لم تتوقف الاحتفالات يوماً، خلال السنة الأولى التي مضت على سوريا من دون حكم الأسد. احتفالاتٌ كانت سمتها الرئيسة تكريس فكرة الانتصار على النظام البائد، ومؤيديه، والإعلاء من شأن سلطة الرئيس أحمد الشرع، التي يواظب المحتفلون على العرفان بالجميل لها لأنها خلصتهم منه. وجرى في هذا الوقت، تصنيف السوريين بين منتصرين ومهزومين، مع تعزيز مبدأ الغلبة الذي لا يتوقف أهلُ السلطةِ عن التأكيد عليه، عبر ممارسات بحق من يُصنِّفونَهم مغلوبين. غير أن الشعور الغامر لدى نسبةٍ واسعة من السوريين بالانتصار، لا يلغي حقيقة أنه بات، بعد مرور هذه الفترة، وحصول بعض المستجدات، انتصاراً منقوصاً، لكونه لم ينعكس على أرض الواقع تغييراً في شروط حياة من يعتبرون أنفسهم منتصرين، فما بالك بشروط حياة من صُنِّفوا مهزومين، والذين أصبحوا ضحية تحويل هذا الانتصار إلى قوةٍ قاهرةٍ؟
"سبحان الذي أعزنا وأذلكم"
فمع كل إنجازٍ عسكري أو سياسي، يجري التأكيد على الانتصارات، ويعود موالو السلطة وعناصر قواتها المسلحة، والمتمترسون خلف شاشات مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الاحتفالات من جديد. ولا يفوتهم خلالها تأكيد غلبتهم "الطرف الآخر" من أبناء الشعب، لترتفع لديهم نسبة الشعور بالامتلاء بفائض القوة إلى درجات أكبر، ويعودون لترداد مقولة المنتصر على الضعفاء: "سبحان الذي أعزنا وأذلكم"، انطلاقاً من عقلية الإخضاع السارية منذ سنة وأكثر. وقد تكرر الأمر قبل أيامٍ، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ثم في الرقة ودير الزور، بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من هذه المناطق التي كانت تسيطر عليها، بناءً على توافق مع الأميركيين، وصولاً إلى توقيع الاتفاق الشامل بين حكومة دمشق و"قسد"، والذي ينظم المناطق التي انسحبت منها، ويبت في أمر العناصر الذين كانوا تابعين لها. وفي هذا السياق، نال الأكراد حصتهم من عبارات التحقير والعنصرية، مثلما نال من قبلهم أهالي السويداء والساحل من هجمات وشتائم وتحريض طائفي، وما يزالون، وانتشرت مقاطع مصورة تُبين مظاهر التشفي والانتقام منهم، بعدما سيطر جيش السلطة على مواقعهم في حلب ودير الزور والرقة وغيرها.
من المؤكد أنه لا يمكن نكران ما حققته السلطة من انتصارات وانجازات، تبدأ بإسقاط النظام، ولا تنتهي برفع العقوبات الغربية والأميركية، عبر تعليق العمل بقانون قيصر، إضافة إلى رفع اسم هيئة تحرير الشام، وبعض رموز السلطة الجديدة، من قوائم الإرهاب. وقد رافق ذلك انفتاحٌ دولي على سوريا، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع دول كثيرة، وزيارة الشرع عدداً من أهم عواصم صنع القرار، ولقاء مسؤوليها، علاوة على إبداء شركات وأطراف عربية حماستها للاستثمار في سوريا، عندما تتحقق الشروط المناسبة لذلك. ومن الناحية العسكرية، بسطت السلطة سيطرتها على الجزء الأكبر من مساحة البلاد، وحصرت السلاح بيدها، خصوصاً في المناطق التي كانت تُصنَّف حاضنةَ النظام. ثم اسُتكملت تلك الإنجازات بالإعلان الدستوري، بعد وقف العمل بالدستور السابق، وشرعت بخطوة بقيت ناقصة، للتأسيس للسلطة التشريعية، وأصدرت تعيينات لرفد السلك الدبلوماسي والقنصلي واستكمال هيكلة البعثات الدبلوماسية في بعض العواصم.
سياسة الإقصاء
غير أنه خلال هذه المدة، عملت السلطة، بمن تمثلهم، على تجيير الانتصارات لها، وليس للشعب أو المجتمع، وظهر ذلك عبر حصر التمثيل والتعيينات والتوظيفات والأعمال بيدها. ويحصل ذلك في ظل رفض العمل وفق مبدأ التشاركية، والاستمرار في سياسة الإقصاء، وتغييب العنصر النسائي، واستسهال فصل أعداد ضخمة من الموظفين، وصلت إلى مئات الآلاف، من مواقعهم، من دون أي مبرر إداري أو قانوني. كما أن وقائع كثيرة، وكذلك الخطاب الرسمي والإعلامي والممارسات على الأرض، تشير إلى أن الانتصار الذي كان من المفترض أنه انتصار على النظام، أصبح يتكرس انتصاراً على فئة ليست قليلة من السوريين، خصوصاً أولئك الذين صُنِّفوا مغلوبين ومهزومين، بل ومذلولين، في الساحل والسويداء، والآن في شرق وشمال شرق الفرات. أما الإنجاز الذي جُيِّرَ ليكون انجازاً للسلطة، أو لفئة من مواليها وجنودها الذين شكلوا نواة هيئة تحرير الشام في إدلب، هو في الحقيقة إنجازٌ لكل السوريين، ليس الذين خرجوا على نظام بشار الأسد سنة 2011، فحسب، بل لجميع من عارضوه منذ لحظة توريثه. كذلك هو إنجازٌ لمن عارضوا والده، حافظ الأسد، من يساريين وإسلاميين ومنتسبي جمعيات المجتمع المدني، بأعدادهم الضخمة، منذ لحظة انقلابه على رفاقه سنة 1970، وطيلة فترة حكمه في الثلث الأخير من القرن الماضي، ودخلوا المعتقلات، وجرت تصفية أعداد كبيرة منهم، بسبب مواقفهم.
ومع ذلك فإن هذا الانتصار، وتلك الإنجازات لم تصبح انتصاراً للشعب، لأنها وانطلاقاً من المبدأ الأساس الخاص بأصحاب المصلحة بالتغيير، لم تنعكس على حياة السوريين كافة، بينما من استفاد منها وما يزال يستفيد، هم قلة من الدائرة الضيقة المتحلقة حول رموز السلطة الجديدة، ومقربي زعماء هيئة تحرير الشام، وغيرهم من المحظيين. وإذا ما وضعنا المجازر التي نفذتها الفصائل التابعة للسلطة بحق قسم وازن من السوريين، على شكل انتقام وعقاب لإخضاعهم، حين كان الجميع بانتظار تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، إذا ما وضعنا هذا الأمر جانباً، فإنه حتى جمهور السلطة، أو حاضنتها الجديدة، ما زالت تعاني ما يعانيه بقية السوريين، خصوصاً المصاعب المعيشية، نتيجة عدم إصلاح القطاع الاقتصادي وإدارة المال العام بالشكل الأمثل، ما أدى إلى غلاء المعيشة وتطبيق رفع أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وزيادة تعرفة الاتصالات والكهرباء إلى نسبة فاقت مقدار مداخيل السوريين. ولم تبدأ بمشاريع إعادة الإعمار التي كانت من الأولويات، لإيواء قسمٍ كبيرٍ من أبناء الثورة ومناصريها، والذين ما زالوا في الخيام، نازحين داخل الأراضي السورية، ولاجئين في دول الجوار، ليتحولوا بذلك إلى خاسرين، كما غيرهم. ولا ننسى أن قسماً كبيراً من السوريين يعاني الفوضى الأمنية بسبب غياب القانون، وبسبب عدم حصر السلاح بيد السلطة بشكلٍ تامٍ؛ إذ ما زال منتشراً بين أيادي أبناء العشائر، ونسبة كبيرة من المدنيين الموالين للسلطة، والذي يمنحهم درجة من التفوّق على الآخرين.
كان يمكن للسلطة الاستفادة من تحلُّق جميع السوريين حولها بعد سقوط النظام، وبينهم حتى أولئك الذين كانوا يصنفون موالين للأسد، من أجل الاستفادة من جهد الجميع وآرائهم في البناء. كما كان بالإمكان الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي انتصرت فيها ثورات شعبية، أو خرجت من حروب أهلية، واعتمدت مبدأ العدالة الانتقالية، وتبنَّت عقداً اجتماعياً جديداً للتخلص من تركة الماضي فنجحت بمهماتها، وساد فيها سلامٌ ما زال أهلها ينعمون بميزاته. لكن سلطة دمشق لم تفعل ذلك، أرادت الظهور بمظهر المنتصر وحدها، وحين غلبت فئةً من السوريين، لم تعرف أنها بذلك تغلبهم جميعاً.
