات التقليدي بين أهله وناسه، وبين الرجال والنساء.

لقد اختبرتْ وسائط التواصل المجتمع اليمني اختبارًا عسيرًا: انتهكت أخلاقياته وعلاقاته المتعارفة السائدة وشبه الثابتة، أو البطيئة التغيّر، أقله منذ عشرات السنين، فخاف أهله منها خوفهم من "جنيٍّ" مرغوب، فيما هي تنتشر بين أيديهم بقوة لا راد لها، ويستحيل عليهم السيطرة عليها. ثم لم يلبث الانتهاك والخوف والرغبة أن تضاعفت مع شيوع "جنيٍّ" جديد: كاميرات الهواتف المحمولة.

ولك أن تتخيّل قوة الخوف من الانتهاك وقوة الرغبة التي تلابسه -قال فارع- عندما صار يمكن بسهولة التقاط صور هاتفية لزوجتك أو ابنتك أو أختك، أو هنَّ تلتقطنها بكاميرات هواتفهنّ، وتُرسَلُ الصور وتنتشر عبر الفضاء الإلكتروني المشرّع إلى ما لا نهاية. لا، لم يكن المجتمع اليمني المرتجّ أصلًا بأزماته طوال عقد التسعينات وحتى اليوم، قادرًا على استيعاب ذاك الارتجاج الجديد، فردّ عليه بارتداده إلى سلفية دينية، اتخذت تحجيب النساء وتنقيبهنّ واحتشاد الرجال في المساجد، سلاحًا لاستقطابها الناس الذين استجابوا لدعوتها صاغرين، ليتداركوا خوفهم من "جنيِّهم" المرغوب.

واستخدم السلفيون أنفسهم الهاتف المحمول وصوره في معركتهم: أخذوا ينشرون صور نساءٍ سافرات ويشهّرون بهن ويصمونهن بالعار والرذيلة، إلى جانب نشرهم صور نساءٍ منحهن الحجاب والنقاب الشرف والكرامة وسداد السبيل.

هكذا انتصرت العولمة المتخلفة على المجتمع التقليدي المحافظ. وهكذا كذّبت الوقائع كل الادعاءات القائلة إن النساء حرّرهن شيوع وسائط التواصل الإلكتروني الذي أعاد المجتمع اليمني إلى قرون غابرة متخيلة.

 

شطرا اليمن: وحدة المسار والمصير

أما اليمن الجنوبي فكانت طريقه إلى تلك العولمة تختلف عن طريق اليمن الشمالي إليها. فالجنوب عاش أكثر من قرن في ظل استعمار بريطاني (1839- 1963) فتح عدن وجعل ميناءها بين الأولى في العالم، وغلّف مجتمعها التقليدي بقشرة من عصرنة واختلاط يحتاجهما في المدينة التي اتخذها البريطانيون وجالياتهم الإقليمية محطة في الطريق البحرية إلى الهند. هذا فيما كان الشمال اليمني وعاصمة الشمال صنعاء في حال من انغلاق اجتماعي وثقافي وسياسي مستعصٍ، في ظل النظام الإمامي السلالي والشديد المحافظة المتحجّرة، حتى قيام "ثورة" انقلابية عسكرية أطاحت الإمامية في العام 1963، وأدت إلى حرب أهلية- إقليمية. وفي الجنوب قامت في العام نفسه ثورة مسلحة للتحرر من البريطانيين الذين انتهى استعمارهم سلطنات الجنوب في العام 1967.

وسرعان ما أدى ذاك التحرر إلى قيام نظام الحزب الواحد الاشتراكي على المثال السوفياتي (1969- 1990). وحاصر ذاك النظام المجتمع الجنوبي التقليدي وجرّف نخبه وبدّدها، ثم خنقه بإجراءات إدارية حيناً وقمعية عنيفة أحياناً، فانكفأ على عاداته وتقاليده، وعاش في الكتمان والخوف. لكن كثرة يمنيين ويمنيات جنوبيين -كانوا أطفالاً وشبّوا في ظل النظام الاشتراكي السابق على الوحدة الاندماجية بين دولتي اليمن- يرون أن لذاك النظام فضيلة يجب أن تذكر: تعميمه التعليم وتأميمه. تحبيذه سفور على النساء. ووضعه للأسرة قانوناً أنصف النساء وساواهن بالرجال، ومنحهن شيئاً من الحرية. هذا على الرغم من ممانعة المجتمع التقليدي سفورهن وحريتهن ومساواتهن، إلا على مثال قيمه وتقاليده التي حاصرها وكتمها نظام الحزب الواحد.

أما الحوادث الكارثية المتلاحقة التي أصابت الجنوب -الشِّقاق الإيديولوجي، القبلي والجهوي، في قيادة رفاق الحزب الواحد، والحرب الطاحنة بين جناحيه (1986)، وانهيار المنظومة السوفياتية (1989) التي كان الحزب يدور في فلكها، وقيام الوحدة الاندماجية بين دولتي الشمال والجنوب (1990)، وحرب الوحدة التي شنّها الشمال على الجنوب المتململ والخائف من الوحدة (1994)- أما هذه الحوادث كلها، فأدت مجتمعة إلى وحدة المسار والمصير بين شطري اليمن، على الطريقة السورية اللبنانية التي ابتكرها النظام السوري الأسدي (1970- 2025).

هكذا وحّدت الكارثة اليمن: أرست الحروب الأهلية المتناسلة نظامًا سياسيًا واجتماعيًا سائرًا وماثلًا في بلدان ومجتمعات عربية كثيرة. أما السلفية أو السلفيات المذهبية والدينية فليست إلا وجهًا من وجوه تلك الحروب ونظامها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث