بضغط من قوى الأمر الواقع، تعيش بلديات السويداء أزمة غير مسبوقة، يدفع ثمنها السكان الذين باتوا يواجهون أعباءً إضافية نتيجة لفرض ضرائب جديدة إثر تدهور الخدمات الأساسية، خصوصاً خدمة النظافة. وأتى فرض هذه الضرائب، كنتيجة مباشرة للأزمة السياسية والإدارية المتفاقمة بين السويداء والحكومة المركزية في دمشق.
وأعلن رئيس مجلس بلدية القريّا في ريف السويداء الجنوبي نزيه المعاز، السبت الماضي، استقالته مع كافة أعضاء المجلس، بناءً على "رغبة" غرفة العمليات، وهو الفصيل المسلح الذي يتولى الشؤون الأمنية في البلدة. وقال المعاز لـ"المدن"، إنهم في المجلس حاولوا "الوقوف ضد الفساد وإصلاح ما نستطيع إصلاحه ونعالج الأمور بإمكانيات صفرية، ولم نستطِع لأن ما واجهناه أكبر من كل إمكانياتنا".
وتشير مصادر "المدن" في البلدة، إلى أن غرفة العمليات مارست ضغوطاً، وتدخلت في عمل مجلس البلدية الذي يعاني من شحّ في الموارد وعجز عن مواجهة الأزمات الخدمية التي يعاني منها أهالي البلدة، وهذا ما دفع المجلس للاستقالة.
وفي بلدة الكفر، الواقعة في ريف السويداء الجنوبي، فرضت البلدية ضريبة إضافية قدرها خمسة آلاف ليرة سورية على جرة الغاز، وهو مبلغ يضاف إلى الأعباء الاقتصادية المرهقة للسكان. وتهدف هذه الضريبة لمحاولة تأمين الموارد اللازمة لدعم خدمة النظافة التي شهدت تدهوراً كبيراً.
أما في مدينة السويداء، فقد تفاقمت الأزمة إلى درجة أن البلدية اعتذرت عن تقصيرها في جمع القمامة من شوارع المدينة، ما اضطر السكان إلى حرقها في الأماكن العامة، وهو أمر له انعكاسات بيئية وصحية خطيرة.
وفي بلدة الرحا، جنوب السويداء، فرضت البلدية مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية شهرياً على كل منزل لقاء تقديم خدمة النظافة. هذه القرارات تعكس حجم الأزمة التي باتت تعيشها البلديات في المحافظة، والتي أصبحت غير قادرة على توفير أدنى الخدمات الأساسية للسكان.
القطيعة مع دمشق
تعكس أزمة البلديات في جوهرها الصراع السياسي بين القوى المحلية التي تتحكم بالمشهد في السويداء، وبين الحكومة المركزية. ويقول مصدر مطلع في مجلس مدينة السويداء لـ"المدن"، إن حساب البلدية المصرفي يحتوي على مليار وثمانمئة مليون ليرة سورية، لكن الحساب مُجمد في المصرف المركزي في السويداء منذ أحداث تموز/يوليو، بسبب غياب السيولة وعدم قدرة المصرف على توفيرها، نتيجة انقطاع التمويل من دمشق. والأزمة الأخرى تتمثل في انقطاع الرواتب عن عمال النظافة وموظفي المجلس المحلي، وهو ما يزيد من الضغط على الخدمات العامة.
منذ تصاعد الأزمة السياسية في السويداء بعد أحداث تموز/يوليو، فرضت القوى المحلية في السويداء على المؤسسات والبلديات، قطع أي تواصل مع الحكومة المركزية في دمشق. وفرضت اللجنة القانونية العليا التي شكلها الشيخ حكمت الهجري، سياسة الانغلاق على البلديات، مانعة إياها من التواصل مع دمشق، بما في ذلك قطع الطريق أمام أي دعم حكومي. وبذلك، تجد البلديات نفسها في حلقة مفرغة، لا هي قادرة على الحصول على الدعم، ولا هي قادرة على أداء مهامها على الوجه الأكمل.
أزمة الحوكمة
ولا تقتصر مشكلة البلديات في السويداء على النقص في التمويل فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى غياب الحوكمة الفعالة. وتؤكد مصادر "المدن"، أن البلديات في المحافظة تعاني من شلل إداري واضح، إذ لا توجد سلطة تنفيذية فعلية قادرة على فرض القرارات وتطبيقها بسبب غياب القانون. بلدية السويداء على سبيل المثال، غير قادرة على استثمار ممتلكاتها أو الاستفادة منها، بسبب الاستيلاء عليها من قبل مجموعات مسلحة. كما أن اللجنة القانونية العليا، التي يُفترض بها إدارة شؤون المحافظة، لم تُسجل أي إنجاز يُذكر منذ تشكيلها. بل على العكس، اقتصر دورها على مراقبة المؤسسات والبلديات وتوجيهها بعدم التواصل مع دمشق، مما يعكس التوتر الكبير الذي يعيشه المسؤولون المحليون، الذين أصبحوا في مواجهة مع احتياجات المواطنين ومطالبهم.
فيما تستمر الأزمة السياسية في السويداء في التفاقم، لتلقي بظلالها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المحافظة. وقال ثلاثة من رؤساء البلديات في قرى السويداء لـ"المدن"، إنهم يفكرون في تقديم استقالاتهم بسبب عدم قدرتهم على إدارة هذه الأزمة. في المقابل، يعيش السكان تحت وطأة الأزمة، فقد أصبحت أعباء الحياة اليومية ثقيلة للغاية، فالرواتب لا تُصرف بانتظام، وأسعار الوقود والمواد الغذائية في السويداء مرتفعة قياساً بالمحافظات المجاورة، فضلاً عن الشلل في القطاعات التجارية والاقتصادية، لتأتي الضرائب الإضافية على الخدمات المتدهورة آخر حلقات الضغط المعيشي.
ويعكس المشهد العام في شوارع السويداء بوضوح هذه الأزمة. عدد البسطات والعشوائيات يتزايد في شوارع السويداء، في وقت تصبح فيه الخدمات العامة شبه معدومة. أزمة القمامة، التي أصبحت مصدراً للتلوث البيئي والصحي، تعكس صورة حقيقية عن حالة الانهيار التي يعيشها القطاع العام في السويداء، وتزيد من تآكل الثقة بين السكان والسلطات المحلية.
الحكومة تكتفي بالتصريحات
من جانبها، تواصل الحكومة السورية عبر محافظ السويداء مصطفى بكور، إصدار تصريحات تتهم جهات محلية باختطاف القرار في المحافظة. لكن هذه التصريحات، رغم تكرارها، لا تقدم حلولاً عملية للأزمة، خصوصاً في ظل غياب أي محاولات حقيقية لحل الأزمة المالية والإدارية التي تعيشها السويداء.
وأطلق بكور مؤخراً مبادرة أسماها "نحو مستقبل آمن للسويداء"، معتبراً أن المحافظة أمام مفترق طرق مصيري: إما استمرار يزيد الجراح عمقاً، أو مخرج يحفظ ما تبقى ويحمي المستقبل. ودعا المحافظ إلى كسر الاستعصاء السياسي، معلناً عن مبادرة "تسوية شاملة" لتحويل المواجهة من الشارع إلى قاعات القانون، بهدف نزع "أخطر سلاح، وهو فكرة انعدام المخرج".
لكن مبادرة البكور، لم تلقَ أي استجابة تُذكر داخل السويداء. لذا، تمثل أزمة البلديات في السويداء صورة مصغرة عن أزمة سياسية وإدارية أعمق تعيشها المحافظة. الفشل في توفير الخدمات الأساسية، والانقطاع المتزايد عن الدعم الحكومي، والتصعيد السياسي بين القوى المحلية ودمشق، يجعل من الصعب رؤية أي حلول قريبة. مع استمرار هذا الوضع، من المتوقع أن تزداد معاناة سكان السويداء في ظل الانسداد السياسي والاقتصادي الذي يعيشه الجميع، بينما لا يزال الأُفق مغلقاً أمام أي حلول قريبة.
