نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر مطلع، أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً متزايدة على إسرائيل لتوسيع عمل معبر رفح البري، بما يسمح بإدخال البضائع والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بعد أن اقتصر تشغيله خلال الفترة الماضية على عبور أعداد محدودة من المشاة.
وأوضح المصدر أن الاعتماد الحصري على معبر كرم أبو سالم لإدخال المساعدات، يعرقل بشكل كبير جهود إعادة الإعمار، مشدداً على أن توسيع عمل معبر رفح بات "ضرورة لا يمكن تجاوزها"، مضيفاً "لا نعرف إلى متى سيتمكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من مواصلة رفض هذا المطلب".
إعادة تشغيل محدودة وقيود مشددة
وكانت السلطات الإسرائيلية قد سمحت، منذ الاثنين الماضي، بإعادة تشغيل معبر رفح بشكل جزئي، وتحت رقابة وقيود أمنية مشددة. وفجر اليوم، وصل 25 فلسطينياً إلى قطاع غزة قادمين من مصر، فيما غادره 46 شخصاً، بينهم مرضى ومرافقون.
وبموجب التعليمات الإسرائيلية، يُسمح للفلسطينيين بالعودة إلى القطاع فقط إذا كانوا قد غادروه بعد اندلاع الحرب، التي احتلت خلالها إسرائيل الجانب الفلسطيني من المعبر في أيار/مايو 2024.
وبالرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة لم تشهد تحسناً يُذكر، نتيجة تنصل إسرائيل من تنفيذ بنوده، ولا سيما ما يتعلق بإدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والطبية والإغاثية، والبيوت المتنقلة، وفتح المعابر بشكل كامل.
وكان من المفترض أن يُعاد فتح معبر رفح في المرحلة الأولى من الاتفاق، إلا أن إسرائيل امتنعت عن تنفيذ ذلك.
تصعيد ميداني وسقوط ضحايا
في السياق ذاته، تواصل قوات الاحتلال خرق وقف إطلاق النار الهش، إذ استشهد أمس الأربعاء، ما لا يقلّ عن 24 فلسطينياً، بينهم أطفال، جراء قصف جوي ومدفعي استهدف مناطق متفرقة من القطاع.
وجاء التصعيد بعد مزاعم إسرائيلية بإصابة أحد ضباطها بنيران فلسطينية، وهو ما اعتبرته حركة "حماس" ذريعة لتبرير استمرار العدوان.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، وصول 27 شهيداً و18 مصاباً إلى مستشفيات القطاع خلال الـ24 ساعة الماضية، ما رفع حصيلة خروقات الاتفاق إلى 574 شهيداً وألف و518 مصاباً منذ توقيعه.
جثامين وأشلاء إلى مجمع الشفاء
وأفادت وزارة الصحة أمس الأربعاء، بوصول 54 جثماناً و66 صندوقاً تحتوي على أشلاء وأعضاء بشرية إلى مجمع الشفاء الطبي، بعد أن أفرجت عنها إسرائيل ونقلتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
من جهته، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان، إن قوات الاحتلال ارتكبت ألف و520 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيّز التنفيذ، توزعت بين 522 حادثة إطلاق نار، و73 توغلاً للآليات، و704 عمليات قصف واستهداف، و221 عملية نسف لمبانٍ ومنازل.
وأشار البيان إلى استشهاد 556 فلسطينياً وإصابة أكثر من ألف و500 آخرين نتيجة هذه الخروقات.
أزمة إعادة الإعمار وتردد المانحين
وفي ذات الوقت، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين، أن الولايات المتحدة لم تحصل بعد على تعهدات تمويلية لخطة إعادة إعمار غزة، بسبب مخاوف المانحين من استئناف الحرب، والخلافات حول ملف نزع سلاح حركة "حماس".
وذكرت الوكالة أن دولاً عدة مترددة في تخصيص أموال للخطة التي كشف عنها الشهر الماضي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قبل إلقاء "حماس" سلاحها.
كما نقلت عن سبعة دبلوماسيين غربيين أنّ تأخير التمويل يعود أيضاً إلى مطالبة بعض المانحين بأن تُدار الأموال من قبل الأمم المتحدة بدلاً من مجلس السلام.
واقع إنساني متدهور
في موازاة ذلك، قال رئيس بعثة الصليب الأحمر إن نحو 4 آلاف شاحنة مساعدات دخلت غزة، إلا أنها لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، استمرار "القتل الممنهج" والتصعيد الإسرائيلي، مشيراً إلى تلقي بلاغات متكررة عن مفقودين في مناطق "الخط الأصفر"، وسط أعداد كبيرة من الضحايا.
ويرى مراقبون أن استمرار المجازر والانتهاكات يعكس نيات إسرائيلية مبيتة للعودة إلى القتال المكثف، في إطار حرب الإبادة المستمرة، عبر ذرائع تتعلق بنزع سلاح غزة أو الادعاء بتعاظم قدرات حماس، إلى جانب حسابات سياسية داخلية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الضغوط الأميركية لفتح معبر رفح أمام المساعدات محدودة الأثر، ما لم تُترجم إلى خطوات عملية تضمن رفع القيود الإسرائيلية، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة لمليوني فلسطيني يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
تدمير الأنفاق يحتاج عامين
في سياق آخر، ضخ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية حرب الإبادة على غزة، قبل نحو عامين ونصف العام، وحتى اليوم، أكثر من 250 ألف متر مكعّب، من تربة مخلوطة بالماء، في أكثر من 150 كيلومتراً من أنفاق القطاع، فيما يواصل عملياته الرامية للعثور على مزيد من الأنفاق وتدميرها.
ويعتقد مسؤولون عسكريون أن المهمة قد تستغرق نحو عامين آخرين. ونقل موقع القناة (12) العبرية، اليوم الخميس، أنه قُبيل الانتقال لتنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار مع "حماس"، تعامل جيش الاحتلال حتى الآن، مع نحو نصف الأنفاق في قطاع غزة "فقط". وقال مسؤول عسكري: "نحن ندير معركة وبإصرار شديد، ضد البنية تحت الأرضية التابعة لحماس"، ونقدر أن معالجة جميع الأنفاق قد تستغرق سنتين إضافيتين.
