زيارة أردوغان للرياض: تنسيق إقليمي في توقيت إيراني حساس

خاص - المدنالأربعاء 2026/02/04
Image-1770203602
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

أجمع محللون مختصون بالشأن التركي، على أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية، تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، إذ تتشابك الملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، في حين يتقدم الملف الإيراني بوصفه أحد بؤر التوتر القابلة للانفجار.

وفي ظل تصاعد المخاوف من مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران، تبرز هذه الزيارة باعتبارها محطة محورية لإعادة ترتيب موازين التنسيق الإقليمي، لا سيما بين تركيا والسعودية، كقوتين فاعلتين تسعيان إلى لعب دور مؤثر في احتواء التصعيد وإعادة ضبط معادلة الاستقرار.

 

الملف الإيراني في صدارة الاهتمام

وحسب مراقبين، فإن الملف الإيراني يحضر بقوة على جدول أعمال الزيارة، خصوصاً في ظل تكثيف أنقرة من تحركاتها الدبلوماسية خلال الأسابيع الأخيرة.

وسبق زيارة أردوغان لقاء جمعه بوزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في مدينة إسطنبول، إلى جانب اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله أردوغان استعداد تركيا للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن.

في المقابل، تبذل الرياض جهوداً دبلوماسية هادئة لتجنب مواجهة عسكرية من شأنها زعزعة استقرار المنطقة، ما يفتح المجال أمام تنسيق تركي سعودي يهدف إلى الدفع نحو حل دبلوماسي أكثر واقعية.

 

رسائل سياسية محسوبة

ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة لا يمكن فصله عن التطورات المتسارعة المرتبطة بالملف الإيراني، خصوصاً أنها سبقت جولة محتملة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران كان من المرجح أن تُعقد في تركيا، قبل أن يتم نقلها إلى سلطنة عُمان.

وتبدو الرياض وأنقرة معنيتين بشكل مباشر بنتائج أي مسار تفاوضي أو تصعيدي، لما يحمله من انعكاسات على أمن الخليج وأسواق الطاقة واستقرار المنطقة ككل.

وحول ذلك، يقول الدكتور محمد مظهر شاهين، أستاذ جامعة لوسيل في قطر، والخبير في العلاقات التركية ودول الخليج، في حديث لـ"المدن"، إن "هذه الزيارة لا تندرج في إطار العلاقات الثنائية فحسب، بل تعكس توجهاً نحو الإسهام في صياغة معادلات إقليمية جديدة تقوم على التوازن والاستقرار".

ويضيف شاهين أن "أهمية الزيارة تتمثل في السعي إلى نقل العلاقات التركية-السعودية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وتأسيسها على أسس مؤسسية ودائمة، لا سيما في مجالات الأمن والدفاع والسياسة والاقتصاد، إذ يُنظر إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين بوصفه ركناً أساسياً في دعم الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة".

ويبرز الملف الإيراني كأحد أبرز القضايا المطروحة على جدول الأعمال، حيث إن التعامل مع البرنامج النووي الإيراني وسياسات طهران الإقليمية يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين القوى الإقليمية الفاعلة، وفي هذا السياق، تمتلك كل من تركيا والسعودية قدرة مهمة على الدفع باتجاه مقاربة أكثر توازناً، بما يسهم في إقناع الولايات المتحدة بتبني سياسات أكثر واقعية تقوم على الجمع بين الدبلوماسية والردع، حسب تعبير شاهين.

ويتابع: "كما تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع مساعي السعودية إلى بلورة بنية أمنية إقليمية جديدة تقوم على الشراكة والتوازن، وفي هذا الإطار، يبرز الدور التركي بوصفه عنصراً محورياً لا غنى عنه، نظراً لما تمتلكه أنقرة من قدرات عسكرية، وخبرة في إدارة الأزمات، وحضور فاعل في قضايا المنطقة". 

 

من الوساطة إلى صياغة التوازن

وكان أردوغان قد عرض بشكل واضح استعداد بلاده للاضطلاع بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لتخفيف التوتر وتجنب سيناريو التصعيد العسكري، في حين يرى محللون أن هذا الدور لا ينفصل عن شبكة علاقات أنقرة مع طهران من جهة، ومع واشنطن وحلفائها من جهة أخرى.

ولا يقتصر الدور التركي السعودي على مجرد الوساطة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة المساهمة في صياغة معادلة إقليمية جديدة تقوم على التوازن والاستقرار.

ويرى المحلل السياسي التركي هشام جوناي، في حديث لـ "المدن"، أن "أهمية الزيارة تكمن في إعادة تثبيت مسار التنسيق السياسي والأمني بين قوتين اقليميتين مؤثرتين، بما يحدّ من فراغات التوازن في المنطقة"، معتبراً أن الزيارة تهدف إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية، وبحث ملفات الأمن الإقليمي، والاقتصاد والاستثمار، والطاقة، إضافة إلى قضايا سوريا وغزة والبحر الأحمر، كما تؤسس هذه الزيارة لآلية تشاور مستدامة في مواجهة تطورات إيران، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويمنح الطرفين هامش حركة أوسع في مرحلة دقيق، وفق تعبيره.

 

غزة وسوريا: ملفات لا تغيب

ولم تغِب القضايا الإقليمية الأخرى عن لقاء أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفي مقدمتها العدوان الإسرائيلي على غزة، إذ شدد أردوغان على استمرار دعم تركيا لجهود إعادة الإعمار وضمان السلام الدائم في فلسطين، مع التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة الإنسانية في القطاع.

كما حضر الملف السوري بقوة، مع تأكيد أردوغان أن الحفاظ على وحدة الأراضي السوري يصب في مصلحة المنطقة بأسرها، لافتاً إلى استعداد أنقرة للتعاون مع الرياض في جهود إعادة الإعمار ودعم الاستقرار، بما يفتح الباب أمام مقاربة إقليمية أكثر تنسيقا لمعالجة واحدة من أعقد أزمات المنطقة.

ويقول الخبير التركي في العلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، لـ"المدن"، إن "الزيارة تؤسس لمرحلة تنسيق أعمق في ملفات إقليمية حساسة، أبرزها الأوضاع في اليمن وغزة والسودان وسوريا، إضافة إلى التوتر القائم بين إيران وواشنطن"، مبيناً أن هذه التطورات تمنح الزيارة أهمية مضاعفة، خصوصاً أن السعودية تمثل شريكا محوريا لتركيا في مجالات عدة، بحسب تعبيره.

ويضيف عودة أوغلو أن "الزيارة يمكن قراءتها أيضاً من زاوية سعي تركيا إلى تثبيت موقعها كلاعب إقليمي مركزي في المنطقة"، مؤكداً أن "نجاحها سيُقاس بالنتائج العملية على الأرض خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بخفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، والتطورات في غزة واليمن".

ووسط كل ذلك، يشكل الملف الإيراني بما يحمله من تطورات متسارعة، اختباراً حقيقياً لقدرة تركيا والسعودية على العمل المشترك، ليس فقط كوسطاء بل كقوتين اقليميتين تسعيان إلى بناء نظام أكثر توزاناً واستقراراً، وفتح الباب أمام مقاربة إقليمية أكثر عقلانية في التعامل مع أحد أخطر وأهم ملفات الشرق الأوسط المعاصر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث