في ظل الترقب المشحون لاحتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يحسم قراره بعد، في وقت تتراوح فيه الخيارات المطروحة أمام إدارته بين مسارين متناقضين: ضربة عسكرية واسعة قد تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، أو التوصل إلى اتفاق سياسي مع طهران يمنع المواجهة العسكرية. غير أن كلا الخيارين ينطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة، ويكاد يفتقر إلى ضمانات حقيقية لتحقيق "إنجاز واضح" تستطيع واشنطن تقديمه للرأي العام الأميركي بوصفه نصراً سياسياً أو عسكرياً.
ويطرح الكاتب الإسرائيلي راز تسيمت في مقاله المنشور في صحيفة "يديعوت أحرونوت" سؤالاً مركزياً: ما هو الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة؟ وهل هو إسقاط النظام الإسلامي؟ أم استبدال القيادة الحالية؟ أو تنفيذ ضربة عقابية على خلفية القمع العنيف للاحتجاجات؟ أم فرض اتفاق جديد وفق الشروط الأميركية الصارمة؟
حتى الآن، لا يبدو أن الإدارة الأميركية تمتلك تعريفاً واضحاً لهذا "الإنجاز"، وهو ما يجعل مرحلة الانتظار الحالية أقرب إلى حالة شلل استراتيجي منها إلى تحضير لقرار حاسم.
خيار الضربة العسكرية
ويرى تسيمت أن توجيه ضربة عسكرية أميركية واسعة، حتى لو كانت شديدة ومركزة، من غير المرجح أن يؤدي إلى تغيير جذري في طبيعة النظام الإيراني. فالتجربة الأخيرة للاحتجاجات التي اندلعت في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، وبلغت ذروتها ليلة 8 كانون الثاني/يناير 2026، أظهرت قدرة النظام على القمع العنيف، وعلى إعادة فرض السيطرة الأمنية رغم الكلفة السياسية والأخلاقية الباهظة.
كما أن سلوك المجتمع الإيراني في حال وقوع هجوم أميركي يبقى غير قابل للتنبؤ، فبعض الإيرانيين قد يرون في الضربة فرصة لإعادة إشعال الاحتجاجات، بينما قد يعتبرها آخرون سبباً إضافياً للانكفاء، بعد الصدمة التي خلّفها القمع الأخير، والخشية من التضحية مجدداً دون أفق حقيقي للتغيير.
وهنا تبرز نقطة أساسية وفق تسيمت، أن الضربة العسكرية لا تضمن انتقال الاحتجاج من الغضب الشعبي إلى انهيار النظام، بل قد تمنحه ذريعة لتوحيد الداخل خلف خطاب "العدوان الخارجي".
ويطرح الكاتب عدة بدائل للضربة ومن بينها خيار توجيه ضربة محدودة تطال كبار مسؤولي النظام، وربما المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، على غرار السيناريو الفنزويلي. غير أن الكاتب يشكك في قدرة هذا الخيار على إحداث تحوّل استراتيجي في سياسات الجمهورية الإسلامية، حتى لو أدى إلى تغيير شكلي في القيادة.
والبديل الثاني يتمثل في فرض حصار بحري يشل صادرات النفط الإيرانية، لكن هذا الخيار ينطوي على مخاطر إقليمية كبيرة، من بينها محاولات إيرانية لعرقلة صادرات نفط الخليج، وارتفاع حاد في أسعار النفط عالمياً، وتصعيد عسكري غير مباشر في مضيق هرمز. والأهم أن هذا المسار بطيء النتائج، ولا يمنح ترامب نصراً سريعاً يمكن تسويقه سياسياً.
أما خيار الاتفاق السياسي، فيبدو من وجهة نظر الكاتب شبه مستحيل في ظل تعنت المرشد الإيراني، والشكوك الأميركية العميقة في التزام طهران بأي تفاهم بعيد المدى، وإدراك خامنئي أن قبول المطالب الأميركية الواسعة يعني عملياً استسلاماً استراتيجياً يفتح الطريق أمام تقويض النظام نفسه.
خامنئي و"كأس السم" المستحيل
ويشبّه البعض إمكانية تراجع خامنئي بما فعله الخميني عام 1988 عندما قبل وقف إطلاق النار مع العراق و"تجرع كأس السم"، لكن تسيمت يرى أن هذا التشبيه مضلل، تنازل الخميني آنذاك لم يهدد وجود النظام الإسلامي، أما تنازل خامنئي اليوم، فهو يعني قبول قيود على النووي والصواريخ ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، أي تفكيك جوهر مشروع إيران الاستراتيجي.
لذلك، حتى لو أبدى خامنئي مرونة تكتيكية مؤقتة، كتعليق تخصيب اليورانيوم ـــ المتوقف عملياً منذ حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو 2025 ـــ، فمن غير المتوقع أن يقدم على تنازل استراتيجي شامل.
وهنا تكمن نقطة الانكسار الحقيقية، أي اتفاق يقترب من جوهر القوة الإيرانية سيُقرأ في طهران بوصفه بداية النهاية للنظام، ولذلك سيُرفض مهما بلغت الضغوط.
شرعية مكسورة واقتصاد ينهار
بالتوازي مع المواجهة الخارجية، يواجه النظام الإيراني سلسلة أزمات داخلية خانقة أزمة شرعية غير مسبوقة بعد "مجزرة" المتظاهرين، وأزمة اقتصادية تفاقمت بسبب قطع الإنترنت والإغلاقات الواسعة. وقد حذر رئيس اتحاد الأعمال الافتراضية في إيران من أن الاقتصاد الرقمي يقف على حافة الانهيار، مشيراً إلى انخفاض المبيعات في كثير من الأعمال الإلكترونية بنسبة وصلت إلى 80%.، ونحو مليون شخص يعتمدون مباشرة على التجارة عبر وسائل التواصل يعيشون اليوم حالة عدم يقين اقتصادي كامل، ويجعل هذا التآكل الداخلي النظام أضعف من أي وقت مضى، لكنه لا يجعله بالضرورة على وشك السقوط الفوري.
وبعد حرب الأيام الـ12 بين إيران وإسرائيل في حزيران/يونيو 2025، تبدو قدرة الطرفين على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة جديدة محدودة جداً، بسبب خطر سوء التقدير العسكري، واحتمال إعادة بناء المنشآت النووية، واستئناف التخصيب، ومواصلة تطوير القدرات الصاروخية.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن إسرائيل لا تمتلك حالياً خياراً أفضل من سياسة "إدارة الصراع"، بانتظار تحول داخلي في إيران، سواء عبر تغيير النظام، أو تغيير تركيبة الحكم بعد وفاة المرشد المسن أو إزاحته.
سياسة الانتظار الحذِر
ورغم غياب الحل المثالي، يقترح تسيمت حزمة إجراءات متزامنة منها مواصلة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لعزل النظام، والحفاظ على القدرات العسكرية والسرية لمنع أو تأخير تعافي البرنامج النووي والصاروخي، وترسيخ تهديد موثوق يمسّ بقاء النظام ذاته لردع طهران، والإبقاء على قنوات اتصال لتقليل خطر سوء التقدير، وإعاقة إعادة بناء نفوذ "محور المقاومة" إقليمياً، وتطوير أدوات لدعم حركة الاحتجاج في حال تجددها، وهو احتمال قائم خلال الأشهر المقبلة.
وبين ضربة عسكرية غير مضمونة النتائج، واتفاق سياسي شبه مستحيل، وحصار طويل الأمد محفوف بالتصعيد، تبدو الولايات المتحدة عالقة في منطقة رمادية استراتيجية. والنتيجة، وفق كاتب يديعوت أحرونوت، أن المرحلة الحالية لا تقدّم حلاً نهائياً، بل تفرض سياسة انتظار حذِر، تقوم على استنزاف النظام الإيراني وإضعافه تدريجياً، إلى أن تفرض التطورات الداخلية في طهران لحظة التحول الحقيقية.
