كيف يمكن لأرض الصومال أن تساعد إسرائيل بمواجهة الحوثيين

شفيق طاهرالأربعاء 2026/01/28
Image-1768255242
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما أعلنت إسرائيل، في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025، اعترافها الرسمي بجمهورية أرض الصومال، لم يكن ذلك مجرد خطوة دبلوماسية تجاه كيان غير معترف به دولياً، بل تحول استراتيجي له تداعيات مباشرة على صراعها المتصاعد مع جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن. وقد عزز هذا التحول قيام وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر بزيارة رسمية إلى هرجيسا، عاصمة ارض الصومال، مطلع كانون الثاني/يناير 2026، في خطوة أثارت غضب الصومال وقلق الاتحاد الأفريقي، وأعادت تسليط الضوء على الأهمية الجيوسياسية المتزايدة للقرن الأفريقي في معادلات أمن البحر الأحمر.

من منظور إسرائيلي، يأتي هذا الاعتراف في لحظة حساسة، إذ تحول الحوثيون منذ أواخر عام 2023 إلى لاعب إقليمي مؤثر، عبر استهدافهم الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وربط عملياتهم العسكرية بالحرب الإسرائيلية على غزة. هذا التطور فرض على تل أبيب تحدياً غير مسبوق، خصم بعيد جغرافيا، يصعب اختراقه استخبارياً، ويعمل في مسرح عمليات مفتوح يمتد من السواحل اليمنية إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

 

تقليص المسافة في حرب بعيدة

تكمن القيمة الأولى لأرض الصومال في موقعها الجغرافي. فهي تطل مباشرة على خليج عدن، قبالة السواحل الجنوبية لليمن، وعلى مقربة من مضيق باب المندب، الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة لاسرائيلية والعالمية. في هذا السياق، لا تحتاج إسرائيل إلى قواعد عسكرية علنية لكي تستفيد من هذا الموقع، بل يكفيها الحضور الدبلوماسي، والعلاقات التجارية، وقنوات التنسيق الأمني، من أجل تحسين قدرتها على مراقبة التحركات البحرية والأنماط المرتبطة بالهجمات الحوثية.

بالنسبة لإسرائيل، التي تخوض مواجهة مع الحوثيين من مسافة آلاف الكيلومترات، فإن تقليص الفجوة الجغرافية يعني تقليص فجوة الوقت والمعلومة، وهما عنصران حاسمان في صراع يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات البحرية المفاجئة.

 

سد الفجوة الاستخبارية

أحد أبرز مواطن ضعف إسرائيل في مواجهة الحوثيين هو النقص الاستخباري. فاليمن، بخلاف ساحات مثل لبنان أو غزة أو ايران، لم يكن ضمن أولويات الاختراق الاستخباري الإسرائيلي لسنوات طويلة. الحوثيون استغلوا هذا الفراغ عبر اعتمادهم على السرية، والتمويه، ما صعّب عملية الاستهداف المباشر.

هنا تبرز أرض الصومال كمنصة قريبة يمكن أن تساهم في تحسين الوعي الاستخباراتي الاسرائيلي. فالتعاون في مجالات مراقبة الموانئ، وتتبع حركة السفن، وتبادل المعلومات حول التهديدات البحرية، قد يمنح إسرائيل قدرة أفضل على التنبؤ بالهجمات أو فهم السياق الذي تتحرك ضمنه العمليات الحوثية. إن المعلومات الجزئية في مسرح بحري مفتوح ومعقد، يمكن أن تحدث فارقاً استراتيجياً.

 

الضغط دون تصعيد مباشر

الاعتراف بأرض الصومال يمنح إسرائيل إذن أدوات ضغط غير عسكرية في مواجهة الحوثيين. فبدلاً من الاعتماد الحصري على الضربات بعيدة المدى، التي تحمل مخاطر التصعيد الإقليمي ولا تضمن نتائج حاسمة، تستطيع إسرائيل توسيع خياراتها عبر تحسين المراقبة، ودعم الجهود الدولية لتأمين الملاحة، وتقليص هامش المناورة الحوثي في البحر الأحمر وخليج عدن.

هذا النهج ينسجم مع التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي القائم على إدارة الصراع بدل حسمه عسكرياً، خصوصاً عندما يكون الخصم بعيداً جغرافياً ومحصناً اجتماعياً وأيديولوجياً.

مع ذلك، لا يخلو هذا المسار من قيود. فأرض الصومال تظل كياناً غير معترف به دولياً، وتواجه ضغوطاً سياسية من الصومال والاتحاد الأفريقي. أي انخراط إسرائيلي علني أو عسكري مباشر قد يفاقم التوترات الإقليمية وسيحول الإقليم إلى ساحة صراع بالوكالة.

كما أن الحوثيين أعلنوا انهم سيردون على هذا التحول عبر توسيع نطاق عملياتهم أو تعزيز حضورهم غير المباشر في القرن الأفريقي، في محاولة لإثبات أن الاعتراف الإسرائيلي لا يغير قواعد اللعبة.

في المحصلة، لا يشكل اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال ضربة قاصمة للحوثيين، لكنه يعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فتل أبيب تسعى إلى الاقتراب من مسرح التهديد، وتقليص فجواتها الاستخبارية، وبناء شبكة نفوذ إقليمي في منطقة باتت مركزية للأمن العالمي. وفي صراع تتشابك فيه الجغرافيا مع السياسة والاستخبارات، قد تكون أرض الصومال ورقة جديدة في مواجهة خصم بعيد… لكنه حاضر بقوة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث