في اليوم الثاني من كانون الثاني/يناير، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران وظهور تقارير أولية عن سقوط قتلى برصاص قوات الأمن، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتحرك لنصرة المحتجين. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: "نحن في حالة تأهّب قصوى وجاهزون للتحرك".
وبعد أقل من أسبوعين، ومع تصاعد الاحتجاجات وارتفاع أعداد القتلى بشكل كبير، دعا ترامب المتظاهرين إلى "مواصلة الاحتجاج — والسيطرة على مؤسساتكم"، متعهداً بأن "المساعدة في الطريق".
مسؤولية الحماية
تلك الوعود بمساندة المدنيين الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بدت، بحسب تقرير في صحيفة "واشنطن بوست"، تجسيداً كلاسيكياً لمبدأ "مسؤولية الحماية"، وهو الالتزام الذي أقرّته حكومات العالم بالإجماع، بما فيها الولايات المتحدة، في الأمم المتحدة قبل أكثر من ربع قرن، واستند إليه رؤساء أميركيون سابقون أحياناً لتبرير تدخلات عسكرية بعيدة.
غير أن هذا المنطق، بحسب الصحيفة، بدا خارجاً عن الطابع السياسي لترامب، الذي وعد بسياسة "أميركا أولاً" وبإنهاء التورط الخارجي والدور الأميركي التاريخي كشرطي عالمي ومدافع عن الديمقراطية. فقد أثارت ضربات عسكرية نفذها ترامب في ولايته الثانية في اليمن ونيجيريا ومناطق أخرى، وتهديداته باستخدام القوة في أماكن مثل غرينلاند وكولومبيا، تذمّراً بين أنصاره من عودة "المحافظين الجدد" وتكرار تدخلات فاشلة كما في أفغانستان والعراق.
وتشير "واشنطن بوست" إلى أن ترامب كان قد تراجع عن توجيه ضربة لإيران بعد الاستماع إلى مخاوف حلفاء أجانب ومستشارين عسكريين حذّروا من عدم كفاية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لردّ أي ردّ إيراني محتمل. لكنه في المقابل أرسل مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، وطائرات استطلاع متطورة، وأصولاً عسكرية أخرى إلى الشرق الأوسط، رغم أن الاحتجاجات التي أودت بحياة آلاف الإيرانيين كانت قد خمدت إلى حد كبير بحلول وصول المجموعة هذا الأسبوع.
وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشال" الأربعاء إن "الأسطول الضخم" أصبح "جاهزاً وراغباً وقادراً على تنفيذ مهمته بسرعة وعنف إذا لزم الأمر".
مهمة غير واضحة
وتتابع "واشنطن بوست" بأن ماهية مهمة القوات الأميركية في الشرق الأوسط باتت غير واضحة. وتقول بأن بيان ترامب لم يأتِ على ذكر الاحتجاجات المناهضة للحكومة. كما قال إن الأسطول أكبر من ذلك الذي أُرسل إلى المياه المحيطة بفنزويلا، حيث فجّرت القوات الأميركية قوارب يُشتبه بتهريبها مخدرات، وصادرت ناقلات نفط، وأطاحت في وقت سابق من هذا الشهر بالرجل القوي في البلاد نيكولاس مادورو، مع الإبقاء على بقية هيكل الحكم.
وفي المنشور نفسه، طالب ترامب إيران بإبرام اتفاق للتخلي عن برنامجها النووي، مهدداً بهجوم "أسوأ بكثير" من الضربات الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية الصيف الماضي.
ويقول تشارلز كوبتشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجتاون والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي خلال إدارة أوباما لـ"واشنطن بوست": "الآن بعد أن خمدت الاحتجاجات، لن يقول إنه يتدخل لوقف القتل". وأضاف: "قد يكون يفكر في استهداف النظام نفسه".
وتابع كوبتشان أن "ترامب يشعر بأنه يحقق انتصارات متتالية"، مشيراً إلى تحوّل خلال العام الماضي من "الانعزالية الجديدة إلى الإمبريالية الجديدة". وقال: "يشعر بأنه بات أكثر جرأة في استخدام القوة العسكرية الأميركية، ويبحث عن الفوز التالي".
المنع الاستباقي
وتشير "واشنطن بوست" إلى شهادة أدلى بها الأربعاء أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وزير الخارجية ماركو روبيو، حيث قدم مبرراً آخر للحشد العسكري، قائلاً إنه يهدف إلى "المنع الاستباقي" لأي هجوم إيراني محتمل على عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين المتمركزين منذ سنوات في قواعد بالبحرين وقطر والسعودية وأماكن أخرى في الشرق الأوسط.
وقال روبيو: "آمل ألا نصل إلى ذلك"، مضيفاً: "لكن ما نراه الآن هو القدرة على تموضع الأصول في المنطقة للدفاع ضد ما قد يشكّل تهديداً إيرانياً لقواتنا"
كما حذّر من احتمال عودة الاحتجاجات، واتفق مع تقييمات الاستخبارات الأميركية التي ترى أن النظام الإسلامي، المثقل بالانهيار الاقتصادي والسخط الشعبي، "أضعف مما كان عليه في أي وقت مضى".
وتلفت الصحيفة إلى قيام نواب ديمقراطيون في اللجنة بمهاجمة الإدارة الأميركية بسبب ما وصفته السيناتورة جين شاهين (نيوهامبشير) بـ"الفجوة بين الخطاب والواقع في تعامل هذه الإدارة مع أنظمة استبدادية أخرى".
وقالت شاهين: "في وقت تقمع فيه إيران الاحتجاجات بعنف، تبرم الولايات المتحدة اتفاقات لترحيل إيرانيين من هذا البلد إلى إيران"، مشيرة إلى أن ثلاث رحلات على الأقل غادرت مؤخراً. وأضافت: "هؤلاء سيواجهون الاضطهاد والاستجواب من قبل أجهزة الأمن الإيرانية. الرئيس ترامب قال للشعب الإيراني إن المساعدة في الطريق، لكن الولايات المتحدة بقيت إلى حد كبير على الهامش بينما تدهورت الأوضاع".
وتتابع "واشنطن بوست" أنه بينما يبدو أن الاحتجاجات في المدن الإيرانية الكبرى قد أُخمدت مؤقتاً، فإن المشكلات الاقتصادية وغيرها من الأسباب التي أشعلتها لا تزال قائمة، وقد تنفجر الأوضاع مجدداً، بحسب أشخاص مطّلعين على تقارير استخباراتية أميركية تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم. وقد يبرز يوم الأحد المقبل كنقطة اشتعال محتملة، إذ يصادف ذكرى عودة آية الله روح الله الخميني من المنفى عام 1979، الحدث الذي مهّد لسقوط الملكية المدعومة أميركياً بقيادة الشاه.
رد قوي
وأقرّ مسؤولون إيرانيون بأن الاحتجاجات انطلقت بسبب أزمات اقتصادية، لكنهم قالوا إن "إرهابيين تديرهم جهات أجنبية" حوّلوا التظاهرات السلمية إلى أعمال عنف وتخريب واسع. كما نفت طهران علناً ادعاء ترامب بأنها وافقت على وقف إعدامات كان الرئيس الأميركي قال إن عدد المحكومين بها بلغ 800 شخص مع انحسار الاحتجاجات.
ولم تُظهر السلطات أي إشارة إلى نية شن هجوم استباقي على القوات الأميركية، لكنها توعّدت برد قوي إذا بادرت الولايات المتحدة أو إسرائيل بالهجوم. وقال وزير الخارجية عباس عراقجي في منشور الخميس: "قواتنا المسلحة الشجاعة جاهزة — وأصابعها على الزناد — للرد الفوري والقوي على أي عدوان".
وفي الوقت نفسه، سارعت إيران إلى حشد دعم دبلوماسي من جيرانها الذين يخشون أن يؤدي هجوم أميركي وردّ إيراني إلى جرّ المنطقة إلى الفوضى. وقالت السعودية والإمارات هذا الأسبوع إنهما لن تسمحا باستخدام أراضيهما أو مجالهما الجوي لشن ضربة على إيران.
وأفاد بيان لوزارة الخارجية القطرية الأربعاء بأن رئيس الوزراء محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تحدث مع علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمقرّب من المرشد الأعلى علي خامنئي، حول "علاقات التعاون وسبل دعمها وتعزيزها".
كما أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية منفصلة هذا الأسبوع مع عراقجي ومع المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ركزت — بحسب بيان من القاهرة — على "الحاجة الملحّة لتكثيف الجهود لخفض التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من عدم الاستقرار".
ويعتزم عراقجي السفر الجمعة إلى تركيا للقاء نظيره التركي.
شروط أميركية
وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس" يوم الاثنين، قال ترامب إن طهران تواصلت "مرات عديدة" وأبدت رغبتها في "إبرام اتفاق". ويقول مسؤولون أميركيون إن شروط واشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم وتسليم أي مواد مخصبة، وتقليص إنتاج الصواريخ، ووقف دعم الجماعات الوكيلة في لبنان والعراق واليمن وغيرها.
لكن عراقجي قال الأربعاء إنه لم يتلقَّ اتصالاً حديثاً من ويتكوف لاستئناف الحوار النووي الذي توقف بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الصيف الماضي، وإنه لم تُقدَّم أي طلبات تفاوض من أي طرف، وفقاً للإعلام الإيراني.
وفي غضون ذلك، تواصل الحشد البحري الأميركي في الشرق الأوسط، حيث وصلت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وثلاث مدمرات مرافقة إلى شمال بحر العرب، بحسب مسؤول دفاعي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.
وتضم المجموعة المدمرات "يو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور" و"يو إس إس سبروانس" و"يو إس إس مايكل مورفي"، وكل منها مزوّد بعشرات صواريخ "توماهوك" وأنظمة دفاع جوي.
كما وصلت مدمّرة أميركية أخرى هي "يو إس إس ديلبرت دي بلاك" — المنتشرة من قاعدة ماي بورت البحرية في فلوريدا — إلى المنطقة وكانت في البحر الأحمر الخميس، فيما تمركزت سفن أخرى قرب مضيق هرمز وشرق المتوسط، وفق مسؤول ثانٍ. ومن المتوقع تدفّق أصول عسكرية إضافية، بما فيها أنظمة دفاع جوي برية، إلى المنطقة.
ورداً على الحشد العسكري، قال عراقجي إن التهديدات والدبلوماسية غالباً ما يسيران جنباً إلى جنب في العلاقات الدولية، لكن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن المبالغات وما وصفه بالمطالب غير العقلانية إذا كانت تسعى فعلاً إلى التفاوض.
وفي منشور على منصة "إكس" عقب تعليق ترامب على "تروث سوشال"، قالت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة إن "الولايات المتحدة حين تورطت سابقاً في أفغانستان والعراق أهدرت أكثر من 7 تريليونات دولار وخسرت أكثر من 7 آلاف جندي أميركي". وأضافت: "إذا دُفعت إلى ذلك، فإن إيران ستدافع عن نفسها وترد بشكل غير مسبوق".
