اختتمت مساء الاثنين، في العاصمة القطرية الدوحة، الدورة الرابعة من المنتدى السنوي لفلسطين، التي عقدت على مدى ثلاثة أيام بمشاركة واسعة لـ 300 باحث وأكاديمي وناشط سياسي من فلسطينيين وعرب وأجانب.
شملت أعمال المؤتمر 26 محاضرة وندوة وورشة عمل علمية متخصصة في جوانب وأبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية واستراتيجية متعلقة بالقضية الفلسطينية.
أربعة أبعاد
مقاربة المنتدى السنوي لفلسطين تتم في أربعة أبعاد أساسية، البعد الأول هو تحوّل المنتدى إلى واحدة من المنصات البارزة المتخصصة بالقضية الفلسطينية، إن لم تكن أبرزها على الإطلاق، والتراكمية والعمل البنّاء الدؤوب المتعلق بالقضية، والفرادة والاستثنائية في خلق مساحة معرفية تفاعلية بين الأكاديميين والباحثين والناشطين السياسيين، خصوصاً الشباب منهم كي لا تبقى الأبحاث والدراسات في البعد الأكاديمي المجرد على أهميته، والأهم هي محاضرة رئيس المركز العربي المفكر د. عزمي بشارة، والتي جاءت هذا العام تحت عنوان المشروع الوطني الفلسطيني في السياق العربي الدولي الراهن.
ويسعى منتدى فلسطين السنوي الذي يعقد للمرة الرابعة بتعاون بين المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، إلى خلق إطار معرفي ومساحة تفاعل بين الباحثين والناشطين، على قاعدة التعاطي مع القضية الفلسطينية كوحدة متكاملة لا مجموعة قضايا وملفات منفصلة، مع ضخّ دماء شابة جديدة في مجال الدراسات والأبحاث المتعلقة بالقضية، وتكريس مركزيتها إقليمياً وعالمياً، وخلق تعاون مستدام بين المعنيين والمهتمين يغطي أربع جهات الأرض، مع التذكير بعقد المنتدى هذا العام بالتزامن مع حرب الإبادة بغزة، ودراستها في أبعادها المختلفة دون تجاهل جوهر المشروع الاستعماري في فلسطين، باعتبار حرب الإبادة والتهجير والتدمير واحدة من تجلياته ومفاعيله على الأرض في غزة كما الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية.
بتفصيل أكثر، هذه هي الدورة الرابعة لمنتدى فلسطين السنوي، ما يعني تجسيد العمل التراكمي والبنّاء في الإطار المعرفي المهم جداً للقضية الفلسطينية، كقاعدة أساسية لا يمكن بغيابها مواصلة النضال والمواجهة مع المشروع الاستعماري في فلسطين كما حشد الأنصار والداعمين للقضية الفلسطينية حول العالم.
درة التاج
إلى ذلك يتمثل البعد الثاني في المشاركة الواسعة من الباحثين والأكاديميين والناشطين والمؤثرين السياسيين لخلق مساحة تفاعل بين الباحثين والتطورات الميدانية على الأرض، كي لا تبقى أبحاثهم ودراساتهم في الإطار النظري فقط، وإنما تأتي مرتبطة تماماً بالواقع وغير منفصلة عنه.
أما البعد الثالث، فيكمن في المشاركة الواسعة واللافتة لجيل جديد من الباحثين والأكاديميين والناشطين الشباب لخلق جسور تواصل مع الباحثين والناشطين الأوائل، والاستفادة من قدراتهم ورؤاهم وخبراتهم، وربما مساعدتهم على الانخراط بالواقع كي لا تبقى أبحاثهم ودراساتهم في الإطار النظري البحت، على أهميته، ما يعني أن دراستهم ستكون متفاعلة ومتصلة مباشرة بالواقع السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية في أبعادها وجوانبها المختلفة.
كما العادة أيضاً تمثلث درة التاج في المنتدى ولا تزال بمحاضرة مدير عام المركز العربي المفكر د. عزمي بشارة والتي جاءت هذا العام تحت عنوان "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن"، وقدّم فيها د. عزمي مراجعة وقراءة نقدية معمقة للمشروع الوطني بظل طوفان الأقصى وحرب الإبادة بغزة، مع استعراض موسع لمحطات المشروع وصولاً إلى خلاصة استراتيجية معمّقة، مفادها تحوّل الاحتلال والاستعمار الصهيوني في فلسطين إلى نظام فصل عنصري موصوف ضد الفلسطينيين لابد من النضال ضده باعتبار ذلك شرط ضروري ولازم من أجل التحرر الوطني.
المشروع الوطني الفلسطيني
استعرض د عزمي، وبشكل نقدي، مراحل المشروع الوطني الفلسطيني، من تأسيس منظمة التحرير باعتبارها تأكيداً على الكيانية الفلسطينية الواحدة، إلى الكفاح المسلح باعتباره جوهر المشروع الوطني وبرنامجه السياسي، وصولاً إلى انتهاء المرحلة كلها إثر التطورات الفلسطينية والعربية والدولية العاصفة، وظهور معاهدة الحرب مقابل السلام بعد حرب 1973، ومعاهدة كامب ديفيد عام 1979، واجتياح بيروت وخروج المنظمة منها عام 1982، وإعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ثم اتفاق أوسلو عام 1993 وتأسيس السلطة الفلسطينية في العام 1994، التي طوت المنظمة تحتها، ثم كان الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني عام 2007 بين فتح وحماس، ومشروعي أوسلو ودولة 1967 وفلسطين كلها باعتبارها أرض وقف إسلامي الذى كان بمثابة إعلان رسمي عن تفكك المشروع الوطني برمته، ومثّل من جهة أخرى سبب رئيسي لتهميش القضية الفلسطينية وتراجعها دولياً، وتسهيل الطريق أمام إسرائيل للاستيطان في الضفة وشن الحروب الجولات القتالية على قطاع غزة.
عرض د. عزمي بإسهاب لعملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي بدعم أميركي وتواطؤ دولي عاصف، ما حول الحدث إلى زلزال وافتتح مرحلة جديدة في فلسطين والمنطقة والنظام الدولي، بعدما شنت إسرائيل حرب إبادة شاملة على قطاع غزة بهدف تهجير الفلسطينيين وفرض تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي جذري، وتحويل غزة إلى جيب سكاني منزوع الكيانية الوطنية.
في تشخيص دقيق للواقع وتحديد سبيل العلاج، خلص المفكر العربي د عزمي بشارة إلى تأسيس الاحتلال نظام فصل عنصري موصوف في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تفشي الجريمة المنظمة -بتساهل وغض طرف الدولة العبرية- على نطاق واسع بالأراضي المحتلة عام 1948، وبالتالي ضرورة مواجهة الاحتلال نفسه عبر مواجهة نظام الفصل العنصري، بخطاب ديمقراطي يفهمه العالم الذي لا ولن يتقبّل نظام كهذا في القرن الواحد والعشرين.
وفي الخلاصة النهائية اعتبر المفكر العربي إن الحديث عن حل الدولتين بات ضريبة كلامية حيث لا مشروع راهن يقود نحو الدولتين أو حتى الدولة الواحدة، بينما التحرر الوطني الفلسطيني اليوم يعني إسقاط نظام الفصل العنصري، وهذا التحرر قد يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة أو نظام ديموقراطي قائم على المواطنة في فلسطين التاريخية.
بالعموم أكد المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة ما كنا قد شهدناه وعرفناه منذ تأسيسه، حيث يبدو أكثر من مجرد لقاء بحثي وأكاديمي على أهمية ذلك، وإنما قاعدة معرفية عميقة وإطار واسع للتفاعل بين الباحثين والأكاديميين والمؤثرين السياسيين، خصوصاً الشباب منهم، وصولاً إلى تكريس القضية الفلسطينية كقضية مركزية للمنطقة والعالم، مع عمل تراكمي دؤوب وفق رؤية استراتيجية راسخة على طريق التحرير الوطني الفلسطيني.
