أُُعلن خلال الساعات الماضية عن التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يتضمن حزمة تفاهمات سياسية وأمنية وإدارية، تُعدّ الأوسع منذ بدء التفاوض غير المعلن بين الطرفين، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية على المستويين الداخلي والإقليمي.
الاتفاق ومندرجاته
وبحسب المعطيات المتداولة، ينص الاتفاق على وقف كامل لإطلاق النار على خطوط التماس، مع انسحاب القوات العسكرية من نقاط الاحتكاك المباشر، وفتح المجال أمام دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف “تعزيز الاستقرار” وبدء مرحلة جديدة من إدارة الملف الأمني في المنطقة.
الشق العسكري من الاتفاق يتضمن تشكيل فرقة عسكرية جديدة تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، تُدمج ضمن بنية الجيش السوري، إلى جانب تشكيل لواء خاص بقوات كوباني (عين العرب)، يُلحق بفرقة عسكرية تتبع لمحافظة حلب، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإعادة توزيع القوى ضمن جغرافيا الدولة، مع الحفاظ على خصوصية بعض التشكيلات المحلية.
في الجانب الإداري، ينص الاتفاق على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين العاملين حالياً في تلك المؤسسات، بما يشمل القطاعات الخدمية، التعليمية، والبلدية، تفادياً لفراغ إداري أو انهيار في البنية الوظيفية القائمة.
كما شمل الاتفاق بنداً خاصاً بتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، بما في ذلك الاعتراف ببعض الخصوصيات الثقافية والتعليمية، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية في شمال وشرق سوريا، في إطار ما وُصف بأنه "مسار لإعادة توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون".
وفي ما يتعلق بإدارة محافظة الحسكة، اتُفق على أن تقوم قوات سوريا الديمقراطية باقتراح اسم محافظ الحسكة، في حين تتولى الحكومة السورية تعيين قائد الأمن في المحافظة حيث تم تعيين العميد مروان العلي قائداً للأمن الداخلي، في صيغة تعكس توازناً هشاً بين النفوذ السياسي والإمساك الأمني.
سياق سياسي ضاغط
لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن السياق الأوسع الذي يعيشه الشمال الشرقي السوري. فـ"قسد" تواجه منذ أشهر ضغوطاً متزايدة، تتراوح بين التهديدات الأمنية التركية، والتحولات في الموقف الأميركي، إضافة إلى التوترات الداخلية مع المكوّن العربي، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب مناطق سيطرتها.
في المقابل، تسعى دمشق إلى استثمار اللحظة الإقليمية، في ظل انفتاح عربي متدرّج، ومحاولات إعادة التموضع كدولة مركزية قادرة على بسط نفوذها، ولو تدريجياً، على المناطق الخارجة عن سيطرتها منذ أكثر من عقد.
الاتفاق، بهذا المعنى، لا يبدو وليد تفاهم مفاجئ، بل نتيجة مسار تفاوضي طويل، جرى في معظمه بعيداً عن الأضواء، وتداخلت فيه حسابات روسية، ورسائل أميركية غير مباشرة، ومخاوف مشتركة من سيناريوهات الانفلات الأمني أو التدخل الخارجي.
الدمج العسكري: توحيد أم إعادة تدوير؟
يُعدّ بند الدمج العسكري من أكثر بنود الاتفاق حساسية وتعقيداً. فدمج ثلاثة ألوية من "قسد" ضمن فرقة عسكرية تابعة للجيش السوري، مع الحفاظ على لواء خاص لقوات كوباني، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الدمج: هل هو دمج فعلي في العقيدة والقيادة، أم إعادة تدوير شكلية للقوى القائمة تحت مسميات جديدة؟
التجارب السابقة في سوريا، سواء مع فصائل "التسويات" أو التشكيلات المحلية، تُظهر أن الدمج غالباً ما يكون إدارياً أكثر منه عملياً، مع بقاء الولاءات المحلية والهياكل غير الرسمية فاعلة على الأرض.
غير أن خصوصية "قسد"، كقوة منظمة ذات بنية عسكرية وأمنية متماسكة، تجعل من عملية دمجها تحدياً مختلفاً، يتطلب توافقاً على قواعد الاشتباك، وسلسلة القيادة، والعلاقة مع الأجهزة الأمنية التقليدية للدولة.
إن دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية يمثل، نظرياً، نهاية نموذج الحكم المحلي شبه المستقل الذي تشكّل منذ عام 2014. إلا أن الصيغة المطروحة، القائمة على تثبيت الموظفين المدنيين واستيعاب الهياكل القائمة، تشير إلى محاولة تفادي الصدام، وإدارة الانتقال بأقل قدر من الاضطراب.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بالدمج الإداري، بل بطبيعة الصلاحيات المستقبلية: هل ستُفرغ الإدارة الذاتية من مضمونها السياسي، أم ستُعاد صياغتها ضمن نموذج لامركزي محدود الصلاحيات؟ حتى الآن، لا يقدم الاتفاق إجابات واضحة، بل يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة.
الحقوق الكردية: بند ضبابي بحسابات دقيقة
إدراج بند "تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي" يحمل دلالات سياسية تتجاوز الصياغة العامة. فمن جهة، يمثل اعترافا ضمنيا بوجود قضية كردية داخل الدولة السورية، ومن جهة أخرى، يبقى هذا الاعتراف محكوما بسقف الدولة المركزية.
التجربة السورية السابقة مع هذا الملف تدفع إلى الحذر، إذ غالباً ما تُترك مثل هذه البنود دون آليات تنفيذ واضحة، ما يجعلها عرضة للتأجيل أو التأويل. ومع ذلك، فإن إدراجها في اتفاق رسمي يُعدّ سابقة يمكن البناء عليها، إذا ما توفرت الإرادة السياسية.
أما الصيغة الخاصة بمحافظة الحسكة، حيث تقترح "قسد" اسم المحافظ، بينما تعيّن الحكومة قائد الأمن، تعكس محاولة لتقاسم النفوذ من دون تقاسمه فعليا. فالمحافظ، في السياق السوري، يمتلك صلاحيات إدارية محدودة، في حين يبقى القرار الأمني هو المحدد الفعلي لموازين القوة.
هذا الترتيب قد يضمن هدوءا مؤقتا، لكنه يحمل في طياته بذور توتر مستقبلي، في حال اصطدمت القرارات الإدارية باعتبارات أمنية أو سياسية مركزية.
يقدّم الاتفاق نفسه كخطوة نحو "توحيد الأراضي السورية"، غير أن نجاحه يبقى مرهوناً بآليات التنفيذ، وجدولها الزمني، وضمانات استمرارها. فالتجربة السورية حافلة باتفاقات وُقعت ولم تُنفذ، أو نُفذت بشكل انتقائي.
لا يمكن اعتبار هذا الاتفاق نهاية للصراع في الشمال الشرقي، بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة جديدة، أقل صخباً عسكرياً، وأكثر تعقيداً سياسياً وإدارياً. مرحلة ستختبر قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الورقية إلى وقائع مستقرة، في بلد لم يعرف الاستقرار منذ أكثر من عقد.
