في آذار/مارس 2019، صرّح محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيرانية آنذاك، بأن منطقة الشرق الأوسط لا تحتاج إلى "بلدان قوية" أو "رجال أقوياء"، بل إلى تعاون بين جميع أطرافها ضمن استراتيجية إقليمية سمّاها "منطقة أقوى". وفي سياق دفاعه عن هذه الرؤية، قال: "نحن نرى أن أمن السعودية مرتبط ارتباطاً شديداً بأمننا، وعلى السعودية أن تقتنع أيضاً بأن أمن إيران يعني أمن المملكة".
لا تأتي استعادة هذا التصريح اليوم من باب التذكير بموقف دبلوماسي عابر، بل لأن ما يشهده العالم حالياً -لا الإقليم وحده- أعاد سؤال الأمن إلى صدارة التفكير لدى مختلف الفاعلين الدوليين. ففي ظل تآكل الضمانات التقليدية، وتصدّع التحالفات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومع اهتزاز الثقة بالمركز الأميركي خلال السنة الأخيرة، لم تعد مقاربات الأمن تُختبر بمعيار النوايا، بل بقدرتها على ملء فراغ يتسع في بنية النظام الدولي "الترامبي" الجديد، إن جاز التعبير.
وليس أدلّ على ذلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً في منتدى دافوس، حين وصف السلوك الأميركي المتصاعد بأنه نهجٌ "استعماري"، مؤكداً أن أوروبا تمتلك أدوات يجب أن تستخدمها عندما لا يُحترم موقعها ومصالحها. وهي تصريحات لا يمكن فصلها عن كونه كان من أوائل من حذّروا، منذ العام 2017، من "الموت السريري" لأوروبا إذا استمر اعتمادها الأمني والسياسي على المظلّة الأميركية بالشكل القائم. يضاف إلى ذلك ما صدر عن رئيس الوزراء الكندي، في سياقٍ متقارب، بما يعكس اتساع دائرة القلق داخل الفضاء الغربي نفسه من تحوّل الولايات المتحدة من ضامنٍ للنظام إلى عنصر إكراه داخله.
وفي هذا السياق، لا تبدو الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي كان قد أقرّ في العام 2023، ما يُعرف بـ"أداة مكافحة الإكراه" - التي صُممت أساساً لمواجهة الضغوط الصينية - تفصيلاً ثانوياً، إذ تنصّ الأداة على تفعيل حزمة واسعة من الإجراءات العقابية في حال تعرّض الاتحاد للإكراه الاقتصادي أو السياسي. غير أن اللافت اليوم، ولا سيما بعد ملف غرينلاند، هو أن كفّة تطبيق هذه الأداة بدأت تنتقل، رمزياً على الأقل، من الصين إلى الولايات المتحدة نفسها، في مؤشر بالغ الدلالة على عمق التحوّل الجاري داخل بنية التحالفات الغربية.
لقد كشفت تجربة الناتو مع إدارة ترامب حدود الاعتماد على مركز واحد متقلّب، حتى بالنسبة لأقرب الحلفاء. تصدّعت الثقة داخل التحالف الغربي نفسه، وتحوّل السؤال من قوة الضمانة الأميركية إلى مدى استمراريتها. هذا التصدّع لوحظ أميركياً، ولم يبقَ حبيس الساحة الأوروبية، بل انعكس مباشرة على الشرق الأوسط، حيث بدأت دول الخليج تدرك أن أمنها لم يعد مضموناً على نحو آلي، وأن الاعتماد المطلق على حماية خارجية قد يتحوّل، في لحظة ما، إلى مصدر قلق لا إلى عامل طمأنينة.
في المقابل، جاء تصريح بنيامين نتنياهو الأخير عن السعي إلى هيمنة أمنية من النهر إلى البحر، وأننا "سنركّع الجميع" كما قال في مؤتمر حول معاداة السامية، ليكشف عن نموذج أمني نقيض تماماً. بل هو قال أيضاً في سياق تعليقه على التقارب السعودي- التركي، إن من يرغب بالسلام والتطبيع ينبغي "ألا يتقارب مع قوى وأيديولوجيات راديكالية". هنا، يظهر حديثه عن فرض السيطرة بوصفها الشكل الوحيد الممكن للاستقرار. خطابٌ لا يعكس فائض ثقة بقدر ما يعكس قلقاً من بيئة متبدّلة لم تعد جاهزة لتوفير مظلة واضحة له، ما يدفع بإسرائيل إلى تبنّي منطق الهيمنة المباشرة بدل الاتكاء على نظام تحالفات مستقر.
ضمن هذا المشهد، يبرز السؤال عن الخيار الأميركي: هل تضرب واشنطن إيران أم تكتفي بإدارة التهديد؟ فالمعضلة لا تكمن في القدرة العسكرية، بل في الغموض الذي يلفّ "اليوم التالي" لأي ضربة. هل ستؤدي الحرب إلى كبح النفوذ الإيراني أم إلى إعادة إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً؟ وهل ستعزز الاستقرار أم تفتح الباب أمام سباق هيمنة تتقدمه إسرائيل بوصفها القوة الأكثر استعداداً لملء الفراغ؟ هذا الغموض هو ما يجعل خيار الضربة أقل إغراءً مما يبدو، ويدفع الولايات المتحدة إلى الاكتفاء، حتى الآن، بالاستعراض العسكري والضغط السياسي. علماً أن التعامل مع خيار الضربة الأميركية بوصفه مساراً حتمياً يتجاهل سمة مركزية في التجربة الترامبية نفسها، وهي الفجوة المتكررة بين التصعيد الخطابي والقرار الفعلي. ففي ولايته الأولى، بلغ خطاب دونالد ترامب ذروته تجاه كوريا الشمالية عام 2017، حين توعّدها بـ"النار والغضب" وبـ"التدمير الكامل"، قبل أن ينقلب هذا المسار خلال أشهر إلى قمة سنغافورة ومصافحة تاريخية مع كيم جونغ أون، دون أن تكون واشنطن قد حققت أهدافها المعلنة بشأن نزع السلاح النووي. لم يكن ذلك استثناءً، بل نموذجاً لأسلوب قائم على التهديد الأقصى كأداة ضغط تفاوضي، لا كمقدمة ضرورية للحرب. حصل هذا أيضاً بشكل واضح مع مسألة غرينلاند مؤخراً.
هذا النمط لا يبدو بعيداً عن المشهد الحالي إذاً. فالتصعيد اللفظي تجاه إيران، مقروناً باستعراضات عسكرية متكررة، يترافق اليوم مع إشارات واضحة إلى حدود الخيار العسكري نفسه. ويأتي تصريح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو الأخير، بأن الولايات المتحدة تعتبر تهديد هجمات إيران على القوات الأميركية في المنطقة تهديداً حقيقياً، وأن لا أحد يستطيع أن يقدّم إجابة بسيطة عما سيحدث إذا سقط المرشد والنظام، ليبدو وكأنه يضع تأطيراً لتلك الحدود. وهو تزامَن مع تحذير السفير الصيني لدى الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن، من أن استخدام القوة لا يمكن أن يحل المشكلات وأن أي مغامرة عسكرية لن تفعل سوى أن تدفع المنطقة نحو هاوية المجهول.. تصريحات تعيد إنتاج الشك ذاته حول "ماذا بعد الضربة"، لا سيما بلحاظ الكلام المستجد عن الدور الصيني في هذا الملف، وليس آخره ما صدر عن النائب السابق والمسؤول الحالي لملف الموارد والحدود في حزب الله نواف الموسوي، بأن الصين قدّمت لإيران دعماً يمكنها من التعامل بكفاءة مع أي هجوم، وما صدر أيضاً عن مساعد وزير الخارجية الايرانية للشؤون القانونية غريب أبادي، بأن التدخل العسكري ليس خياراً سهلاً بالنسبة للولايات المتحدة لأنهم يدركون أن رد إيران لن يكون مجرّد رد متناسب.
مع هذه المعطيات، لا يظهر التهديد الأميركي لإيران بوصفه قراراً مكتمل الأركان، بقدر ما يبدو أداة لإدارة التوازنات والضغوط، ووسيلةً لرفع الكلفة دون تحمّل تبعات الانخراط في حرب مفتوحة قد تفضي إلى نتائج معاكسة تماماً لما تُعلن واشنطن السعي إليه. بل يمكن النظر إلى التحشيد العسكري الأميركي الراهن لا بوصفه تمهيداً لضربة مباشرة ضد إيران، بقدر اعتباره إجراءً لمنع توسّع المواجهة إلى مستوى إقليمي شامل. هذا المنطق ليس جديداً؛ فقد شهدناه بوضوح في الأيام الأولى التي تلت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين سارعت إدارة بايدن إلى إرسال حاملات طائرات وقوات إضافية إلى شرق المتوسط، ليس للدخول في الحرب، بل لردع أي تدخل إيراني مباشر، وضبط حدود الاشتباك بحيث تبقى المواجهة محصورة في نطاقها الإسرائيلي- الفلسطيني. سيغدو التحشيد هنا إذاً رسالة تحذير لإيران من أن الانخراط المباشر سيقابل بتكلفة مرتفعة. هذه المعادلة تتيح لإسرائيل هامشاً أوسع للتفرّد بأذرع المحور، ولا سيما حزب الله في لبنان، واستكمال عملياتها ضد حماس في غزة، دون الخشية من تحوّل هذه المواجهات إلى صدام مباشر مع طهران.
غير أن هذا الاستعراض العسكري، كلما طال دون حسم، راكم القلق بدل أن يبدده، ودفع الفاعلين الإقليميين إلى البحث عن صيغ بديلة للأمن خارج المظلة الأميركية التقليدية.
من هنا يمكن فهم الحديث المتزايد عن تفاهمات أو ترتيبات أمنية بين تركيا والسعودية وباكستان كمحاولة لبناء شبكة أفقية من الضمانات، تقلّل من الاعتماد على مركز واحد دون القطيعة الكاملة معه، وتبحث عن مساحة وسطى بين الصدام والتبعية. وفي هذا السياق تحديداً، ليس من المستبعد أن نلحظ تغييراً في السلوك الإيراني خلال المرحلة الأخيرة لا بوصفه تراجعاً إقليمياً أو تحوّلاً أيديولوجياً، بل كجزء من محاولة إعادة التموضع في عالم لم يعد ينتج أمناً مستقراً عبر قوة واحدة.
المخاوف الخليجية، التفاهمات الإقليمية الناشئة، تصريحات نتنياهو وحتى التردد الأميركي، كلها تعبيرات مختلفة عن مأزق واحد: غياب مرجعية واضحة لتعريف الأمن وضبطه. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة لم يعُد فقط ما إذا كانت إيران ستُضرب أم لا، بل ما إذا كان أمن الشرق الأوسط سيُبنى بمنطق الهيمنة وفرض الوقائع كما هو الحال، أم انه سيشهد منطق تكيّفٍ وتفاهمٍ بين أطراف فقدت ثقتها بالمركز لكنها لم تفقد خوفها من الفوضى. وبين هذين الخيارين، لا يتحدد مستقبل إيران وحدها، بل شكل النظام الإقليمي كله، بوصفه مرآة لتحول عالمي لم يكتمل بعد.
