في الوقت الذي اجتمع فيه بعض أقوى القادة السياسيين في العراق في لقاء خاص نهاية الأسبوع الماضي، لترشيح رئيس الوزراء المقبل رسمياً، قرأ عمار الحكيم، رجل الدين العراقي وأحد أكثر السياسيين نفوذاً في البلاد، رسالة استثنائية قال إنه تلقاها من إدارة ترامب، بحسب أشخاص حضروا الاجتماع.
وأشارت الرسالة إلى أن إدارة ترامب ستعارض اختيار نوري المالكي، المرشح الأوفر حظاً للمنصب، وقالت إنها تنظر إلى ولايته السابقة في هذا المنصب قبل أكثر من عقد من الزمن، "بنظرة سلبية".
أول تدخّل
ومثّلت الرسالة أول خطوة في تدخل الإدارة الأميركية في السياسة الداخلية العراقية، بهدف منع اختيار المالكي، الذي ينظر إليه المسؤولون الأميركيون على نطاق واسع بوصفه قريباً جداً من إيران، الخصم الرئيسي للولايات المتحدة على النفوذ في العراق، كما يرتبط المالكي ارتباطاً وثيقاً بالميليشيات الموالية لإيران التي تمتلك نفوذاً كبيراً في السياسة العراقية.
ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن أحد الحاضرين، أن المالكي بدا "مذهولاً" عندما قُرئت الرسالة في اجتماع قادة "الإطار التنسيقي"، وهو تحالف سياسي يضم فصائل شيعية فاز بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وقال الشخص إن الرسالة كانت "الأولى من نوعها"، وإن بعض المشاركين تساءلوا عن الجهة داخل الحكومة الأميركية التي صدرت عنها، وبحسب شخص آخر مطلع على المراسلات، فقد حمل الرسالة القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس.
وجاء في الرسالة، التي اطلعت عليها صحيفة "واشنطن بوست"، وأكد مضمونها ثلاثة من الحاضرين، تحذير واضح مفاده أن "اختيار رئيس الوزراء المكلّف والمناصب القيادية الأخرى هو قرار سيادي عراقي، وبالمثل ستتخذ الولايات المتحدة قراراتها السيادية بشأن الحكومة المقبلة بما يتوافق مع مصالحها". وأضافت أن الولايات المتحدة تريد أن ترى حكومة عراقية "تُضعف الإرهاب المدعوم من إيران" و"تفكك الميليشيات الإرهابية".
ومضى قادة الإطار التنسيقي قدماً في ترشيح المالكي رغم التحذير الأميركي، مع امتناع عدد من المشاركين عن التصويت، وقال الحاضرون إن المالكي لم يأخذ التحذير الأميركي على محمل الجد.
ترامب يؤكد الرسالة
لكن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تبيّن العكس، ففي يوم الثلاثاء الماضي، صعّد الرئيس دونالد ترامب الضغط بنفسه، ونشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الولايات المتحدة "لن تساعد العراق بعد الآن" إذا عاد المالكي إلى منصب رئيس الوزراء، ووصف ترامب سياسات المالكي وأفكاره بأنها "مجنونة".
ويأتي هذا الضغط الأميركي في وقت تكثّف فيه الولايات المتحدة جهودها للحد من النفوذ الإيراني في العراق، بما في ذلك السعي إلى تقليص تدفقات الأموال القادمة من إيران، كما تدرس إدارة ترامب حالياً تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، في ظل وصول حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى المنطقة هذا الأسبوع، إلى جانب قطع بحرية إضافية.
وسعت كل من الولايات المتحدة وإيران إلى التأثير في تشكيل الحكومات العراقية منذ الإطاحة بصدام حسين، غير أن منشور ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، منح هذا التدخل مستوىً غير مسبوق من العلنية، وأصبح كبار المسؤولين العراقيين الآن أمام خيار صعب: إما القيام بتراجع مهين والتخلي عن المالكي، أو مواجهة غضب إدارة ترامب.
وبدا المالكي، المعروف بطباعه الصلبة، متمسكاً بموقفه يوم الأربعاء، إذ أعلن رفضه "التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق"، وقال إنه سيواصل "العمل حتى نصل إلى النهاية".
ترشيح المالكي مهمة صعبة
ورغم مقاومة المالكي العلنية، قالت فيكتوريا تايلور، نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي السابقة لشؤون العراق وإيران، إنه من الصعب تصور كيف يمكن لقادة التحالف الشيعي المضي قدماً في ترشيحه الآن. وأضافت "لا أستطيع أن أتخيل أنهم سيجازفون بالعواقب الاقتصادية والسياسية الكبيرة لمثل هذا القرار". وتابعت: "سيُعدّ ذلك بمثابة اختيار للجانب الإيراني في نظر هذه الإدارة".
ويبدو أن تأييد إيران لترشيح المالكي قد عزّز الاعتراضات الأميركية، فقد سلّم قائد فيلق القدس الإيراني العميد إسماعيل قآني، في وقت سابق من هذا الشهر، رسالة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تتضمن مباركته لاختيار الإطار التنسيقي للمرشح وذلك خلال زيارة إلى بغداد، بحسب أشخاص مطلعين على هذه المراسلات. وقال هؤلاء إن طهران كانت تعتقد أن القادة السياسيين الشيعة قد توصلوا إلى قرار توافقي بشأن المالكي.
ويقول مسؤولون عراقيون إنهم يخشون الآن من أن تجاهل مطالب واشنطن قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية خطيرة، مثل فرض عقوبات أو تقليص وصول البلاد إلى الدولار. وتُودَع عائدات النفط العراقية مباشرة في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يقوم بدوره بتوزيع الدولارات على بغداد شهرياً لتلبية متطلبات الميزانية.
وقال عزت الشابندر، وهو سياسي عراقي مخضرم مقرّب من التحالف السياسي الشيعي: "القرار بيد المالكي". وأضاف: "إذا اختار الانسحاب من أجل المصلحة الوطنية، فهذا قراره"، أما إذا لم يفعل، فـ"سيكون التعامل مع الأمر صعباً جداً، لكن لا بدّ من التعامل معه".
من جهته، قال عقيل الفتلاوي، المتحدث باسم ائتلاف "دولة القانون" الذي يقوده المالكي، إن هناك أمل في أن يتراجع ترامب عن اعتراضاته، واستشهد الفتلاوي بعلاقة ترامب المتغيرة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كمثال على ذلك.
وأضاف "علاقة المالكي مع الأميركيين قوية، وأعتقد أنهم سيغيرون موقفهم في الفترة المقبلة، وحتى لو لم يفعلوا، سنمضي قدماً، ولن يقبل الشعب العراقي التدخل الخارجي".
غضب أميركي
وقد أشار المسؤولون الأميركيون مراراً إلى أنهم لا يريدون أن تضم الحكومة العراقية الجديدة، أي فصائل من الجماعات التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية، ويشكل هذا تحدياً، إذ يضم "الإطار التنسيقي" الأجنحة البرلمانية للميليشيات الموالية لإيران.
ومن بين القادة الشيعة المكلفين بترشيح رئيس الوزراء المقبل، القيادي قيس الخزعلي، مؤسس وأمين عام عصائب أهل الحق، التي شنت آلاف الهجمات على القوات الأميركية بعد غزو 2003 وما زالت ضمن القائمة السوداء.
وأفاد مسؤولون عراقيون بأن المسؤولين الأميركيين غضبوا في وقت سابق من هذا الشهر عندما تم اختيار عدنان فَيْحان، عضو المجموعة المتورطة في اختطاف وقتل خمسة جنود أميركيين عام 2007، كنائب أول لرئيس البرلمان.
وقد أوضحت رسالة إدارة ترامب موقف واشنطن، مفاده أن حكومة تقوم بتفكيك الميليشيات ولا تضم أي جماعات مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة "ستكون حكومة يمكننا العمل معها لصالح العراقيين والأميركيين على حد سواء".
لكن تايلور قالت إن القادة الشيعة فهموا "بشكل خاطئ مدى شعور الولايات المتحدة" بقوة حيال ترشيح المالكي، كما أشارت الرسالة إلى أن تركيز واشنطن كان على "المصالح وليس الأفراد"، وقد أخذ ظهور المالكي كمرشح رئيسي الكثيرين في الأوساط السياسية العراقية على حين غرة.
ودعم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني المالكي في وقت سابق من هذا الشهر، وهي خطوة اعتبرها المراقبون السياسيون محاولة لتعزيز فرص السوداني في البقاء في المنصب. وقالوا إن الفكرة كانت أنه سيتم حظر المالكي لكونه شخصية مثيرة للجدل، مما يفتح الطريق أمام السوداني، الذي واجه هو نفسه انتقادات داخل كتلته.
