غودو السوري الذي يأبى القدوم

مالك ونوسالأربعاء 2026/01/28
Image-1768910256
"أطيعوني!".. الكلمة السحرية التي قالها الرئيس أحمد الشرع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تبدأ حال العبث السوري منذ أعلن بشار الأسد الهارب حربه على السوريين سنة 2011، لأنهم قالوا له لا، في الجمهورية التي اعتاد أن ينظم فيها انتخابات رئاسية، يقول 99% من المقترعين "نعم إلى الأبد". بل بدأت قبلها، ربما منذ اليوم الذي رأى فيه الكيان السوري الحالي، والذي يبلغ حجمه 185 ألف كيلو متر مربع، النور. هذا الكيان الذي يتبدل لون علمه مع تبدل الشخص الجالس على كرسي الحكم فيه. الكيان الممتد بين البحر غرباً والصحراء شرقاً، وبين الصحراء جنوباً والجبال شمالاً، والذي يأبى أن يصبح دولة طبيعية، تتنفس فيها بحرية، وتذهب إلى عملك، وأنت متأكد من عودتك إلى المنزل سالماً. كيان تتعلم أن تطيع فيه الحاكم، لكي يبقى جلدك سالماً، غير أن هذا أيضاً، إن ضمنته سالماً اليوم، لا يمكنك أن تضمنه غداً، لأسباب لا يعلمها سوى الحاكم وعسسه.

انتظر السوريون كثيراً موت حافظ الأسد الذي كان مريضاً وغائباً عن الساحة، في سنواته الأخيرة، وعلقوا آمالهم على القدر أن يخطف روحه فتتغير حياتهم. ثم انتظروا سنوات طويلة لكي يفي ابنه بشار بوعوده بالشفافية والاصلاح والتطوير والتحديث وتحسين مستوى المعيشة، وحين ظهر أنه نسخة عن أبيه، تحْكُم بالقوة من أجل تأبيد الدكتاتورية، ثاروا عليه، غير أنهم انتظروا 14 سنة لكي تأتي لحظة سقوطه. وعندما سقط، استمروا بانتظار أن تتحقق الأهداف التي ثاروا عليه من أجل تحقيقها، وهي أن تصبح لهم دولة مواطنة تكفل حريتهم وتصون حقوقهم، وتضعهم على دروب المستقبل. وحين أتت السلطة الجديدة حاملة الوعود بالقطع مع عهود الظلم والفقر والحرمان، والتي بقيت مؤجلة، جاءت الدعوة لطاعة الحاكم، وهي مستجدات ستجبرهم على الانتظار وقتاً غير معلومٍ، ولكنه معروف من ناحية النتائج والسياق وربما الآلام.

 

كلمة سحرية

"أطيعوني!". كلمة سحرية قالها الرئيس الحالي أحمد الشرع، خلال خطبةٍ له في المسجد الأموي في الذكرى السنوية الأولى لسقوط لأسد، ثم غادر وترك الجميع أسرى ترجمتها إلى اللغة الوحيدة التي يخاطبون فيها أهل هذا الكيان السوري؛ لغة الاستبداد. وقد قال الشرع في هذا السياق: "أيها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم فوالله لن يقف في وجهنا أحد"، ولكن ليس معروفاً من هو هذا الـ "أحد"، هل هو من الخارج، وهل يمكن للبلاد في هذه الأوقات أن تمنع من يقف في وجهها، وأولهم الاحتلال الإسرائيلي الذي يقضم كل يوم مزيداً من أراضي البلاد من دون القدرة على وقفه؟ أم أن المقصود به المعارضين، سواء داخل البلاد أم خارجها؟ وماذا عن الطاعة؟ هل هي الموافقة على كل سياسات السلطة وسلوكها؟ وإذا كانت الطاعة هي الموافقة على كل شيء وتقبُّله، أفليس ما دونها هو الذي عانى منه السوريون طيلة 14 سنة، لأنهم قرروا التوقف عن طاعة الأسد؟ وهل سيدخل السوريون دوامةً جديدةً من الطاعة، ثم رفض هذه الطاعة في مرحلة يجدون فيها أن السلطة لا تتعامل معهم باعتبارهم مواطنين بل أتباعاً، ولا تحكمهم سوى بمقياس الطاعة بدلاً من فصل المؤسسات في أمورهم؟

في العصر الحديث، تبدَّى العبثُ السوري بعد انقلاب حزب البعث واستيلائه على السلطة سنة 1963، وحكم البلاد عبر الدكتاتورية والقمع ومصادرة الحريات وتقييد الحقوق. ثم تعزز ذلك العبث مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة حين انقلب على رفاقه، وقتل من قتل وسجن من سجن منهم وأرسل إلى المنافي آخرين. ثم تَفَرَّد بحكم البلاد بطريقة دموية تخيف حتى من يطيعونه، وتدفع من يعارضونه إلى السجون أو القبور. وكان العبث سبيله لتجذير أقدامه في الحكم، مع عدم إغفاله إتباع انتخابات شكلية من أجل تجديد فترة رئاسته كلما انتهت الفترة التي سبقتها. نعم كان يُجري انتخابات رئاسية، لكنه يترشح فيها منافساً وحيداً. حافظ الأسد مقابل حافظ الأسد. واستمر نهجه من بعده؛ بشار الأسد مقابل بشار الأسد. وللمفارقة، كانت تشتد المنافسة ويصل تركيز الضجيج الإعلامي إلى نسبة 100% قبل أيام من الاستحقاق الكبير. تغيب عن الصحف والقناة التلفزيونية الوحيدة أخبار البلاد والمنطقة والعالم، فلا خبر سوى ما يتعلق بشؤون "العرس الانتخابي"، ولا شيء سوى التركيز على الشخصية الاستثنائية للرئيس المفدى، وعلى مزاياه التي جعلته مُلهَماً. غير أن تلك الانتخابات لم تكن سوى مجرد عملية تلميعٍ لشخصيته التي كان يصيبها الصدأ على مدى سبع سنوات من اللاشيء، وتحتاج التنظيف والدهان، حتى يظهر جمالها في أعين المواطنين المغلوبين على أمرهم، وما هي سوى أيام حتى يختفي اللمعان، وتعود المؤسسة الحاكمة إلى نشاطها اليومي في تفقير أبناء البلاد وقمعهم. لذلك، ليس من المعروف إن كان السوريون سيدخلون نفق تلك الآلية التي يَحكُمُ فيها فردٌ، لا منافس له، ولا معارض، فلا يجد إذ ذاك في نفسه دافعاً لتغيير أحوال الناس وتحسينها، ما داموا مستمرين على الطاعة.

 

خوف من جحيم الانتظار

وتبقى المخافة أن يدخل السوريون من جديد جحيم الانتظار، في هذه البقعة المخصصة للآلام. انتظار أن تصبح بلادهم دولة طبيعية، لا تفويض ديني أو غيبي لحاكمٍ فيها، بل عقدٌ اجتماعي، يُشهَر بعد معالجة أزمات البلاد الموروثة والمستجدة. دولة تتبنى العدالة الانتقالية للبت في أمرِ من انتَهك أو قَتَل أو كان بريئاً، فلا تصنيفات للبشر ولا انتقامات ولا اندفاعات عسكرية، ولا معارك تتمخض عن مجازر كل حين. دولة القانون والدستور والمؤسسات والبرلمان الذي يحاسب السلطة التنفيذية إن أخطأت أو ظلمت، لا دولة حاكمُها هو الخَصْمُ والحَكَمُ.

غير أنه في ظل حكم الطاعة، لا هَمَّ إن طال الانتظار، فلقد أدمن السوريون الانتظار. وفي انتظارهم الطويل قد ينسى هؤلاء الذي ينتظرونه، مثلما نسيو مرة أنهم يعيشون في ظل حكم الطوارئ منذ ولدوا، ومثلما نسيو أنه يمكنهم خلع الحاكم إن أرادوا أو استطاعوا، فالحاكم ليس إلهاً. وسيصبحون عالقين مثل أبطال مسرحية صموئيل بيكيت، منتظري غودو الذي لا يأتي، مثلما كانوا عالقين من قبل. وسيضرب الملل أرائك السوريين الذين لا يستطيعون الاستمرار عليها طويلاً، جمودهم موات، وعليهم أن يبحثوا عما لا يعرفون. وهم لا يستطيعون مبارحة أرائك الانتظار ليغادروا، لأنهم إن غادروا قد لا يأتي ما ينتظرونه بينما هم غائبين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث