آخر صمام أمان نووي بين واشنطن وموسكو يقترب من الفراغ

شفيق طاهرالاثنين 2026/02/02
sami.jpg
معاهدة ستارك الجديدة تنتهي في5شباط/فبراير 2026 (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تقف معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية، وبنسختها الأحدث ستارت الجديدة  (New START)، عند مفترق حاسم مع اقتراب موعد انتهائها في 5 شباط/فبراير 2026. هذه المعاهدة، الموقعة عام 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، مددت مرة واحدة فقط في شباط/ فبراير 2021 لخمس سنوات، وهو الحد الأقصى الذي يسمح به نصها. 

اليوم، ومع غياب المؤشرات على مفاوضات جدية تفضي إلى بديل، يعود السؤال المركزي إلى الواجهة، هل يؤدي انتهاء مدة ستارت الجديدة إلى السقوط في فراغ قانوني يعيد سباق التسلح إلى الواجهة، أم يتم البحث عن حل؟

 

لماذا تعد ستارت الجديدة مهمة الآن؟

تعد ستارت مهمة، لأنها آخر اتفاق رئيسي يضع قيوداً ملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. وتضع المعاهدة سقفاً لكل طرف عند 1550 رأساً حربياً استراتيجياً منشوراً، و700  وسيلة إيصال منشورة (صواريخ باليستية عابرة للقارات، وصواريخ تطلق من الغواصات، وقاذفات استراتيجية)، إضافة إلى حد إجمالي يصل إلى 800 لمنصات الإطلاق المنشورة وغير المنشورة. 

الأهم من الأرقام هو ما تمنحه من قابلية توقع ولغة مشتركة للشفافية، تقلل مخاطر سوء التقدير، خصوصاً في زمن تحديث الترسانات وعودة التصعيد السياسي والعسكري. 

على الورق، بنيت ستارت الجديدة على نظام تحقق قوي يتضمن تفتيشاً ميدانياً وتبادل بيانات وإخطارات. عملياً، توقفت عمليات التفتيش خلال جائحة كورونا، ثم تعمقت الأزمة بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شباط/فبراير 2023 تعليق مشاركة موسكو، بما قاد إلى تجميد كثير من إجراءات الشفافية. 

وفي تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن تنفيذ المعاهدة لعام 2024 نشر في كانون الثاني/يناير 2025، قالت واشنطن إنها واصلت الالتزام بقيودها، لكنها أشارت إلى أن روسيا انتهكت عدة أحكام في 2024، وأن تعطل تبادل البيانات والتفتيش يقيد قدرة التحقق. 

 

تمديد غير رسمي أم بديل جديد؟

ولأن التمديد الرسمي قد استنفد عام 2021، بات مطروحاً ما يشبه هدنة تقنية، أي التزام طوعي مؤقت بالسقوف بعد 2026. موسكو طرحت فكرة الالتزام بالمعاهدة لعام إضافي، وتقول إنها تنتظر رداً أميركيا، محذرة من فراغ قانوني إذا انتهت المعاهدة دون بديل. 

لكن داخل واشنطن، ينقسم الرأي، فريق يرى أن أي تمديد طوعي يبقي القيود مفيدة ولو من دون تفتيش، وفريق آخر يعتقد أنه يكافئ روسيا على تعطيل آليات التحقق. وقد عبر المجلس الأطلسي وهو مركز أبحاث "ثنك تانك" أميركي، عن موقف صريح يعارض تمديداً طوعياً لعام واحد، معتبراً أنه يمنح موسكو جائزة على الانتهاك ويقيد تعديلات القوة الأميركية، ويرسل إشارة خاطئة إلى بكين. 

في المقابل، يدفع مشرعون أميركيون باتجاه إعادة تثبيت قيمة ضبط التسلح. ففي شباط/فبراير 2025 قدم إدوارد ماركي، وهو سناتور ديمقراطي في مجلس الشيوخ الأميركي، قراراً في مجلس الشيوخ يدعو إلى التمسك بجدوى الاتفاقات والقيود المتفاوض عليها، وإطلاق مسار دبلوماسي قبل حلول 2026. 

 

اللاعب الثالث 

تتجه الأنظار أيضاً إلى الصين. صحيح أن ترسانتها أصغر من ترسانتي واشنطن وموسكو، لكن مسارها تصاعدي سريع. تقديرات وزارة الدفاع الأميركية تشير إلى أن مخزون بكين تجاوز600  رأس نووي عملياتي بحلول 2024، مع توقعات بتجاوز 1000 رأس بحلول 2030. 

هذا النمو يفتح نقاش إطار ثلاثي مستقبلي، لكنه يصطدم بعقبات معروفة، بكين تقول إن أي قيود يجب أن تكون منصفة وتراعي الفوارق الكبيرة في المخزونات، كما أن توسيع نظام التفتيش الثنائي ليصبح ثلاثياً يتطلب هندسة تقنية وثقة سياسية لا يبدو أنها متوفرة حالياً

 

كوريا الشمالية ملف مختلف

أما كوريا الشمالية فتشكل تحدياً من نوع آخر. برنامجها النووي قائم على الغموض ورفض الوصول الدولي، وهو ما يجعل إدخالها في نظام تحقق شبيه بستارت شبه مستحيل في المدى المنظور. ولدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تاريخ طويل من تعثر وانقطاع ترتيبات الضمانات ورفض التعاون الكامل. كما تقدم مبادرة التهديد النووي (NTI) تقديرات تبرز صعوبة القياس الدقيق لحجم القدرات في ظل شح البيانات. 

إذن، تبرز ثلاثة مسارات محتملة لما بعد عام 2026. أولها اعتماد التزام طوعي مؤقت يبقي السقوف قائمة لعام أو أكثر، لكنه يبقى ترتيباً هشّاً ما دامت آليات التفتيش معطلة وما دام يفتقر إلى غطاء قانوني كامل. ثانيها التوصل إلى اتفاق ثنائي جديد يحدث التعاريف والحدود ويعيد إحياء منظومة التحقق، غير أن المناخ السياسي الراهن يجعل هذا المسار بطيئاً ومعقداً. أما المسار الثالث فهو انهيار المعاهدة كليا، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح غير منضبط وزيادة متسارعة في عدد الرؤوس المنشورة، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع مخاطر سوء التقدير والانزلاق نحو التصعيد.

وفي المدى القريب، يبدو الخيار الأكثر واقعية هو صون المعاهدة باعتماد أكبر قدر ممكن من الشفافية ولو عبر ترتيبات انتقالية بالتوازي مع إطلاق مسار تفاوضي أوسع يأخذ في الحسبان صعود القدرات النووية الصينية من دون التعويل على انضمام سريع لبكين. أما ترك المعاهدة تنقضي بلا إطار بديل، فلا يعني انتهاء وثيقة فحسب، بل انهيار لغة الضبط التي حكمت العلاقة النووية بين القوتين الأكبر لعقود.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث