تشهد الساحة السورية، ولا سيما شمال شرق البلاد، مرحلة دقيقة وحساسة في مسار المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويأتي ذلك في وقت تتغير فيه خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، بعد أن أصبحت دمشق محوراً للاستقرار بالنسبة للولايات المتحدة، مقارنة بمواقف واشنطن السابقة الداعمة لـ"قسد"، الحليف الذي كان يشكل حجر الزاوية في استراتيجيات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، وإدارة مناطق السيطرة شمال شرق سوريا.
في هذا السياق، تمسكت الحكومة السورية خلال الاجتماع الأخير الذي عُقد مساء الثلاثاء الماضي، بشرط الإعلان الرسمي عن حلّ "قسد" بكامل مؤسساتها المدنية والسياسية والعسكرية. وهو شرط يمثل مفصلاً حقيقياً في أي تسوية محتملة، إذ يضع القوى الكردية أمام خيار الاستجابة الكاملة أو مواجهة العزلة والضغوط المتصاعدة على الأرض.
مجريات الاجتماع
وحضر الاجتماع قائد "قسد" مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، بالإضافة إلى ممثلين من اللجنة العسكرية والسياسية لقسد.
تركز النقاش على آليات تنفيذ حلّ مؤسسات "قسد"، مع الأخذ بالاعتبار الحماية الجزئية للعناصر المدنية والعسكرية، والتوازنات المحلية الدقيقة بين المكونات، فضلاً عن التحولات التي شهدتها العلاقة السورية-الأميركية مؤخراً.
كما أن اللجنة العسكرية لـ"قسد" رفضت الشرط السوري بشكل صريح، معتبرة أن الإعلان عن حلّ كامل المؤسسات قد يؤدي إلى تفكيك البنية العسكرية بالكامل، بما يُضعف موقفها ويهدد وجودها، بينما انقسمت اللجنة السياسية بين جناح يرى ضرورة التفاوض وفق شروط الدولة السورية، وآخر يخشى أن يؤدي الحل إلى فقدان السيطرة على ما تبقى من الهياكل الإدارية والمراكز المدنية، بما يشمل الخدمات والمصالح الاقتصادية المحلية.
التمديد كفرصة أخيرة
وقد أبلغ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، قيادة "قسد" بعد الاجتماع بأن تمديد المهلة يُعدّ الفرصة الأخيرة للالتزام بالشروط السورية، وأن أي إخفاق لن يُقابَل بتدخل من قبل التحالف الدولي أو الإدارة الأميركية. ويبدو أن هذه الرسالة الأميركية تمثل ضغطاً سياسياً مباشراً على "قسد" لإقناع عناصرها بالاستجابة للشرط السوري، بعد أن أظهرت التقارير الميدانية تراخي بعض الأجنحة في قبول الحلول السياسية.
ويشير هذا التحرك إلى تبدل واضح في الموقف الأميركي، حيث لم تعد واشنطن تتعامل مع "قسد" باعتبارها الحليف الأساسي في إدارة مناطق شمال شرق سوريا، بل باتت تُعطي الأولوية للحكومة السورية باعتبارها الطرف القادر على ضبط الأمن والاستقرار، ووقف موجات العنف والفوضى التي تهدد المدنيين.
أبعاد التمديد السوري
تمديد المهلة ليس مجرد تأجيل زمني، بل هو أداة إدارية واستراتيجية تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المركبة.
أولاً: الأسباب العسكرية والأمنية
يعمل الجيش السوري على ضبط الحدود بين مناطقه والمناطق التي تسيطر عليها "قسد" لمنع اشتباكات متقطعة قد تتحول إلى فوضى واسعة. كما يشمل تحديد نقاط الاختراق، مخازن السلاح، غرف القيادة ومسارات التهريب المحتملة، وتهيئة صورة ميدانية دقيقة قبل أي حسم عسكري، مع وضع خرائط دقيقة، تحديد أهداف، أولويات وقواعد الاشتباك. وتفكيك شبكات الكمائن والقنص.
ثانياً: الأسباب اللوجستية والعملياتية
حشد وإعادة توزيع القوات لمنع الفراغات الأمنية في جبهات أخرى، وتأمين خطوط الإمداد (وقود، ذخيرة، طبابة، اتصالات) قبل أي اندفاع ميداني، وتهيئة مراكز الاحتجاز والاستيعاب لأي موجة استسلام أو اعتقال أو تسوية.
السياق الميداني واللوجستي
كما أن الجنود السوريين في شمال شرق البلاد مطلعون على المعطيات، ومتلقون لتوجيه معنوي مستمر يشرح لهم سياق التمديد، وأسباب الصبر المرحلي، والأهداف الوطنية والمهنية وراء أي تحرك لاحق.
وبالتوازي، استكملت دمشق التجهيزات اللوجستية من ناحية الانتشار المدروس، قنوات الإمداد، الجاهزية الطبية والهندسية وتأمين الاحتياجات القتالية، بما يتيح مرونة القرار العسكري ويضمن تنفيذ أي مهمة بكفاءة وأقل كلفة ممكنة.
التداعيات المتوقعة
تمديد المهلة يوفر مساحة للدولة لإعادة ضبط خريطة النفوذ، وإدارة التوازن بين القوى المحلية، خصوصاً المكونات العربية والكردية والسريانية، قبل أي حسم. كما يشكل اختباراً لردود أفعال "قسد" تجاه الحل السياسي، ويعكس قدرة دمشق على الضغط الاستراتيجي دون الانجرار إلى صدام مباشر مكلف.
على المستوى الدولي، يعكس تدخل المبعوث الأميركي وتأكيده على أن المهلة الأخيرة هي الفرصة الوحيدة، تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من الدعم الكامل لـ"قسد" إلى محاولة ربط الحلول السياسية بالمصلحة السورية العامة، ما يضع الحليف السابق في موقف حساس، ويختبر قدرته على المناورة ضمن ضغوط متعددة الجوانب.
ويبدو أن تمديد المهلة ليس مجرد تسويف، بل خطة مدروسة لإدارة جميع الملفات العسكرية والسياسية والمدنية والإنسانية في شمال شرق سوريا، وهو مؤشر واضح على أن الدولة السورية تمارس إدارة صلبة للميدان، وتوظف كل أبعاد القوة والوقت والضغط النفسي والسياسي والإعلامي لصالح إعادة ترتيب الواقع على الأرض، بما يضمن تحقيق الاستقرار وإعادة سيادتها على المناطق التي شهدت فوضى متكررة منذ سنوات الصراع.
