الوساطة التركية بين طهران وواشنطن.. لكل طرف حساباته

Image-1769812590
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

حلّ وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، ضيفاً على إسطنبول، في الوقت الذي تُقرع فيه طبول الحرب في تصعيد عسكري أميركي في المنطقة. ولا تبدو هذه الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي، بل استدعاء لدور تركي في إخماد سيناريوهات المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وخلال الأيام القليلة الماضية، وعلى وقع اقتراب حاملات الطائرات الأميركية إلى المنطقة، شهدت قنوات الاتصال بين أنقرة وطهران حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، كان آخره اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والإيراني مسعود بزشكيان، عرض خلالها الرئيس التركي لعب دور الوساطة بين طهران وواشنطن.

وتمتلك تركيا دون غيرها في المنطقة أسباب تدفعها للعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، منها عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والعلاقة الجيدة التي تربط أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتقوم الوساطة التركية اليوم على إرثٍ معقد من العلاقات مع طهران، وهي علاقات لم تكن يوماً تحالفاً مطلقاً ولا عداءً صريحاً، بل اتسمت بـ"الندية التنافسية" الإقليمية التي صقلتها قرون من الجوار الجغرافي. فبينما يتنافس القطبان الإقليميان على نفوذهما في ملفات مثل سوريا والعراق والقوقاز، تفرض "الواقعية السياسية" نفسها كقاعدة ذهبية تحكم تعاملهما، فاستقرار إيران يُعد أولوية أمنية لتركيا، واختلال التوازن هناك يعني ارتدادات كارثية على أنقرة.

 

المقاربة الأميركية

ترى أنقرة أنّ المقاربة الأميركية تجاه إيران لا يمكن أن تُفسّر بالملف النووي فحسب، بل بوجود حسابات جيوسياسية واقتصادية تقف وراءها.

وقراءة التصعيد الأميركي الأخير ضد طهران بذريعة أنشطة تخصيب اليورانيوم وسلامة المتظاهرين، ستكون قراءة منقوصة، وأداة لإضفاء الشرعية على أي تدخل مستقبلي تماماً كذريعة "أسلحة الدمار الشامل في العراقي" عام 2003.

وتعتبر أنقرة المقاربة الأميركية تجاه إيران شبيهة بفنزويلا، وتكمن في امتلاك إيران موارد طبيعية هائلة في مقدمتها الغاز الطبيعي والنفط، والعناصر الأرضية النادرة، والذهب، والحديد، إلى جانب ثقل إيران الجيوسياسي وعلاقتها مع الصين وروسيا.

 

الموقع الاستراتيجي والعقوبات الاقتصادية

تمتد إيران على خط بحر قزوين، ومضيق هرمز، والخليج العربي، ورغم امتلاكها احتياطات هائلة من النفط والغاز إلا أنها لا تستطيع استغلال إمكاناتها الاقتصادية بسبب العقوبات الغربية. وتُعتبر إيران بالنسبة للولايات المتحدة، بوابة على جنوب القوقاز" التي تطمح واشنطن لفرض سيطرتها عليها من خلال "ممر زنغزور" والاتفاقات المبرمة مع أذربيجان وأرمينيا.

وبالنسبة للولايات المتحدة، كانت إيران إبان الحرب الباردة، حائط صدّ أمام التمدد الشيوعي، أما اليوم فباتت تمثل بوابة حدودية استراتيجية لروسيا والصين. وترى إدارة الرئيس ترامب، أن تحرك إيران جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة بمقابل رفع العقوبات عنها، سيكون ذا قيمة كبيرة لواشنطن في مواجهة روسيا والصين.

وأي عملية عسكرية أميركية محتملة ضد إيران لا يمكن مقارنتها بالتدخل في فنزويلا، بالنظر لوجود وكلاء لإيران، وقدراتها العسكرية، وبنيتها التحتية النووية. إلى جانب وقوع القواعد الأميركية في مرمى نيران إيران، وقدرتها على غلق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من تجارة النفط العالمية.

 

المقاربة التركية

في المقابل، فإن توجيه ضربة عسكرية شاملة تتسبب بانهيار النظام الإيراني، سيكون لها ارتدادات عنيفة على أنقرة، فانهيار النظام الإيراني يعني بداية تفكك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وهذه البداية بالنسبة لأنقرة، هي وصفة لحروب أهلية واسعة قد تستمر لسنوات، ستستغلها إسرائيل لتوسيع نفوذها ورسم خرائط جديدة.

والأهم بالنسبة لأنقرة، هو الفراغ الذي سيتبع انهيار النظام الإيراني لتنظيمات مصنفة لديها إرهابية مثل "حزب الحياة الحرة الكردستاني" (PJAK) في إيران، وتشكيله تهديداً أمنياً للأمن القومي التركي. 

انطلاقا من كل هذا، تقدّم أنقرة نفسها كوسيط لتجنيب إيران أي ضربة أميركية، تدفع بتجارتها وأمنها لمخاطر لم تكن بالحسبان، وتكثّف في الوقت نفسه اتصالاتها مع واشنطن ودول الخليج.

 

ماذا تريد أنقرة من طهران؟

تتعامل إدارة ترامب مع المنطقة من منظور التنافس الجيواستراتيجي مع القوى العظمى، وتحديداً روسيا والصين. حيث تسعى واشنطن إلى هندسة واقع إقليمي جديد يهدف بالدرجة الأولى إلى تحجيم النفوذ الروسي-الصيني في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تبرز في الأفق بوادر تباين في الرؤى مع حليفتها إسرائيل في بعض ملامح هذه المقاربة الأميركية الجديدة، التي تقرأها باعتبارها تهديداً محتملاً لمعادلة أمنها القومي، لاسيما على الساحة السورية وتوازنات القوى والمحاور في المنطقة.

في ظل المقاربة الأميركية الجديدة للشرق الأوسط، تسعى أنقرة إلى استثمار هذا التحول لبناء تكتل سياسي وأمني إقليمي، قطعت فيه خطوات متقدمة مع دول الخليج، ولا سيما السعودية، وتعمل في الوقت ذاته على استقطاب إيران للانخراط فيه. هذه الرؤية التركية بدت واضحة في تصريحات وزير الخارجية التركية هاكان فيدان الأخيرة، عندما دعا إيران لإعادة تقييم " كيفية نظر دول المنطقة لإيران". وقال:" رغم اختلاف أيديولوجياتنا وأنظمتنا ومذاهبنا، إلا أنّنا ملزمون بأن نعرف كيف نتعاون ونعمل معا في منطقتنا".

وقال فيدان بوضوح:" بإمكان إيران أن تحتل موقعاً جيداً"، في رده على سؤال حول مكانة إيران في نظام إقليمي جديد تعمل فيه الولايات المتحدة مع الدول المركزية في المنطقة.

 وفي المؤتمر الصحافي مع عراقجي، أشار فيدان إلى أنّ المرحلة الحالية هي مرحلة التعاون، وأن دول العالم تتقارب فيما بينها في تكتلات، قائلاً: "نريد في منطقتنا إقامة نظام دائم يحترم فيه الجميع حدود بعضهم البعض وحقوقهم وأمنهم القومي". 

وأشار الوزير التركي إلى أن العصر الحالي هو عصر الدول الوطنية، قائلاً: "لا نريد التوسّع التركي ولا التوسّع العربي ولا التوسّع الفارسي، وبالطبع لا نريد أن نرى التوسّع الإسرائيلي أيضاً".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث