الحرب على إيران: أوزار وأثقال وبوارج

Image-1770057418
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ربما اكتمل الحشد الأميركي لضرب إيران، بأكثر مما تقتضي الضربة، لكن الحرب لم تبدأ بعد، بل إنها قد لا تبدأ أصلاً، فالحشد الأميركي حتى الآن لا يزال أثقل من دواعيه، وأعلى من أهدافه، بل إنه ربما لايستطيع بما يحمل من الأثقال، أن يتحرك بأدواته وبوارجه وصواريخه وقاذفاته. 

مواصفات الحرب على إيران كما يريدها ترامب، هي:

أولاً: أن تحقق أهدافها بمجرد اكتمال الحشد ودون إطلاق نار.

ثانياً: أن تحقق أهدافها بعملية خاطفة وقوة نيران هائلة، وفي زمن وجيز لا يتجاوز بضعة أيام.

ثالثاً: ألا يمتد مسرح العمليات خارج إيران ومحيطها القريب.

 

اشتراطات الحرب على ايران كما يريدها ترامب، قد لا تتحقق، غذا استطاعت ايران تحقيق أمرين هما: إطالة امد الحرب الى ما يتجاوز بضعة أيام، وتوسيع مسرح العمليات ليشمل إسرائيل ومضيق هرمز وبحر العرب والبحرالأحمر.

النفس الطويل هو أمضى أسلحة الحسم في ترسانة إيران، جربته في حربها ضد العراق لثماني سنوات متصلة، حتى أصبح سلاحاً رادعاً، يخشاه خصومها ويحسبون حسابه. لكن إطالة أمد الحرب يتطلب دعماً واضحاً لإيران من حلفائها في روسيا والصين وكوريا الشمالية.

مصلحة الروس والصينيين مؤكدة في رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، وفي إطالة أمدها الزمني وتوسيع مسرح عملياتها باتساع الإقليم.

إطالة أمد الحرب بما يتجاوز سقف الثمانية وعشرين يوماً، التي حددها الدستور الأميركي للحرب دون إذن صريح من الكونغرس، يعيد ترامب إلى الكونغرس الذي قد يقرر إنهاء الحرب وحرمانه من فرصة مواصلتها. امتداد أجل الحرب أو إتساع مسرحها، قد يعني ورطة داخلية أميركية مستحكمة، بفعل تضخم الدين العام الأميركي لمستويات غير مقبولة قد تطيح بمكانة الدولار.

 

الزمن قد يكون حليفاً لإيران إن نجحت في استدراج ترامب الى حرب تتجاوز الثمانية والعشرين يوماً، ما يجبره على العودة إلى الكونغرس الذي يصبح مع الخوض في أوحال الحرب أكثر ميلاً لتحدي الرئيس، لكن مهمة شراء الوقت لدى إيران ستكون باهظة الكلفة في كل الأحوال، فيما تتربص بالنظام قوى المعارضة في الداخل. 

على مدى 45 عاماً، احترف حكام طهران إدارة الأزمات مع العالم، والتعايش مع الصراعات مع الجوار، لكن أعظم مكاسب إيران في أغلب الأحوال، كانت استمرار النظام رغم الهزائم والإنكسارات. 

طبيعة التحدي الذي يواجهه الملالي في هذه الأزمة، قد تكون مختلفة، فالولايات المتحدة التي استثمرت فزاعة الملالي في المتاجرة بأمن منطقة الخليج عند مستوى أعلى عائد، كانت تحرص طول الوقت على إعطاء النظام الإيراني فسحة لالتقاط الأنفاس، لكنها الآن تعلنها وبكل صراحة؛ نريد رأس النظام، أو حتى كل النظام برأسه وبأذرعته!! هذا التحدي الوجودي ينقل العلاقة بين إيران وخصومها في الإقليم وخارجه، إلى خانة صراع من أجل الوجود، تستباح فيه كل الوسائل وبلا سقف في أغلب الأحيان.

 

لا مكان إذن لضربات رمزية أو مسرحية تشتري صمت البعض وتسترضي البعض الآخر، مثل ضربة عين الأسد في ولاية ترامب الاولى، فكلا الطرفين يعرف في الأزمة الحالية أن خسارة المعركة تعني خسارة الحرب، وأن التصعيد في الأزمة الحالية قد يكون-وجوباً- بغير سقف. 

أميركا التي اختارت التصعيد تحت سقف مفتوح في الأزمة الحالية، لديها بالتأكيد، في هذه الأزمة، ما تخشى عليه، وما تحرص على مراكمة رصيدها منه، فهناك طول الوقت هيبة القوة العظمى الوحيدة التي تنفرد حتى الآن بزعامة نظام دولي أحادي القطب منذ انهيار الاتحاد السوفياتي دون طلقة رصاص واحدة. 

هذه الهيبة تتضعضع وتتراجع وتسقط، إذا تلقت أميركا لطمة إيرانية ثقيلة واحدة، كأن ينجح صاروخ إيراني فرط صوتي واحد في تحييد او إخراج حاملة طائرات أميركية واحدة من الحرب بإعطابها أو بإغراقها، فهذا المشهد وحده قد يكون كفيلاً بإنهاءالحرب، ولهذا تتعثر أميركا في هيبتها الفضفاضة، أو في فائض هيبتها، وهي بصدد التصعيد والتهديد، الذي يصلي ترامب وفريقه من أجل أن لا يبلغ مبلغ الحرب الممتدة في الزمن والواسعة من حيث النطاق.

 

أحد أهم مقومات انتصار أميركي واضح ضد ايران في الحرب الوشيكة، هو السرعة الخاطفة في بلوغ الهدف، سواء بالنيل مباشرة من المرشد علي خامنئي وفريقه، أو في إخراج صواريخ إيران مبكراً من مسرح العمليات، أما إن قدمت المضادات الأرضية الايرانية دليلاً كافياً على أن ما جرى في حرب الاثني عشر يوماً، لم يكن سوى عارض لا يقبل التكرار، فإن أجل الحرب سيطول، ودعم الكونغرس للحرب سوف يتآكل.

القيود التي وضعها ترامب على جنرالاته، من أجل توقيع قرار الحرب، تبدو صعبة، والضمانات التي يطلبها منهم، لن تكون في متناول الأيدي، فإطالة أمد الحرب -إن بدأت- سيكون مطلباً حيويا لروسيا، وسيكون هدفاً استراتيجياً للصين، وسيكون شريان حياة لكوريا الشمالية، هؤلاء الحلفاء الثلاثة يدركون الآن أكثر من أي وقت مضى، أن حرب إيران ربما باتت حربهم، وأنهم لا يمكن أن يربحوا حرباً ضد الولايات المتحدة، ما لم تُستنزف أميركا في ايران. 

تطلعات الحلفاء الثلاثة من حرب إيران ضد أميركا، هي ذاتها أهم عناصر استدامة الحرب أو إطالة أمدها بما يكفي لاستنزاف الولايات المتحدة في حرب يريدونها طويلة. أما إن خسرت إيران الحرب في أيامها الأولى، فإن أميركا التي تهزم إيران وتطيح بنظامها، قد تستطيع بالسيطرة على نفط إيران بعدما سيطرت على نفط فنزويلا، أن تنفرد بزعامة النظام الدولي وحدها دون شريك لمئة عام أخرى على الأقل. 

الحشد الأميركي الذي اكتمل قرب إيران، هو أكبر من مجرد ضربة، لكنه يبقى أقل من مجرد حرب، فالأطراف الكبرى التي تحيط بخاصرة الصراع، ما زالت تتطلع إلى نصر بغير حرب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث