لقاء المجلس الكردي بالشرع بمبادرة من دمشق: رسالة إلى "قسد"

خاص - المدنالأربعاء 2026/02/04
Image-1770205654
زيارة المجلس لدمشق بدت كأنها طُلبت من قبل دمشق (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، وفداً رفيع المستوى من المجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS)، برئاسة محمد إسماعيل، وعضوية كل من نعمت داوود، فيصل يوسف، سليمان أوسو وفصلة يوسف، وبحضور مسعود بطال مدير منطقة عفرين.

اللقاء، الذي يُعدّ الوحيد حيث يلتقي فيها رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية بوفد سياسي كردي منظم، كسر عملياً جداراً طويلاً من القطيعة السياسية بين دمشق والمجلس الوطني الكردي، وأعاد وضع المجلس في قلب المشهد السياسي السوري بعد سنوات من التهميش والتعقيد، سواءً بفعل الصراع الداخلي الكردي، أو نتيجة الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الكردي.

وخلال الاجتماع، شدد وفد المجلس الوطني الكردي على ضرورة الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كشريك أصيل في سوريا، وضمان حقوقه القومية والسياسية والثقافية، بما يرسّخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، ويحفظ خصوصية الشعب الكردي ضمن إطار سوريا موحدة، تعددية وديمقراطية. كما تناول اللقاء سبل فتح مسار جاد للحوار السياسي، يضع القضية الكردية في موقعها الصحيح كقضية وطنية عادلة لا يمكن تجاوزها في أي حل سياسي مستقبلي.

من جانبه، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة السورية بضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن إطار الدستور، في خطاب حمل رسائل طمأنة سياسية، وفتح الباب أمام قراءة جديدة لمقاربة دمشق تجاه الملف الكردي، بعد سنوات طويلة من الإنكار أو التعاطي الأمني البحت.

 

المرسوم 13 إلى الاختبار التنفيذي

ورحّب وفد المجلس بالمرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، واعتبره خطوة مفصلية في مسار الاعتراف بالحقوق الثقافية والاجتماعية للأكراد السوريين. وكان الرئيس الشرع قد أصدر المرسوم منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، متضمناً حزمة قرارات غير مسبوقة في تاريخ الدولة السورية الحديثة.

نصّ المرسوم على اعتماد اللغة الكردية كلغة وطنية تُدرّس في المدارس، في تحوّل جوهري عن السياسات اللغوية السابقة، كما ألغى آثار إحصاء الحسكة لعام 1962، أحد أكثر الملفات حساسية وإيلاما في الذاكرة الكردية السورية. وفتح المرسوم باب منح الجنسية السورية لمكتومي القيد من أصول كردية، مؤكداً أن الأكراد مكوّن أصيل من الشعب السوري لا يمكن التعامل معه كحالة طارئة أو هامشية.

كما كرّس المرسوم حماية التنوع الثقافي واللغوي رسمياً، واعتمد عيد "النوروز" عطلة رسمية مدفوعة الأجر، وحظر أي خطاب تمييزي أو تحريضي في الإعلام والمؤسسات التعليمية، مع التأكيد على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، واعتماد التنوع القومي ضمن الهوية الوطنية السورية الجامعة.

غير أن أهمية هذا المرسوم، رغم طابعه التقدمي، تبقى مرهونة بمدى صدقية تطبيقه، لا سيما في ظل غياب التعليمات التنفيذية حتى الآن، ما يجعل الانتقال من النص القانوني إلى الواقع العملي هو التحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع معا.

 

السياسة في قلب العاصفة

لا يمكن قراءة زيارة وفد المجلس الوطني الكردي إلى دمشق بمعزل عن توقيتها. فهي جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تزامناً مع توقيع اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، وبدء تنفيذ بنوده فعلياً، في ظل تصاعد التهديدات العسكرية ضد شمال شرق سوريا مطلع عام 2026.

ففي 6 كانون الثاني الماضي، بدأت هجمات عسكرية استمرت حتى السادس والعشرين من الشهر نفسه، ما فتح الباب أمام تحركات دبلوماسية مكثفة، ووساطات دولية، ولقاءات متعددة بين دمشق و"قسد"، إضافة إلى اجتماعات جمعت 
"قسد" مع قوى كردية إقليمية، مثل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî)، والحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، والاتحاد الوطني الكردستاني (YNK)، والمجلس الوطني الكردي.

وفي موازاة ذلك، شهد الشارع الكردي في الخارج حالة تعبئة سياسية، حيث انتفضت الجاليات الكردية، ووجهت نداءات متكررة لكل القوى السياسية الكردية من أجل توحيد الصف والموقف في مواجهة المخاطر المتصاعدة.

وأتى ذلك بعد مؤتمر عُقد العام الماضي في مدينة القامشلي بعنوان "كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي"، بمشاركة جميع الأحزاب والشخصيات الكردية، بما فيها المجلس الوطني الكردي. وأسفر المؤتمر عن قرار واضح بتشكيل وفد كردي مشترك يتولى التفاوض مع دمشق نيابة عن الأكراد السوريين.

من هنا، جاءت الزيارة المنفردة إلى دمشق لتفجّر سؤالاً مركزياً: لماذا يتحرك المجلس الوطني الكردي بمفرده، في وقت كان يفترض أن يتولى الوفد الكردي الموحد هذه المهمة؟ وهل فرضت التطورات الميدانية والسياسية تجاوز التوافقات السابقة، أم أن الخلافات الكردية – الكردية لا تزال أقوى من منطق الوحدة؟

وقبل لقاء قصر الشعب، كان وفد المجلس قد عقد في 2 شباط/فبراير الجاري، اجتماعاً مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، وهو اللقاء الذي جاء في اليوم نفسه الذي بدأ فيه تنفيذ الاتفاق بين دمشق و"قسد".

وكان عضو هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي سليمان أوسو، قد صرّح سابقا، بأن مكتب وزارة الخارجية طلب عقد هذا اللقاء، ما يشير إلى أن التحرك لم يكن مبادرة منفردة بالكامل من المجلس، بل جاء ضمن مسار اتصالات أوسع تقودها دمشق في إطار إعادة ترتيب علاقاتها مع مختلف الأطراف الكردية.

 

الصمت الإعلامي: خطأ في إدارة اللحظة

رغم أهمية اللقاء، اختار المجلس الوطني الكردي ممارسة ما يمكن تسميته بـ"الصمت الاستراتيجي"، إذ لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي يوضح تفاصيل الاجتماع أو يشرح موقف المجلس من مجرياته ونتائجه.

في المقابل، سارعت الرئاسة السورية إلى نشر بيانها الرسمي، وتكفّل الإعلام  بنقل الرواية كاملة من زاوية واحدة. والأكثر إثارة للانتباه أن الموقع الرسمي للمجلس نفسه اكتفى بنقل خبر اللقاء عن موقع الرئاسة السورية، في مشهد بدا وكأن المجلس كان ضيفاً على الحدث لا طرفاً سياسياً أساسياً فيه.

إعلامياً، لا يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد هفوة تقنية، بل هو تقصير واضح في إدارة لحظة سياسية حساسة، حيث لا يُترك الفراغ إلا ليملأه الآخرون بسردياتهم، وهو ما يحمل رسائل سلبية لجمهور المجلس، ويضعف موقعه التفاوضي والسياسي.

في خلفية المشهد، تبدو دمشق وكأنها تعتمد سياسة توازن مدروسة في تعاملها مع الملف الكردي. فمن جهة، فتحت قنوات تفاوض مع قوات سوريا الديمقراطية، ومن جهة أخرى استقبلت وفد المجلس الوطني الكردي، بالتوازي مع العمل على تشكيل تجمع كردي مقرّب من الحكومة، يضم شخصيات كردية ذات توجه إسلامي أو وطني سوري منسجم مع خطاب السلطة.

وتبرز في هذا السياق، أسماء مثل أسامة مسلم، ابن شقيق القيادي في "قسد" صالح مسلم، وعلي تمي، وفاتن رمضان، وحسن شندي، كجزء من محاولة لخلق تمثيل كردي متنوع، لا يحتكر القرار ولا يربطه بطرف واحد، بما يمنح دمشق هامش مناورة أوسع في إدارة هذا الملف المعقّد.

 

إلى أين يتجه المسار؟

وتضع زيارة المجلس الوطني الكردي إلى دمشق، السياسة الكردية السورية أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، تمثل الزيارة كسرا لحالة الجمود، واعترافا ضمنيا بالمجلس الوطني الكردي كطرف سياسي لا يمكن تجاهله. ومن جهة أخرى، تعيد إلى الواجهة إشكاليات التمثيل، ووحدة الصف، وإدارة الخلافات الداخلية، فضلاً عن اختبار صدقية الدولة في تحويل الوعود الدستورية إلى واقع ملموس.

ولا يمكن اختزال هذه الزيارة في بعدها البروتوكولي أو الإعلامي. فهي محطة سياسية محمّلة بالأسئلة أكثر من الأجوبة، وتكشف أن القضية الكردية عادت إلى قلب النقاش الوطني السوري، ولكن من دون توافق كردي جامع حتى الآن على كيفية إدارتها.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تشكل هذه الزيارة بداية لمسار سياسي جديد يعيد إدماج القضية الكردية في الحل السوري الشامل، أم أنها مجرد حلقة في سلسلة توازنات مؤقتة، ستعيد إنتاج الإشكاليات ذاتها بصيغ مختلفة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث