اعتادت النقاشات السياسية المعاصرة أن تقدم العلاقة بين الأتراك والأكراد بوصفها علاقة صراع دائم. غير أن العودة إلى التاريخ تكشف صورة أكثر إشراقاً.
فقد طغى مشهد الصراع بين الدولة التركية وحزب العمالي الكردستاني، والذي يمتد لأكثر من نصف قرن على العلاقة التركية-الكردية. فهذه العلاقة امتدت لأكثر من ألف عام، وتخللتها فترات تعاون وتحالف بقدر ما شهدت من توترات وانتفاضات.
التعاون قاعدة قديمة لا استثناء عابراً
منذ العصور السلجوقية، تشابكت المصالح بين القوى التركية الصاعدة والكيانات الكردية المستقرة في شمال الرافدين وشرق الأناضول. كانت الإمبراطوريات تحتاج إلى دعم محلي يضمن لها العبور والتثبيت، فيما كانت الإمارات الكردية تحتاج إلى تحالفات تحميها وسط بيئة تتنازعها قوى متعددة. لذلك تشكلت تفاهمات سياسية وعسكرية متكررة، خصوصاً في لحظات التحول الكبرى.
تبرز معركة "ملاذكرد" في العام 1071 بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية السلجوقية، كمحطة تأسيس الدولة القومية التركية، وتشير المصادر التاريخية إلى مساهمات قوات متعددة ضمن المعسكر السلجوقي، بينها قوات كردية لعبت دوراً مهماً في القتال.
لكن هذه المشاركة الكردية لم تؤسس بالضرورة لعلاقة متساوية على المدى الطويل. فالسلجوقيون كقوة توسعية تحركوا بمنطق التوسع، بينما كانت كيانات كردية كثيرة أكثر ميلاً للاستقرار وإدارة مناطقها كأقاليم لها توازنات خاصة. ومع ذلك ظل التعاون قائماً كلما برز تهديد مشترك.
التحالف العثماني الكردي ونموذج الحكم الذاتي
بلغت العلاقة التركية-الكردية إحدى أهم محطاتها في القرن السادس عشر، حين واجه العثمانيون صعود الصفويين. عندها، تشكل تحالف استراتيجي بين السلطنة العثمانية وإمارات كردية متعددة، قام على مبدأ الولاء السياسي والعسكري للدولة المركزية مقابل الإبقاء على حكم محلي في عدد كبير من الإمارات. بهذه الصيغة تحولت مناطق كردستان إلى حزام استقرار في مواجهة النفوذ الصفوي، فيما حصلت النخب الكردية على مساحة من الإدارة الذاتية والاعتراف بخصوصيتها.
هذا النموذج يبيّن أن العلاقة لم تُبنَ دائماً على الضم بالقوة وحده، بل على ترتيبات تفاوضية تمنح الأطراف حوافز متبادلة. غير أن هذه الترتيبات منعت نشوء مركز سياسي كردي موحد قادر على إدارة المصالح الكردية ككتلة واحدة، ما جعل الكرد في كثير من الأحيان يعتمدون على الدولة المركزية، ويدفعون أثمان الحروب الإمبراطورية من دون امتلاك أدوات تقرير مصيرهم السياسي.
التآكل التدريجي للتحالف
مع القرن التاسع عشر، أخذت السلطنة العثمانية تتجه نحو المركزية وإلغاء الامتيازات المحلية في مختلف الأطراف، بما فيها الإمارات الكردية. ومع تفكيك هذه الإمارات، ظهرت فراغات سلطة وصراعات محلية واحتكاكات اجتماعية ودينية.
ورغم ذلك، عاد شكل من التحالف في أواخر العهد العثماني عبر سياسات تعتمد على توظيف الزعامات المحلية والعشائرية ضمن منظومات أمنية شبه نظامية، ما خلق واقع الولاء للسلطان أو للمركز، مقابل خصومة مع الإدارات الحديثة.
وشارك الكرد، العثمانيون الأتراك في مقاومة قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى ضمن إطار الدفاع عن أراضي الدولة العثمانية في عدة جبهات. فقد انخرطت وحدات من الجيش العثماني ومعها تشكيلات كردية محلية في القتال، وكان للكرد حضور ملحوظ، خصوصاً في الجبهة القوقازية والأناضول الشرقي حيث دارت معارك قاسية ضد التقدم الروسي وحلفائه، وكذلك في مناطق بلاد الرافدين حيث واجهت القوات العثمانية التقدم البريطاني. ورغم تباين الدوافع بين الولاء للدولة، والدفاع عن الأرض، ومصالح الزعامات الكردية المحلية، فإن مساهمة الطرفين شكلت جزءاً من المجهود العسكري الذي سعى إلى إبطاء اختراق الحلفاء للأقاليم العثمانية وإرباك خطوطهم.
الدولة القومية وقطيعة القرن
تعدّ لحظة تأسيس الجمهورية التركية (1923) نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين الأتراك والكرد. فمنطق الدولة القومية الحديثة قام على إنتاج هوية واحدة للدولة والمجتمع، ما أدى إلى تهميش الهويات غير التركية، وفي مقدمتها الهوية الكردية. لم يعد الخلاف يدور حول مساحة حكم محلي أو شراكة ضمن إمبراطورية متعددة، بل حول الاعتراف بالوجود واللغة والحقوق السياسية. ومع سياسات الإنكار والقمع التركية والتي أعقبتها انتفاضات كردية وقمع شديد، تراكمت ذاكرة صدامية صاغت وعي الطرفين لعقود.
في هذه المرحلة أيضاً، أُعيدت كتابة التاريخ التركي. فبدلاً من تقديم القرون السابقة كسلسلة شراكات وتحالفات متبدلة، جرى تصويرها في كثير من الأحيان وفق سرديتين متقابلتين، الأولى سردية رسمية تبرز الهوية التركية بوصفها الأصل الوحيد للدولة والتاريخ، والثانية سردية كردية ترى في التجربة السابقة شكلاً من الهيمنة التي انتهت إلى خيانة سياسية مع الجمهورية.
العلاقة التركية-الكردية ليست قصة صراع مستمر، ولا هي قصة تحالف دائم. إنها تاريخ من المصالح والتحالفات المتقاطعة، تخللته لحظات تفاهم طويلة ثم لحظات قطيعة قاسية.
