إعادة إعمار غزة بين الوعود الدولية وواقع السيطرة الميدانية

المدن - عرب وعالمالأحد 2026/02/01
Image-1767187899
غزة بين الهدنة والانفجار إعمار هش وسلطة مزدوجة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

كشفت قناة "N12" الإسرائيلية، في تقرير تحليلي للكاتب هرئيل حوريف، عن تعقيدات عميقة تحيط بمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، محذّرة من أن مسار إعادة الإعمار قد يتحوّل إلى "فخ سياسي وأمني" يمهد لجولة قتال جديدة.

وبحسب التقرير، من المتوقع أن يتيح افتتاح معبر رفح عودة نحو 50 شخصاً يومياً إلى القطاع، مقابل خروج 150 شخصاً إلى مصر، من دون السماح بمرور البضائع. ويأتي ذلك في ظل انتظار عشرات الآلاف للدخول إلى غزة، بينهم طلاب وعائلات ممزقة وسكان عالقون منذ اندلاع الحرب.

وأشار التقرير إلى أن استطلاعات الرأي تُظهر رغبة مئات الآلاف من سكان القطاع في مغادرته، سواء للعلاج أو للهجرة المؤقتة أو الدائمة، ما يجعل الأرقام المحدودة لعبور المعبر غير كافية لمعالجة الأزمة الإنسانية.

 

تحسّن إنساني هشّ

ومنذ سريان وقف إطلاق النار، شهد الوضع الإنساني تحسّناً نسبياً، مع دخول نحو 24 ألف شاحنة أسبوعياً محملة بالغذاء والدواء، بكميات تفوق الاحتياجات الأساسية، وفق التقرير. كما عادت الأسواق للعمل جزئياً، وبدأت ملامح الحياة اليومية بالظهور مجدداً.

غير أن هذا التحسن، بحسب القناة، يبقى هشّاً، في ظل دمار واسع طال معظم مناطق القطاع، واضطرار الغالبية الساحقة من السكان للعيش في أقل من نصف المساحة الجغرافية لغزة، بينما تسيطر إسرائيل على بقية المناطق.

وأوضح التقرير أن قطاعي التعليم والصحة لا يزالان في مرحلة إعادة التأهيل، وبعيدين عن توفير ظروف معيشية مستقرة، في وقت غادرت فيه نسبة كبيرة من النخبة الاقتصادية خلال الحرب، ما قلّص فرص التعافي الاقتصادي في المدى القريب.

كما أشار إلى أن المشروع الأميركي المسمّى "رفح الخضراء" كنموذج لحياة أفضل، ما يزال بعيداً عن التنفيذ، في ظل ربط المساعدات المالية الضخمة بشروط سياسية وأمنية معقّدة.

 

"حماس" والعقبة المركزية

واعتبر التقرير أن العقبة الأساسية أمام أي تقدم حقيقي في غزة تتمثل في حركة "حماس"، التي ترى نفسها، وفق التحليل، الجهة الوحيدة المؤهلة لقيادة الفلسطينيين، بغض النظر عن حجم الخسائر البشرية والمادية.

وأوضح أن سياسات الحركة تقوم على اعتبار السكان والبنية التحتية أدوات لحماية مقاتليها، ورفض أي تسوية تتضمن نزع السلاح أو التخلي عن نفوذها الفعلي.

وفي قراءة لتجربة الحركة السابقة، ذكر التقرير بأن "حماس" أعادت بناء قوتها بعد الضربات الإسرائيلية عام 2004، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى قوة عسكرية قوامها نحو 20 ألف مقاتل، وتمكنت لاحقاً من السيطرة على القطاع عام 2007.

 

ثلاثة أهداف رئيسية

وحدد التقرير ثلاثة أهداف استراتيجية تسعى "حماس" لتحقيقها في المرحلة المقبلة وهي ضمان بقائها كقوة سياسية واجتماعية داخل النظام الجديد، مستفيدة من تراجع شعبية السلطة الفلسطينية، والسيطرة على عملية إعادة الإعمار والموارد المالية المرتبطة بها، والحفاظ على ذراعها العسكرية، وربط التمويل والسيطرة المالية باستمرار امتلاك السلاح.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى مطالبة الحركة بدمج نحو 10 آلاف من عناصرها في جهاز الشرطة المستقبلي. كما لفت إلى أن "حماس" تعمل بالتوازي على إعادة بناء بنيتها العسكرية وتجنيد عناصر جديدة وتعيين قادة ميدانيين.

 

حكومة التكنوقراط وحدود النفوذ

ورأى التقرير أن سلوك الحركة يؤكد سعيها للاحتفاظ بالسلطة الفعلية خلف حكومة التكنوقراط وآليات الرقابة الدولية. واستشهد بحالة المسؤول الأمني في الحكومة، سامي نسمان، الذي سيضطر للعمل من منطقة رفح غير الخاضعة لسيطرة "حماس"، بعد صدور حكم غيابي بحقه من محكمة تابعة للحركة.

واعتبرت القناة أن هذه الوقائع تعكس إدراكاً عميقاً لدى المسؤولين لطبيعة موازين القوى على الأرض، حيث تبقى "حماس" صاحبة القرار الفعلي.

وتوقع التقرير أن تلجأ الحركة إلى خطوات "مضللة" تكتيكياً، مثل تسليم رمزي لبعض الأسلحة أو تفكيك منشآت محدودة، من دون التخلي فعلياً عن بنيتها العسكرية.

وأكد أن تجربة عام 2007 أظهرت قدرة الحركة على السيطرة باستخدام السلاح الخفيف فقط، ما يجعل تفكيكها في الظروف الحالية أكثر تعقيداً، في ظل غياب قوة فلسطينية منافسة.

كما أشار إلى حصول "حماس" على دعم سياسي من قطر وتركيا، في مساعيهما لإقناع الإدارة الأميركية بقبول الواقع القائم.

 

هل تعود الحرب؟

وفي ختام التحليل، طرحت القناة سؤالاً مركزياً حول احتمال عودة المواجهة العسكرية، معتبرة أن الاحتمال "مرتفع"، بسبب الفجوة الواسعة بين مطالب إسرائيل والولايات المتحدة، وما تستعد "حماس" لتقديمه فعلياً.

وأوضح التقرير أن نزع السلاح وحده لا يكفي، بل يتطلب تفكيكاً كاملاً للبنية التنظيمية والعسكرية والاجتماعية للحركة، من الكتائب إلى شبكات الدعم المدني، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون استقرار طويل الأمد.

ونقل التقرير عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده المتكرر على تجريد "حماس" من سلاحها "طوعاً أو بالقوة"، مشيراً إلى ارتباط ذلك بالموقف الأميركي.

كما ربط التحليل الموقف الأميركي باستراتيجية أوسع تشمل توسيع "اتفاقيات أبراهام"، في إطار مواجهة النفوذ الصيني، وهي رؤية يدعمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق التقرير.

ولفت إلى أن واشنطن منحت "حماس" مهلة محدودة في المرحلة الثانية لنزع سلاحها، بعد تصاعد نبرة التحذير الأميركي عقب زيارة نتنياهو إلى مارالاغو.

 

نتيجة حتمية

وخلص التقرير إلى أن السؤال لم يعد مرتبطاً بإمكانية عودة الحرب، بل بتوقيتها وحدتها، محذراً من أن أي تسوية لا تفكك "حماس" كتنظيم حاكم ومسلح، ستتحول إلى مرحلة انتقالية لإعادة بنائها.

وأكد أن بقاء الحركة مسلحة ومنظمة ومموّلة بعد انتهاء المرحلة الثانية، سيجعل الجولة المقبلة "نتيجة حتمية" لمسار سياسي فاشل، لا استثناءً عنه.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث