تشهد منطقة المشرق العربي تحولاً بنيوياً في مفاهيم السيادة والحدود الوطنية، حيث أدت سنوات الصراع الطويلة وانهيار النظم المركزية إلى خلق مساحات من السيولة الجيوسياسية التي تسمح ببروز فواعل غير دولتية تحمل أجندات توسعية عابرة للحدود. وفي قلب هذا المشهد، لا تبرز المشاريع الاستيطانية كأحداث عارضة أو ردود فعل لحظية، بل هي امتداد لمنطق إيديولوجي وجغرافي ضارب في القدم، يعيد إنتاج نفسه كلما لاحت في الأفق فرصة تاريخية ناتجة عن تفكك الدول وتراجع السلطة المركزية. من هنا، تبرز حركة "حلوتسي هباشان" (رواد الباشان) اليوم كأحد أكثر التجليات خطورة لهذا المنطق، حيث تسعى لنقل تجربة الاستيطان من الضفة الغربية والجولان المحتل إلى العمق السوري، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه سقوط نظام الأسد والتحولات الجذرية في موازين القوى الإقليمية.
قراءة هذه الحركة تتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تعتبرها مجرد تجمع لهوامش اليمين الإسرائيلي، بل يجب فهمها بوصفها رأس حربة لمشروع أوسع يسعى لإعادة ترسيم جغرافيا المنطقة بناءً على مرويات توراتية وضرورات استراتيجية مفترضة، إذ تستند الحركة إلى خطاب يمزج بين الحق الديني المزعوم في "أرض الباشان" وبين الضرورات الأمنية لخلق أحزمة بشرية عازلة، وهو ما يحول الفكرة من مجرد حلم راديكالي إلى برنامج عمل ميداني بدأ بالفعل في وضع أحجار الأساس لمستوطنات دائمة في القنيطرة وريف دمشق.
الجذور التاريخية لمشروع الباشان
لا يمكن فصل تحركات "رواد الباشان" في الوقت الراهن عن السياق التاريخي الطويل للمحاولات الصهيونية الرامية إلى الاستحواذ على الأراضي في شرق وشمال فلسطين التاريخية. فمصطلح "الباشان" نفسه يعود إلى نصوص عبرية قديمة تصف المنطقة الممتدة من جبل الشيخ شمالاً إلى حوران والجولان جنوباً بوصفها أرضاً خصبة وذات أهمية استراتيجية قصوى. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت هذه الرقعة سلسلة من المحاولات المنظمة لشراء الأراضي عبر جمعيات صهيونية مثل "أغودات أحفات صهيون"، التي استحوذت بين عامي 1891 و1925 على مساحات شاسعة من أراضٍ كانت مملوكة لعائلات إقطاعية غائبة، وعلى رأسها عائلة سرسق اللبنانية. ولم تكن هذه المشتريات التاريخية، التي مثّلت آنذاك نسبة كبيرة من إجمالي الأراضي التي حصلت عليها المنظمات الصهيونية، مجرد نشاط اقتصادي، بل جزءاً من تصور استراتيجي هدفه خلق تواصل جغرافي يربط المستوطنات في فلسطين بالعمق السوري، وهو المخطط ذاته الذي تسعى الحركة الحالية إلى إحيائه اليوم عبر استغلال غياب الملاك الأصليين أو تهجيرهم.
وقد مر هذا المسار الاستيطاني بعدة مراحل مفصلية، بدأت بتأسيس غطاء قانوني لادعاءات الملكية خلال الحقبتين العثمانية والانتدابية، قبل أن ينتقل إلى الاحتلال العسكري المباشر للجولان عام 1967، ثم ضمه رسمياً عام 1981 لتحويله إلى قاعدة انطلاق ومستعمرة دائمة. ومع سقوط نظام المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخل المشروع مرحلة جديدة أكثر اندفاعاً، تمثلت في التوغل خارج حدود العام 1974 وإنشاء بؤر استيطانية في القنيطرة وريف دمشق، وصولاً إلى محاولات مأسسة هذا الوجود في حلول العام 2026 من خلال اتفاقيات أمنية وترتيبات تنسيق دولي برعاية أمريكية، جمعت بين حكومة نتنياهو وإدارة أحمد الشرع الانتقالية.
أما حركة "رواد الباشان" نفسها، فقد تأسست رسميا في نيسان 2025 بوصفها تجمعاً منظماً يضم مستوطنين ذوي خبرة طويلة في الضفة الغربية والجولان، وهو ما يمنحها ثقلاً ميدانياً وقدرة أكبر على المناورة داخل أجهزة الدولة الإسرائيلية. ويبرز البروفيسور عاموس عزريا بوصفه العقل المدبر للحركة، إذ يروّج لفكرة أن الباشان جزء أصيل من "أرض إسرائيل"، وأن لحظة سقوط النظام السوري تمثل فرصة ذهبية قد لا تتكرر لفرض واقع ديموغرافي جديد يحول دون عودة السيادة السورية الفعلية على الجنوب، كما ترتبط الحركة بشبكة أوسع من الجماعات الاستيطانية، من بينها "أوري تسافون" التي تدعو إلى الاستيطان في جنوب لبنان، وتستلهم في خطابها وممارساتها إرث الجندي "ييسرائيل سوكول"، بما يؤكد أن الظاهرة تمثل نهضة استيطانية يمينية تسعى إلى توسيع حدود الدولة العبرية في مختلف الاتجاهات.
الديناميكيات الميدانية وفرض سياسة "الأمر الواقع"
شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 اللحظة الفارقة التي نقلت طموحات "رواد الباشان" من حيّز التصور الأيديولوجي إلى مستوى الفعل الميداني، مستفيدين من فراغ سيادي واسع في الجنوب السوري رأت فيه إسرائيل في آنٍ واحد تهديداً أمنياً وفرصة استراتيجية نادرة. وتحت ذريعة منع تسلل الجماعات "الجهادية"، سارعت القوات الإسرائيلية إلى تجاوز خطوط فض الاشتباك المرسومة عام 1974، وبسطت سيطرتها على مساحات شاسعة تجاوزت 600 كيلومتر مربع في سفوح جبل الشيخ وحوض اليرموك ومناطق القنيطرة. هذا التمدد العسكري الرسمي لم يكن مجرد إجراء أمني مؤقت، بل وفّر الغطاء اللوجستي والأمني اللازم لتحركات "رواد الباشان"، في انسجام مع رؤية اليمين الإسرائيلي التي تعتبر الاستيطان المدني الضمانة الوحيدة لتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة دائمية، عبر إنشاء أحزمة بشرية عازلة تفرض على الجيش البقاء الدائم لحمايتها.
وعلى هذا الأساس، انتقلت الحركة إلى مرحلة العمليات الميدانية المباشرة، مستخدمة تكتيكات متعددة شملت تنظيم مسيرات حدودية كبرى، وحشد مئات المستوطنين للضغط على نقاط العبور، إلى جانب محاولات منهجية للتواصل مع السكان المحليين في قرى القنيطرة، بهدف إقناعهم بأن "الاستقرار" بات مشروطا بالتواجد الإسرائيلي. وخلال الفترة الممتدة بين أغسطس ونوفمبر من عام 2025، شهدت المنطقة عمليات توغل نوعية، قامت خلالها عائلات من الحركة بصب الخرسانة ووضع حجر الأساس لمستوطنة أطلقوا عليها اسم "نيفه هباشان" في محيط قريتي بئر العجم وبريجا في ريف القنيطرة. وعلى الرغم من أن هذه التحركات اصطدمت أحياناً بالأوامر العسكرية الرسمية، فإنها التزمت بدقة نموذج "البؤر العشوائية" المعروف في الضفة الغربية، حيث تبدأ المبادرات كتحركات فردية ذات غطاء أيديولوجي واضح، قبل أن تنتهي بالاندماج التدريجي في المخططات الرسمية للدولة.
كما يتوزع جغرافيا هذا التوغل على نقاط شديدة الحساسية من الناحية الاستراتيجية؛ ففي محيط قرية بئر العجم، جرى تدشين بؤرة "نيفه هباشان" التي تحولت فعلياً إلى منطقة سيطرة عسكرية، في حين أُقيمت في السفوح الشرقية لجبل الشيخ نقاط عسكرية متقدمة تطورت تدريجياً إلى بؤر استيطانية مؤقتة، فيما امتد النشاط الاستكشافي للحركة ليشمل حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، عبر تسيير دوريات مدنية واستطلاع الأراضي، إلى جانب تنظيم مسيرات كبرى لاختراق السياج الحدودي المقابل لمستوطنة "ألون هباشان"، في مؤشر واضح على إصرار الحركة على تحويل المنطقة العازلة من خط فصل أمني إلى عمق استيطاني جديد.
مستقبل الخارطة الجيوسياسية
تثير تحركات "رواد الباشان" سؤالاً جوهرياً حول الخط الفاصل بين ما يُقدَّم بوصفه مبادرات أهلية وما يُمارَس فعليًا كسياسات رسمية للدولة. فبينما يُقدم الجيش الإسرائيلي أحياناً على إخلاء بعض المستوطنين، يكشف السياق العام عن علاقة تكاملية واضحة، لا سيما في ظل وجود شخصيات محورية داخل الحكومة مثل الوزيرين سموتريتش وبن غفير، اللذين يعلنان صراحة دعمهما لرؤية "إسرائيل الكبرى" الممتدة إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً. وتوفر تصريحات هؤلاء الوزراء، التي تدعو عملياً إلى محو فكرة الدولة الفلسطينية عبر الأفعال الميدانية وتوزيع خرائط تتجاهل الحدود الدولية، البيئة السياسية والأيديولوجية التي تجعل ناشطي الحركة يشعرون بأنهم لا يعملون خارج الدولة، بل ينفذون إرادتها القومية. ويتقاطع هذا الدعم الحكومي غير المباشر مع استراتيجية أوسع تهدف إلى رفع سقف المطالب الجغرافية، تمهيدا لفرضها بوصفها أمرا واقعا في أي تسوية إقليمية مستقبلية محتملة برعاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وعلى الضفة السورية، وجدت الإدارة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع نفسها أمام معادلة شديدة القسوة؛ فبينما تسعى دمشق إلى انتزاع اعتراف وشرعية دولية، تتعرض سيادتها في الجنوب لانتهاكات متواصلة عبر توغلات متسارعة. وتحت وطأة الضغط الميداني والوساطة الأمريكية، اضطرت حكومة الشرع إلى الدخول في مفاوضات غير مباشرة في باريس خلال يناير 2026، انتهت بإنشاء "آلية دمج مشتركة" لتنسيق المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد. وعلى الرغم من إصرار الخطاب الرسمي السوري على التمسك بالسيادة، فإن هذه الآلية تمثل في جوهرها شرعنة واضحة للأمر الواقع، إذ تجد سوريا نفسها مضطرة للقبول بوجود إسرائيلي "منسق" داخل أراضيها مقابل تعهدات بوقف التوغل، مع فتح مسارات تعاون اقتصادي في مجالات الطاقة والزراعة، قد تحوّل المستوطنات إلى مراكز اقتصادية مرتبطة بالداخل السوري ذاته.
ولا تتوقف تداعيات هذا المشروع عند حدود الصراع التقليدي، بل تتجاوزها إلى تفكيك البنية الجغرافية والسياسية التي كرّستها حدود "سايكس-بيكو"، واستبدالها بتخوم متحركة تحكمها معادلات القوة الديموغرافية والعسكرية، كما ينذر هذا المسار بتكريس شكل من أشكال "الأبارتهايد" الجغرافي في الجنوب السوري، حيث يُدفع السكان المحليون إلى واقع خانق، محاصرين بين مستوطنات تحظى بكامل الخدمات والحماية وبين قرى محرومة من أبسط مقومات الحياة. وهو واقع يحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر دائمة، تقوّض أي إمكانية للاستقرار، وتفتح المجال أمام موجات جديدة من التهجير وصراعات عابرة للحدود.
نهاية، تمثل حركة "رواد الباشان" نموذجاً لاقتناص الفرص في لحظات الانكسار التاريخي؛ فالتوغل في الجنوب السوري ليس مجرد شغب استيطاني، بل محاولة لإعادة هندسة المكان والإنسان لصالح رواية أيديولوجية واحدة، كما يظهر في صب الخرسانة في "بئر العجم". وبدون استعادة الدولة السورية لسيادتها أو ضغط دولي يوقف التغوّل الإسرائيلي، فإن "أرض الباشان" ستنتقل من مصطلح تاريخي إلى واقع جغرافي ملموس، مؤسساً لتحولات جيوسياسية أوسع تمتد تأثيراتها خارج حدود الجنوب السوري.
