لم تعد طاقة الرياح مجرّد بديل بيئي أو استجابة ظرفية لتغير المناخ، بل أصبحت عنصراً مركزياً في معادلة الأمن الطاقوي والتنمية الاقتصادية عالمياً. وفي قلب هذا التحوّل، تبرز الصين بوصفها القوة الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل قطاع طاقة الرياح، ليس فقط من حيث السعة المركبة، بل من حيث بناء منظومة متكاملة تربط التكنولوجيا بالصناعة والتمويل والسياسة العامة.
ووفق تقرير خاص نشرته وكالة أنباء "شينخوا" في كانون الثاني/ يناير الماضي، بلغت السعة المركبة لطاقة الرياح في الصين نحو 600 مليون كيلوواط بحلول نهاية عام 2025، لتتصدر العالم للعام الخامس عشر على التوالي. كما استحوذت الصين على 72 في المئة من السوق العالمية لتوربينات الرياح الجديدة، في مؤشر واضح على انتقالها من مرحلة اللحاق بالركب إلى مرحلة قيادة التحول الطاقوي العالمي.
هذا التقدّم لم يكن نتاج وفرة طبيعية استثنائية بقدر ما كان نتيجة خيار استراتيجي طويل الأمد. فمنذ أكثر من عقد، اعتبرت الصين الطاقة المتجددة -وفي مقدمتها طاقة الرياح- جزءاً من أمنها القومي الاقتصادي، وربطتها مباشرة بالتنمية الصناعية، وخفض الكلفة، وتحديث البنية التحتية. ونتيجة لذلك، بات نحو ثلث الكهرباء المستهلكة في البلاد يُنتج اليوم من مصادر طاقة خضراء، ما غيّر بنية الطلب الصناعي والاستهلاك اليومي معاً.
لكن أهمية التجربة الصينية لا تتوقف عند حدودها الوطنية. فمع تحوّل الصين إلى مركز عالمي لتصنيع توربينات الرياح وتطوير تقنياتها، انتقلت طاقة الرياح من كونها حلاً محلياً إلى أداة تأثير عالمي. فقد صدّرت الصين آلاف التوربينات إلى عشرات الدول، وأسهمت صادراتها من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بين عامي 2021 و2025 في خفض الانبعاثات الكربونية عالمياً بنحو 4.1 مليارات طن. وبالتوازي، تعهّدت الشركات الصينية باستثمارات تقارب 200 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة خارج البلاد منذ عام 2022، ما أتاح لدول عديدة، خصوصاً في الجنوب العالمي، القفز فوق مراحل مكلفة من التطور الطاقوي.
في هذا المشهد العالمي، يبرز لبنان كنموذج لدولة تقف عند تقاطع الأزمة والفرصة في آن واحد. فمن جهة، يعاني لبنان من واحدة من أعمق أزمات الكهرباء في العالم، حيث بات غياب الطاقة عاملاً معيقاً للاقتصاد، والخدمات، والاستقرار الاجتماعي. ومن جهة أخرى، تشير دراسات دولية موثوقة إلى امتلاكه إمكانات حقيقية في طاقة الرياح، لا سيما في مناطق عكار، الهرمل، السلسلة الشرقية وأجزاء من الساحل الشمالي.
المفارقة أن الرياح لم تكن يوماً المشكلة. فالعائق الحقيقي كان ولا يزال في غياب الرؤية الاستراتيجية التي تتعامل مع الطاقة المتجددة كخيار سيادي لا كمشروع تجريبي. وهنا بالضبط تكتسب التجربة الصينية قيمتها بالنسبة للبنان: ليس بوصفها نموذجاً يُنسخ حرفياً، بل كمنطق يمكن تكييفه مع الواقع اللبناني.
تُظهر الصين أن التحول إلى طاقة الرياح لا يبدأ من وفرة مالية، بل من قرار سياسي واضح يربط الطاقة بالتنمية. فمن خلال خفض كلفة التكنولوجيا عبر الإنتاج الصناعي الواسع، باتت توربينات الرياح الصينية متاحة لدول ذات قدرات مالية محدودة. كما أن الشراكات الصينية غالباً ما تتجاوز البيع التجاري إلى نقل المعرفة، وبناء القدرات المحلية، وتدريب الكوادر، وهو عنصر بالغ الأهمية لدولة يعاني قطاعها العام من تآكل الخبرات.
إلى جانب ذلك، يفتح اعتماد نماذج لامركزية لإنتاج الكهرباء من الرياح، الباب أمام مقاربة مختلفة في لبنان، تقوم على إشراك البلديات والمجتمعات المحلية في الإنتاج، وتخفيف الضغط عن الشبكة الوطنية، وتحويل الطاقة من عبء مالي إلى مورد تنموي مباشر. وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية في ظل القيود المالية الخانقة، حيث توفّر الشراكات الصينية، في كثير من الحالات، صيغ تمويل أكثر مرونة مقارنة بالنماذج التقليدية المشروطة.
إن جوهر الدرس الصيني يتمثل في أن الطاقة المتجددة ليست مسألة تقنية فحسب، بل مشروع دولة طويل الأمد يتطلب استمرارية في القرار، وتكاملاً بين السياسات الصناعية والطاقوية، وشراكات دولية متوازنة. وفي الحالة اللبنانية، لا ينقص البلد المورد الطبيعي ولا التكنولوجيا ولا التجارب العالمية الملهمة، بل ينقصه القرار الذي يحوّل الأزمة إلى نقطة انطلاق.
وعليه، لم يعد السؤال الحقيقي: هل يستطيع لبنان إنتاج طاقة من الرياح؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يختار أن يحوّل أزمته المزمنة إلى خيار استراتيجي، كما فعلت دول نجحت في تحويل الرياح من عنصر طبيعي عابر إلى رافعة سيادة وتنمية؟
