بدأت قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، بدخول محافظة الحسكة شرق سوريا، بعد التوصل إلى اتفاق نهائي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الجمعة، قبيل انتهاء المهلة الأخيرة بين الطرفين، في حين يكتنف الغموض مصير العديد من الملفات وآليات التطبيق، وسط تباين واضح في تفسير بنود الاتفاق.
وحدة الدولة ومركزية الحكم
وحمل الاتفاق الأخير الذي جرى وسط أجواء تفاوضية معقدة ومتوترة، العديد من البنود المستجدة، أبرزها تكريس وحدة الجغرافيا السورية ومركزية الحكم في دمشق، وهما أبرز نقاط الخلاف بين السلطة السورية و"قسد" منذ بدء المفاوضات.
ونصّ الاتفاق على دخول قوى الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، وعين العرب شمال شرق حلب، إلى جانب تشكيل فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية من تشكيلات "قسد"، فضلاً عن تشكيل لواء "كوباني" خاص بقوات عين العرب ضمن فرقة عسكرية تابعة لمحافظة حلب.
وتضمن أيضاً دمج مؤسسات التنظيم الأمنية والمدنية ضمن منظومة الدولة، وتثبيت الموظفين ضمن هذه المؤسسات، ومعالجة ملف الحقوق المدنية والتعليمية للمجتمع الكردي بموجب المرسوم (13)، وضمان عودة النازحين، بالإضافة إلى دمج المؤسسات المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم داعش، والقوات التي كانت مكلفة بحماية هذه المنشآت ضمن مؤسسات الدولة السورية.
كما تعهدت قيادة "قسد" بموجب الاتفاق على عدم ضم فلول النظام البائد ضمن صفوفها، وتسليم قوائم بأسماء عناصر وضباط الفلول المتواجدين ضمن مناطق سيطرتها، مقابل تسمية "قسد" محافظ الحسكة كضمانة للمشاركة السياسية والتمثيل المحلي، والحفاظ على خصوصية المناطق الكردية.
شهر للتنفيذ
واعتبر الاتفاق الأخير، أكثر تفصيلاً عن سابقيه، إلا أنه أيضاً لم يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذه، وآلية تطبيق الفقرات الخاصة بدمج قوات "قسد" العسكرية، التي دفعت للحديث عن احتفاظ "قسد" بكتلتها العسكرية داخل الجيش السوري.
لكن مصادر حكومية أكدت لـِ "المدن"، أن عملية الدمج ستكون بشكل فردي ضمن الألوية التي ستدرج داخل هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، تحت قيادة ضباط من وزارتي الدفاع والداخلية، لضمان شمولية هذه المؤسسات التي تمنع التشكيلات المبنية على أساس قومي أو عقائدي.
وأوضحت المصادر أن الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ أمس الاثنين، يُطبق على عدة مراحل، ضمن مهلة إنجاز تنتهي بنهاية شهر شباط/فبراير الجاري، ومعها تُنجز عملية إنفاذ بنوده كاملة، على أن يتحمل الطرف المعرقل المسؤولية كاملة.
وتبدأ أولى مراحل التنفيذ، بحسب المصادر، بدخول قوى الأمن الداخلي إلى مركز مدينة الحسكة ومدينة القامشلي، وتسلمها المربعات الأمنية التي كان يشغلها النظام البائد سابقاً، إلى جانب دخول وحدات أمنية إلى مدينة عين العرب (كوباني) وعلى أساسها تنسحب القوات العسكرية من مراكز هذه المدن وخطوط التماس، وتنتهي المظاهر المسلحة.
وتقول المصادر إنه "بالنسبة إلى مناطق المكون الكردي، تبقى وحدات الأسايش التي كانت تتبع لقسد لإدارة هذه المناطق باعتبارها وحدات حفظ أمن داخلي، مع إلغاء مسماها السابق ودمجها ضمن هيكلة الوزارة، بينما تتشارك مع القوات الحكومية في المناطق السكانية المتداخلة بشكل فردي، على أن تفرض قوى الأمن الحكومية وجودها الكامل في بقية المناطق".
وتضيف أنه "بالتوزاي مع عملية الدمج والانتشار الأمني تبدأ عملية الدمج العسكرية، حيث تنضم قسد على أساس فرقة عسكرية مكونة من ثلاثة ألوية، بعد تقديم الأوراق والثبوتيات الشخصية للعناصر ودراستها من قبل وزارة الدفاع بشكل فردي".
ضغط أميركي
والأحد الماضي، زار قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب العقيد محمد عبد الغني، مدينة عين العرب وذلك في إطار التمهيد لتنفيذ الاتفاق، رغم الاعتراضات الداخلية لبعض المكونات المشكلة لـ"قسد"، التي تعتبره تنازلاً عن المطالب الرئيسية واستسلاماً لسلطة دمشق.
وهو ما يعتبره الكاتب والسياسي علي تمي، أمراً طبيعياً، خصوصاً أن "قسد" رضخت للاتفاق بسبب الضغوط الأميركية، وواقع السيطرة العسكرية على الأرض، وانغلاق الأفق والبدائل السياسية التي كانت تستطيع المراوغة خلالها.
ويقول: "هناك ضغط أميركي كبير على قسد للاندماج بالدولة السورية، أو مواجهة الخيار البديل والمتبقي وهو الحرب، حيث وصلت قيادة قسد ومكوناتها إلى قناعة بقرب الإطاحة بها في حال تعنتها ورفضها الاندماج، ولهذا السبب رضخت للواقع والتزمت رغماً عنها".
ومع ذلك يتوقع تمي في حديثه لـ"المدن"، أن يكون هناك مناوشات ومحاولات عرقلة على الأرض ضد الحكومة السورية، خصوصاً في مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، في ظل وجود تيار داخل "قسد" يرفض بنود هذا الاتفاق.
الانتماء عامل حاسم
بدوره يرى الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، أن أنظار الإدارة الأميركية تتجاوز الحدود السورية، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى معالجة البؤر المضطربة قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية محتملة في المنطقة.
ويوضح درويش في حديث لـِ "المدن"، أن الاتفاقات الأربعة الموقَّعة منذ 10 آذار/مارس الماضي حتى اليوم، تؤدي إلى انتقال فعلي في إدارة الدولة من الحقل السياسي إلى منطق الأجهزة الأمنية والتحالفات العسكرية، مع تراجع واضح لدور القرار المدني، وبذلك يتحقق جزء من مصالح الدول المتداخلة عبر السعي إلى إنهاء "قسد" ومشروعها الإقليمي.
ويقول: "يمكن القول إن هذا الاندماج - أياً كانت صيغته- سواء ككتلة عسكرية، وهو خيار مستبعد ومرفوض تركياً وسورياً، أو كأفراد انخرطوا سابقاً في قسد بدافع تحقيق (حلم كردستان سوريا) بوصفه جزءاً من مشروع أوسع، لن يكون سلساً ما لم تسبقه إجراءات جادة لبناء الثقة، وتعزيز الإحساس بالمسؤولية والانتماء إلى جيش الدولة، بوصفه الجهة المنوط بها حماية الحدود والشعب، وعليه، فإن مسار الاندماج يبدو محفوفاً بمطبات عديدة، وقد يصل إلى حدّ الاصطدام المباشر، في ظل وجود قوى كردية ترفض إنهاء سيطرتها المكانية، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية".
