تعود موسكو إلى الشرق الأوسط من البوابات الواسعة، بعد أن انكفأت نسبياً طيلة العام المُنصرم. ورغبتها في الإبقاء على صداقاتها القديمة تجددت خلال الأيام الماضية، وهي استقبلت الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، بينما دبلوماسيتها تلعب دوراً واضحاً في تخفيف حدة الاحتقان القائمة، وتتوسط بين ايران وإسرائيل للحؤول دون وقوع الانفجار العسكري الكبير، وهي تستثمر علاقاتها غير المتوترة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهذه الغاية.
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الى روسيا في 28 يناير/كانون الثاني الجاري؛ كانت حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، لأنها جاءت بعد تطورات أمنية وسياسية كبيرة حصلت على الساحة السورية، وكونها الثانية للشرع خلال أقل من 4 أشهر.
الرئيس فلاديمير بوتين استقبل الشرع ومعه وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في الكرملين، وهو محاط بوزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، ووزير المالية أنطون سيلواتوف، ورئيس إدارة الأركان الأميرال إيغور كوستيوكوف. وتقصَّد بوتين الحديث أمام الصحافيين، عن دعمه لخطوات الحكومة السورية الأخيرة باتجاه تعزيز وحدة البلاد، وقد أشاد بأداء الشرع الذي دفع التعاون الى منسوب مرتفع بين موسكو ودمشق، قائلاً: "لولا تعاون الرئيس الشرع لما تمكنّا من تحقيق مثل هذا التقدُّم"، وفي هذا الموقف إشارة واضحة على ارتياحه لسير العلاقات بين البلدين.
في المُعطيات المتوافرة من أكثر من مصدر متابع لما جرى؛ تأكيد على أهمية الزيارة، وما سبقها، كما ما نتج عنها. ومن بين هذه المعطيات، أن روسيا ساعدت الحكومة السورية على النجاح في الخطوات التي اتخذتها شمال شرق البلاد، وهي سحبت قواتها من محيط مطار القامشلي بطلب من سوريا، ولم تُقدِّم أية مساعدة للمناهضين للقوات الحكومية، كما أنها شجَّعت اصدقائها من الأكراد على الولوج في مسيرة الحوار والتفاهم مع دمشق، ويبدو أن الأميركيين كانوا على معرفة بهذه الخطوات، أو أنها مُنسَّقة معهم (كما أفاد هؤلاء المتابعون).
وفي المعلومات التي تسرَّبت عن نتائج اللقاءات التي حصلت في موسكو؛ أن القيادة الروسية أبدت الاستعداد للمساعدة في حلّ بعض المعضلات التي تؤرِق دمشق في الجنوب السوري، سواءً منها الناتجة عن تمادي العدوان الإسرائيلي على الأراضي المجاورة في الجولان وفي القنيطرة، أو فيما يتعلَّق بأزمة محافظة السويداء، حيث يطالب بعض الناشطين من الموحدين الدروز بالانفصال وإقامة كيان خاص مستقل عن الحكومة المركزية. ولروسيا خطوط مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية، كما لها صداقات قديمة مع الدروز، وهي وقفت الى جانبهم في أكثر من محنة أيام حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، لا سيما عندما اختطفت داعش 250 منهم في آب/أغسطس 2018، ولاحقاً منعت جيش الأسد والميليشيات الايرانية من مهاجمتهم في العام 2023.
في الأجواء الباردة، تبعث موسكو الحرارة الدافئة في أكثر من مسار عربي وشرق أوسطي، وهي كانت صاحبة تأثير دائم على ملفات المنطقة، سواءً من خلال مؤسسات هيئة الأمم المتحدة، ولاسيما مجلس الأمن، أو من خلال صداقاتها مع غالبية الدول العربية والمحيط، ولها حضور عسكري على الساحة السورية، وهي كانت وما زالت صديقة للفلسطينيين، وتتعاون مع الدول النفطية بوتيرة متقدمة في سياق منظمة الدول المُصدِّرة للنفط "أوبك بلاس". وانطلاقاً من هذه المُقومات، يمكن لموسكو أن تلعب دوراً فاعلاً لتسوية النزاعات القائمة، بالتعاون مع القوى الفاعلة، خصوصاً لكونها على علاقة مقبولة مع واشنطن خلال هذه الفترة.
ملفات زيارة الرئيس الشرع الى موسكو؛ تضمنت بحثاً متقدماً حول مستقبل الاتفاقيات الموقعة بين روسيا وسوريا، لا سيما منها اتفاقية إقامة قاعدة عسكرية جوية في مطار حميميم في اللاذقية، واتفاقية إقامة قاعد بحرية في ميناء طرطوس، ولا يوجد أي خلاف حول استمرار القاعدتين، بينما التفاهمات التي تشمل تحديث وصيانة سلاح الجيش السوري ومسألة الديون السيادية الروسية؛ تحتاج الى حوار ونقاش وتسويات، وتحقيق العدالة الانتقالية في هذا السياق، يتطلب جرأة متقدمة من الفريقين، لأن طرح مسألة الديون الروسية يقابلها طرح موضوع الأضرار التي حصلت أثناء حرب شاركت فيها روسيا، لكن كل ذلك لا يُفسِد في الودّ قضية، والجهتان حريصتان على تعزيز تعاون مستقبلي يتجاوزان فيه حساسيات المرحلة التي سبقت سقوط الأسد، انطلاقاً من قناعة راسخة لديهما، بأن مصلحة الدولة العليا أهم من التفاصيل الصغيرة، ولا سيما منها التي تتعلَّق بالمجموعات والأفراد.
روسيا أكدت للشرع أنها مع وحدة سوريا، وهي لن تُقدِم على أي عمل يؤثر على هذه الوحدة، أو يسبِّب زعزعة للاستقرار. والإدارة السورية الجديدة أبدت مرونة كبيرة واستعداداً للتعاون مع موسكو، وهي تعرف أن لديها مصالح اقتصادية وأمنية وعسكرية ونفطية كبيرة معها.
