اتفاق غزة: عراقيل إسرائيلية أمام المرحلة الثانية

حلمي موسىالأحد 2026/02/01
Image-1768645331
إسرائيل تعرقل الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

للمرة الأولى منذ العام 2014 لا يوجد في قطاع غزة أسرى أو جثامين إسرائيلية لدى المقاومة الفلسطينية بعد إعادة جثمان الشرطي الإسرائيلي ران غويلي. وكان هذا مبعث افتخار عند رئاسة الحكومة والقيادة العسكرية الإسرائيلية بسبب اكتمال الدائرة وتوفير التبريرات على طريق الاقتراب من إعلان "النصر المطلق". لكن هذا الافتخار لا يرتكز إلى قواعد راسخة خصوصاً أن الحرب لم تقض على حماس ووجودها العسكري والسلطوي في القطاع رغم الضربة القاسية التي تلقتها. كما أن الصورة النهائية لم تتجلى بعد خصوصا وأن المرحلة الثانية لم تبدأ فعلياً بعد. وهي بالتأكيد لا ترتبط فقط بفتح معبر رفح وبالتنافس بين أولويتي نزع سلاح "حماس" الإسرائيلية وإعادة الإعمار الفلسطينية. 

وهنا تتبدى أهمية معرفة ما يجمع وما يفصل بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي تجاه هذه الأولوية من ناحية وتجاه الوجهة لعامة لتطور الأمور من ناحية أخرى. وواضح أن هناك من يرى توافقاً إسرائيلية أميركياً تاماً وأن الخلافات هامشية في مقابل من يرون العكس. والحقيقة أن التوافق والاختلاف الأميركي الإسرائيلي تبادلا المواقع مراراً وفي أكثر من مرة. ولا أدل على ذلك، مثلاً، من قضية تهجير سكان القطاع والتي نالت تأييداً واضحاً من ترامب قبل اضطراره للتراجع عنها في خطة العشرين نقطة. ويمكن القول إن قبول إسرائيل بهذه الخطة كان اضطرارياً وعلى قاعدة أن طريق تنفيذها مزروعة بآلاف الألغام. ومرر رئيس الحكومة الإسرائيلية الخطة داخل حكومته بطرق التفافية وضمن منطق أنها سوف تفشل بالتأكيد ولن تحقق غايتها المعلنة. واعتمد في ذلك أساساً على قناعة أن الفلسطينيين عموما وحماس خصوصا سوف يفجرون الاتفاق وستعود أميركا إلى الصف الإسرائيلي.

غير أن الأمور، حتى الآن، جرت بشكل مخالف للاعتقاد الرسمي الإسرائيلي. فمن جهة التزم الفلسطينيون بخطة ترامب رغم مرارة طعمها وقسوتها ما قاد مراراً إلى امتداح الأميركيين لأداء "حماس" من دون أن يغير  هذا المديح من العداء البادي تجاهها. وربما أوضح تصريح عن ذلك موقف الرئيس أميركي دونالد ترامب الذي أشاد فيه بدور "حماس" والتزامها  بالافراج عن الأسرى وجثامين الإسرائيليين وتشديده على وجوب إنجاز عملية نزع سلاح "حماس". لكن بين السطور، ووفق ما نشر في الصحف الإسرائيلية، كان هناك خلاف مع الأميركيين حول معنى وترتيبات نزع السلاح. وإذا أخذنا في الحسبان حقيقة عدم رضى إسرائيل لا عن تشكيل لجنة الإدارة لوطنية الفلسطينية ولا عن مشاركة تركيا وقطر في مجلس السلام ولا حتى عن ترتيبات إعادة فتح معبر رفح، وبالنظر إلى المماطلة السابقة فإن في انتظارنا الكثير من المعيقات الإسرائيلية.

 

ازدياد الضغط الأميركي

ويتحدث الإعلام الإسرائيلي عن تزايد الضغط الأميركي للانتقال جوهرياً إلى المرحلة الثانية في غزة، في ظل إقرار بوجود فجوة عميقة ومتنامية. ويشيرون إلى ضغط مستشاري الرئيس الأميركي من أجل إعادة إعمار سريعة للقطاع، مقابل إصرار إسرائيلي على أنه من دون تفكيك كامل وحقيقي وغير قابل للتراجع لـ"حماس"، لن تكون هناك إعادة إعمار، حتى في الأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. ووفق المراسلة السياسية لـِ "معاريف" آنا بارسكي، فإن "المستوى السياسي الإسرائيلي يخشى سيناريو "نزع سلاح زائف" يحظى بدعم دولي، والسؤال الذي يُطرح في النقاشات هو: هل سيُكمل ترامب مع نتنياهو حتى النهاية؟"

وتبرز المخاوف الرسمية الإسرائيلية بشكل أساسي في داخل حكومة بنيامين نتنياهو وحتى في المؤسسات الأمنية التي فقدت قسماً كبيراً من استقلاليتها بعد الإقالات والتغييرات العديدة التي أجراها اليمين الحاكم عليها. ويجري الحديث عن أن العلاقات الأميركية العربية وخصوصاً مع السعودية ومصر وقطر صارت تظهر الفجوات مع أميركا التي يتغير فيها الرأي العام في غير مصلحة إسرائيل. ولذلك تحاول إسرائيل مجاراة الخطة الأميركية اضطراراً على أمل عرقلتها في أقرب فرصة. وهذا ما يتبدى من إعلانات ليس فقط وزير المالية بتسلائيل سموتريتش وأمثاله وإنما كذلك من الإعلانات المتكررة عن خطط الجيش الإسرائيلي وإنذاراته لاحتلال قطاع غزة في وقت قريب. كما أن إسرائيل تعرض قرار إعادة فتح معبر رفح ليس بوصفه إشارة إلى بدء مرحلة جديدة بقدر ما هو تعبير رمزي عن التجاوب مع المطالب الأميركية. 

والنقاش الإسرائيلي الأميركي بشأن إعادة الإعمار في غزة يفتقر إلى أي مقومات توافق جوهري. فإسرائيل رغم ربطها بين إعادة الإعمار ونزع سلاح المقاومة لا تريد أصلاً إعادة الإعمار لمصلحة الفلسطينيين وإنما تهجير الفلسطينيين أصلاً. وهي ترى في أن خطة "ريفييرا غزة" كانت تقوم على أساس إفراغ القطاع من سكانه وتوطينهم في دول أخرى وليس  تحويل القطاع إلى كيان مدني مزدهر، حتى من دون هوية وطنية. وتظهر إسرائيل بشكل متزايد امتعاضاً من أقرب مستشاري ترامب إليه وهما: جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذان يضغطان على ترامب لممارسة الضغط على إسرائيل لبدء إعادة الإعمار في المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة الجيش الإسرائيلي، داخل المنطقة منزوعة السلاح. وتصر إسرائيل حالياً على منع إعادة إعمار غزة قبل إتمام عملية نزع سلاح "حماس" وإنهاء وجودها السلطوي في غزة. وهي ترفض الصيغة الأميركية التي تقول بتقبل وجود "حماس" السياسي بعد نزع سلاحها الكامل وتكرر أنها لن تسمح بتكرار تجربة حزب الله في غزة.

وهنا تتبدى أولى علائم الصراع المقبل في القطاع بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية. أميركا تريد إنجاح خطتها في القطاع على أمل أن تغدو أنموذجاً يمكن اتباعه في مناطق ودول أخرى وإسرائيل تريد إفشال جوهر هذه الخطة وبكل ثمن لما تشعر به من تناقض تام مع مصالحها. فقطاع غزة كان ولا يزال في نظر إسرائيل قنبلة ديمغرافية قابلة للانفجار في كل وقت عدا عن أبعاد الأيديولوجية لاستمرار وجود الفلسطينيين فيه. وعدا ذلك فإن استمرار الوجود الفلسطيني في القطاع يضعف التوجه لتقليص الوجود الفلسطيني في الضفة. والأهم أنه يناقض الهدف الجوهري اليميني الإسرائيلي بوجوب حل مشكلة الفلسطينيين خارج فلسطين وليس على أرضها.

نتنياهو واليمين الإسرائيلي يعرفان هذه الوقائع ويرفضان جوهرياً الخضوع للإملاءات الأميركية ويحاولان الالتفاف عليها ضمن إدراك غير مضمون بأنهما يمتلكان أدوات منع تحقيق الرؤية الأميركية إذا لم يقدرا على تعديلها. ووفق الإعلام الإسرائيلي فإن ما يشغل بال النخبة السياسية في إسرائيل هو ما سوف يحدث إذا أصر ترامب ومستشاروه على تنفيذ رؤيتهم رغم الاعتراضات. 

 

على ماذا تراهن إسرائيل؟

وواضح أن إسرائيل الرسمية تراهن حالياً على عراقيل موضوعية إقليمية أو داخلية فلسطينية تنقل الذنب في عدم التقدم نحو انجاز المرحلة الثانية من إسرائيل إلى الفلسطينيين. تعتقد إسرائيل أنه حينها سيتقبل الأميركيون انتقال زمام المبادرة إليها لتنفيذ عملية نزع سلاح "حماس" بالقوة. وسبق للرئيس ترامب أن أعلن مواقف كهذه بشكل متكرر لكن جوهر المسألة يبقى على الطاولة في كل الأحوال. بعد نزع سلاح المقاومة في غزة طوعاً أو كرهاً ما هو مستقبل قطاع غزة؟

تنبغي الإشارة هنا إلى أن خطة ترامب نالت شرعية دولية بقرار من مجلس الأمن الدولي. وبالرغم من أن مجلس السلام العالمي الذي أنشأه ترامب يهدف ضمناً إلى تقويض الإرادة الدولية إلا أنه وحتى حدوث ذلك هناك قيمة للقرار الدولي الذي ترفضه إسرائيل والذي يقر ببقاء الفلسطينيين على أرضهم. ولذلك من غير المستبعد أن تحاول إسرائيل المماطلة في تنفيذ بدء الإعمار في المنطقة الخاضعة لسيطرتها وخصوصاً في رفح وقصر إعادة الإعمار على نماذج تجريبية غير كبيرة ولا تحل تقريباً أي مشكلة من مشاكل الإيواء الهائلة في القطاع. فالمسألة في نظر إسرائيل ليست المقاومة وسلاحها وإنما وجود الفلسطينيين أصلاً على أرضهم.   

ولذلك تبدو الآمال المشاعة بقرب إعادة الإعمار لا تستند إلى أسس قوية خصوصاً أن الحل الدولي كان ولا يزال سياسياً ضمن رؤية حل الدولتين في حين أن الإدارة الأميركية تقصر حلها عند رؤية اقتصادية وتنموية بعيداً عن مستلزمات الوضع. ولا ريب أن الكثير يعتمد على ما سوف يتضح قريباً من اتفاق أو اختلاف بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية في ظل ضعف الرؤية العربية الشاملة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث