ترامب وبوتين يتفرجان.. نفاد "نيو ستارت" يُقرّب نهاية العالم!

عمّار الجنديالخميس 2026/02/05
Image-1770299477
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لفظت معاهدة "نيو ستارت" أنفاسها الأخيرة، في 5 شباط/ فبراير، ما يهدد بإدخال العالم في نفق سباق تسلح نووي مخيف! هكذا خرجت من الخدمة آخر اتفاقية بين واشنطن وموسكو لضبط الترسانة النووية لدى كل منهما، وإبقائها ضمن حدود واضحة كان يجري التحقق ميدانياً من التقيد بها بصورة دورية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين "تعاونا" على تجريد العالم للمرة الأولى في خمسين سنة، من آلية تقيّد بشفافية الجموح النووي، ووضعاه على "شفير كارثة" حين فشلا بتمديد "نيو ستارت" أو التخطيط لخلق صيغة بديلة تقوم مقامها، ووقفا يتفرجان على "حريق" آخر أدوات مراقبة السلاح الاستراتيجي على طريقة نيرون! 

 

مسؤولية ترامب

بوتين لم يقصر ويستخدم الأزمة النووية للتغطية على غزوه لأوكرانيا. إلا أن سيد البيت الأبيض يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن هذه النتيجة. فالزعيم الروسي دعاه مراراً لمواصلة الالتزام طوعاً بالحدود التي تنص عليها "نيوستارت" لناحية أعداد الأسلحة الاستراتيجية، لكنه تعامل بخفة مع الدعوة. و قال إنه يريد استبدال "نيوستارت" بمعاهدة جديدة تشمل الصين. ولم يرد رسمياً على عرض بوتين. 

هذا الموقف منسجم مع قناعات صاحبه المعلنة. في ولايته الأولى انسحب من "معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى" (1987) وأيضاً من "الاتفاق النووي الإيراني" (2016)، ثم أعرب عن رغبته في جعل ترسانة بلاده النووية أضخم منها بعشرة أمثال. وفي الثانية، عمد الرئيس الذي قرر تغيير اسم وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب، إلى تقليص عدد موظفيه المعنيين بملف تنظيم التسلح، وأمر قبل أشهر باستئناف التجارب النووية على نحو يضاهي اختبارات روسيا والصين ضارباً عرض الحائط بقرار تجميدها الصادر في 1992.

 

نسف سياسات سابقيه

ويمثّل نهج ترامب سباحة في عكس التيار. فهو ورث سلسلة من القرارات والخطط الأميركية التي سعت إلى إنهاء التسلح النووي. ولعل وصوله إلى البيت الأبيض يشكل لحظة البدء في تراجع مضطرد لهذه السياسات. ومعروف أن عدداً من كبار المسؤولين السابقين، بينهم وزيرا الخارجية هنري كيسنجر وجورج شولتز، ووزير الدفاع وليام بيري، طالبوا علناً بطي صفحة السباق النووي.

وبدأت ترجمة هذا الهدف إلى واقع ملموس بإبرام الزعيمين الأميركي ريتشارد نيكسون والروسي ليونيد بريجينيف، في 1972، معاهدات "سالت 1" (محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية). ثم كانت "سالت2" (1979) واتفاقيات عدة أهمها "ستارت 1" (1991). وفي 2010، حلّت محلها "نيوستارت" التي حددت عدد الرؤوس الحربية النووية لدى كل من الدولتين بـ1550، ومنصات الاطلاق بـ800، والصواريخ العابرة للقارات بـ700 صاروخ.

 

كثُر "الطباخون"

لكن توجه ترامب لا يعود إلى تطرفه فحسب. والأرجح أن تحولات أخيرة ساهمت في التأثير عليه. فالعالم صار مختلفاً عنه في أيام الحرب الباردة والسنوات التي تلتها، ولم تعد المنافسة محصورة بالقوتين العظميين، بل كثُر الراغبون بدخول النادي النووي. 

كان الجباران في الماضي يحتكران القوة النووية. ومع أنهما يملكان وحدهما ما يقدر بـ87 % من السلاح النووي في العالم، فقد صار هناك منافسون كثيرون ممن يحوزون، وآخرون يتحينون الفرص للسير علي خطاهم. وأهم هؤلاء الصين التي قطعت في زمن قياسي أشواطاً على طريق اكتساب قدرات جديدة، وتسعى لمضاعفة مخزونها الذي قُدّر في 2019 بـ300 رأس نووي. إلا أن الفجوة بينها وبين كل من أميركا وروسيا، لا تزال واسعة. وفي السنوات الأخيرة اتسع نطاق التهديدات بفضل الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي المذهل. وهذا كله يجعل القضاء على "نيو ستارت" أكثر خطورة.

غياب الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية في عالم يغصّ بالتوترات الجيوسياسية والأزمات، وتحدق فيه الصعوبات بكل من الجبارين، من شأنه أن يدفع عجلة السباق النووي بينهما إلى الأمام. كما أن اتساع رقعة التسرب النووي يصبح شبه مؤكد. 

 

الأصدقاء والأعداء

وفعلاً، يستعد البعض لحيازة هذه الأسلحة. أصدقاء واشنطن الذين لم يعودوا يثقون بدعمها منذ بدأ ترامب "يتنمر" على حلفائه، ووصل به الأمر إلى التهديد بسلب أحدهم جزيرة غرينلاند بالقوة، يفكرون ببناء ترساناتهم النووية. ويُقال إن بولندا وكوريا الجنوبية، قد بدأتا سلفاً العمل لتحقيق هذا الهدف. في المقابل، ايران التي انسحب من الاتفاق النووي معها، ثم قصف منشآتها ذات العلاقة ببرنامجها النووي، أصبحت تدرك أكثر من ذي قبل أن حيازة القوة النووية، ككوريا الشمالية، هو وحده الكفيل بإبقائها خارج الاستهداف الأميركي. 

ولا يُستبعد أن تتسارع وتيرة السباق بفعل الفساد المزعوم في ظل الترويج لإمبراطورية البزنس لعائلة الرئيس ترامب، وأسلوبه القائم على التعامل بصورة تجارية تبادلية تبحث عن مكاسب فورية. وهو عازم على تفكيك السياسات التقليدية المتعلقة بالتسلح النووي والكثير غيرها. فهل يُثبت أن ما بعد ترامب ليس كما قبله، أم يمنعه الأميركيون في الانتخابات النصفية المقبلة من تحقيق هذه الرغبة النابعة من طبيعة شخصيته المغرورة، خصوصاً أن استطلاعات رأي أفادت بأن 90٪ منهم يعارضون "شهوته " النووية؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث