كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أن إيران انتهجت هذا الأسبوع سياسة تصعيد دبلوماسي وعسكري متزامن بهدف إرباك الولايات المتحدة وتقويض مسار المفاوضات الجارية، في ظل مساعٍ أميركية لإجبار طهران على التفاوض بشروط أوسع من الملف النووي.
ووفق الصحيفة، تخلت إيران في اللحظة الأخيرة عن اجتماع كان مقرراً عقده في تركيا بمشاركة مسؤولين أميركيين وإقليميين، مفضلة نقل المفاوضات إلى سلطنة عُمان، وحصرها في إطار ثنائي مع واشنطن، يقتصر على البرنامج النووي دون التطرق إلى الصواريخ الباليستية أو دعم الميليشيات الإقليمية.
واعتبرت الصحيفة أن هذا التحرك يأتي في إطار "أسلوب اللعب القاسي" الذي تتبعه طهران في التفاوض، عبر تغيير الشروط والمكان في اللحظات الأخيرة لإبقاء الطرف الآخر في حالة ارتباك.
تصعيد ميداني متزامن
بالتوازي مع المناورة الدبلوماسية، نفذت إيران في اليوم نفسه تحركات عسكرية وُصفت بالاستفزازية، شملت إطلاق طائرة مسيّرة باتجاه حاملة طائرات أميركية، وإرسال زوارق حربية لمضايقة ناقلة نفط ترفع العلم الأميركي في خليج عُمان.
وترى الصحيفة أن هذا التزامن بين الضغط العسكري والتكتيك التفاوضي يعكس رغبة إيرانية واضحة في قلب موازين الضغط، في وقت يعزز فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوجود العسكري في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن هذه الاستراتيجية تمثل تحدياً مباشراً لأسلوب ترامب في إدارة المفاوضات، القائم على إنجاز صفقات سريعة عبر دائرة ضيقة من المقربين.
وقال مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية مايكل وحيد حنا، إن "تصعيد القوة والتهديد باستخدامها لم يخلق مساحة حقيقية للدبلوماسية. يبدو أن المطلوب من إيران هو الاستسلام عملياً"، وأضاف أن المسار الحالي "لا يبشر كثيراً بما سيأتي لاحقاً".
وساطة إقليمية تعثّرت
وبحسب التقرير، دفعت قوى إقليمية، بينها تركيا وقطر ومصر، بقوة لتنظيم اجتماع إسطنبول بهدف فتح نافذة دبلوماسية تمنع اندلاع مواجهة عسكرية، وتناقش مخاوف المنطقة من البرنامج النووي الإيراني والصواريخ ودعم الجماعات المسلحة.
وكان من المقرر أن يشارك في اللقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، إلى جانب مسؤولين إيرانيين وإقليميين.
غير أن مسؤولين إيرانيين بدأوا صباح الثلاثاء في الترويج لرفضهم صيغة الاجتماع ومكانه، مطالبين بنقله إلى عُمان، وإقصاء الأطراف الإقليمية، وحصره في الملف النووي فقط، وهو ما أعاد فتح ملفات اعتُبر أنها حُسمت سابقاً.
تحذيرات أميركية
وعلق وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو على هذا التغيير قائلاً إن الخطوة قد تؤدي إلى تأخير الحل الدبلوماسي، مضيفاً "لست متأكداً من إمكانية التوصل إلى اتفاق مع هؤلاء، لكننا سنحاول. لا ضرر من المحاولة".
كما شدد روبيو لاحقاً على أن أي اتفاق جدي يجب أن يشمل الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة، والبرنامج النووي، وملف حقوق الإنسان.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين غربيين وشرق أوسطيين حاليين وسابقين قولهم إن هذه المناورات تمثل سلوكاً إيرانياً تقليدياً في المفاوضات.
وقال المفاوض الأميركي السابق مع إيران آلان آير: "يتم الاتفاق على أمر ما، ثم يُعاد فتحه في اللحظة الأخيرة. هذا أسلوب معتاد لديهم".
ورغم هذه التطورات، أكد البيت الأبيض تمسكه بالحل الدبلوماسي، فيما قال مسؤولون إقليميون إن هناك اتفاقاً مبدئياً على عقد اجتماع في عُمان يوم الجمعة.
لكن مصادر مشاركة في جهود التهدئة أشارت إلى خفض سقف التوقعات، معتبرة أن الاجتماع قد يقتصر على تبادل أفكار دون نتائج ملموسة، وسط قناعة لدى بعض الوسطاء بأن المواجهة العسكرية باتت شبه حتمية.
ويهدف الوسطاء، وفق الصحيفة، إلى إصدار بيان مشترك يعلن الالتزام بالمسار الدبلوماسي وخفض التصعيد.
مكسب تكتيكي لطهران
وترى "وول ستريت جورنال" أن إيران حققت مكسباً تكتيكياً بنقل المفاوضات إلى عُمان، حيث تقل الضغوط الإقليمية والإعلامية مقارنة بإسطنبول.
وقال الباحث في مركز الدراسات الإيرانية في تركيا أورال توغا: "المنصة المتعددة الأطراف في تركيا كانت عالية المخاطر ومنخفضة العائد بالنسبة لإيران. نقل المكان محاولة استراتيجية لترجيح كفة التفاوض لصالحها".
وأشار التقرير إلى أن تعقيد المشهد يعود أيضاً إلى غموض الأهداف الأميركية، التي تتراوح بين التوصل لاتفاق نووي وصولاً إلى تغيير النظام في طهران.
وأكد مسؤولون مشاركون في الوساطة أن تركيا وقطر ومصر لا تملك تصوراً واضحاً لما يريده الطرفان فعلياً، أو ما إذا كان اتفاق قابل للحياة ممكناً.
وقال آير في هذا السياق: "عدم اليقين الاستراتيجي الأميركي له تأثير مضاعف على قرارات إيران".
خلفية التصعيد
وذكّرت الصحيفة بأن ترامب هدد في وقت سابق بتوجيه ضربات عسكرية دعماً لاحتجاجات اندلعت في إيران قبل أن تقمعها السلطات بعنف أدى إلى مقتل آلاف الأشخاص.
وفي الأسابيع الأخيرة، عبّر ترامب عن رغبته في تجنب الحرب، مقابل إرسال قوة بحرية كبيرة تضم حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة. وقال مسؤول أميركي رفيع إن الإدارة تتعمد الإبقاء على قدر من الغموض الاستراتيجي بشأن نواياها العسكرية.
وترى الصحيفة أن تقليص عدد الأطراف المشاركة في محادثات عُمان سيجعل من الصعب اختبار "سقف التنازلات" الإيرانية.
وقال الدبلوماسي التركي السابق سنان أولغن، إن "وجود تركيا كان سيساعد على معرفة الحد الأقصى لما يمكن أن تقدمه إيران. هذه ميزة التعددية".
وتخلص "وول ستريت جورنال" إلى أن إيران تراهن على كسب الوقت وإعادة تشكيل قواعد التفاوض، مستخدمة مزيجاً من الضغوط العسكرية والمناورات الدبلوماسية، في مواجهة إدارة أميركية تسعى لفرض أجندة أوسع، لكنها تعاني من غموض في الأهداف.
