"جمعة الغضب".. عن العنف الثوري واستعادة المصريين لذواتهم

أحمد عبد الحليمالأربعاء 2026/01/28
Image-1769607701
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يمثل تاريخ 28 كانون الثاني/يناير 2011، المعروف بـ"جمعة الغضب"، في الذاكرة الجمعية المصرية، لحظة ميتافيزيقية تتجاوز في أبعادها مجرد التظاهر الاحتجاجي العنيف لتصل إلى مستوى "الحدث" بالمعنى الفلسفي الذي طوره الفيلسوف الفرنسي آلان باديو؛ أي ذلك الانقطاع الجذري الذي يخلخل بنية الوجود ويجعل من المستحيل العودة إلى ما قبله. فلم تكن تلك الجمعة مجرد انفجار للغضب الشعبي، بل كانت نقطة "التبخر الرمزي" لجهاز الدولة، ومن ثم سقوط مبارك يوم 11 شباط/فبراير، حيث فقدت السلطة احتكارها التاريخي للإكراه المادي والشرعية الرمزية في آن واحد. حينها، كنا في صدد "شغب تاريخي" – بتعبير باديو – يمثل ولادة جديدة للتاريخ، يكتشف خلالها البشر إمكاناتهم الجذريّة لتغيير الواقع وتجاوز الخرائط الجاهزة التي رسمتها الأنظمة السلطوية لعقود.

 

انكسار "الأمنوقراطية"

تقوم الدولة الحديثة، بحسب تعريف ماكس فيبر، على ادّعاء احتكار الاستخدام المشروع للعنف داخل رقعة جغرافية محددة. لكن في مصر ما قبل عام 2011، لم يكن هذا الاحتكار مجرد وظيفة إدارية أو أداة حكم، بل كان جوهر الدولة ذاته. تماهى النظام مع عنفه، وتكثّف هذا التماهي في جهاز الشرطة، لا بوصفه مؤسسة قانون، بل كجهاز لإنتاج الخوف. تحت قيادة حبيب العادلي، لم يعد العنف حدثاً استثنائياً أو انفجاراً عابراً، بل تحوّل إلى مناخ يومي خانق، يلفّ المواطن في الشارع والقسم والمصلحة الحكومية، عنفٌ يشبه الهواء، لا يُرى، لكنه يُستنشق قسراً. وكما كتب فرانز فانون، فالعنف هنا لا يُقاس بعدد الضربات، بل بقدرته على تحويل الإذلال إلى روتين، والمهانة إلى قدر يبدو بلا بديل.

في جمعة الغضب، انكسر هذا القدر فجأة. لم يكُن ما جرى مجرد مواجهة في الشارع، بل لحظة انهيار رمزي للمقدّس السلطوي، أي جهاز الشرطة، التي مثّلت طويلاً عين الدولة المراقِبة، وجهازها البانوبتيكي القادر على الرؤية دون أن يُرى، فوجدت نفسها عاجزة أمام أجساد بشرية قررت أن تمشي معاً بلا خوف. هنا، تستعيد لحظة الدولة توصيف سلافوي جيجك الشهير، ذلك القط في أفلام الكرتون الذي يركض فوق الهاوية، مستمراً في الحركة طالما لم يكتشف أن الأرض قد اختفت. في 28 يناير، اكتشفت الدولة فجأة أن أرضية الخوف لم تعد موجودة، فكان السقوط الرمزي مدوياً، سابقاً أي سقوط مادي.

بلغ هذا الانهيار ذروته مع انسحاب الشرطة وفتح السجون، في مشهد يجسّد بأقصى درجاته ما وصفه جورجيو أغامبين بـ"حالة الاستثناء". حين تعجز الدولة عن حماية المجتمع، أو حين تتحول هي نفسها إلى مصدر للفوضى والتهديد، فإنها لا تفقد فقط قدرتها على الحكم، بل تفقد أيضاً أي ادّعاء أخلاقي أو قانوني بالسيادة. في تلك اللحظة، كفّ المتظاهر عن كونه "إنسان عاري" مباح، جسداً يمكن سحقه بلا حساب، وتحول إلى جسد سيادي يفرض حضوره ويرفض الطاعة، كما تحوّل الشارع من فضاء للرقابة والضبط إلى "فضاء للظهور"، بالمعنى الذي تقصده الفيلسوفة الألمانية حنة أرنت، مكان يظهر فيه الناس كذوات سياسية، لا عبر الشعارات وحدها، بل عبر الفعل المشترك وتنظيم الحياة نفسها، إذ كانت لجان الحماية الشعبية، التي نشأت في فراغ السلطة، تعبيراً حياً عن هذا التحول، ومثلت لحظة سُحبت فيها السيادة من يد الدولة، وانكشف أن "الدولة التي لا تُقهر" ليست إلا سردية قابلة للانكسار متى قرر الناس، جماعياً، التوقف عن تصديقها والتمرد عليها.

 

العنف الثوري واسترداد الذات

يقدّم فرانز فانون، في معذّبو الأرض، فهماً للعنف الثوري يتجاوز كونه أداة سياسية أو وسيلة اضطرارية، ليغدو فعلاً تحررياً يمسّ النفس قبل أن يصيب البنية. العنف، في تصور فانون، ليس انفجاراً أعمى، بل عملية استعادة للكرامة، وتطهير للذات التي عاشت طويلاً تحت ثقل القهر، سواء كان قهر الاستعمار أو قهر الدولة المستبدة. في مصر، يوم 28 يناير، لم يكن الاعتداء على مقرات الحزب الوطني أو أقسام الشرطة مجرد تخريب، بل لحظة مواجهة مباشرة مع الخوف ذاته. في الاشتباك وجهاً لوجه مع ضباط الأمن المركزي، اكتشف المواطن المقهور حقيقة بسيطة لكنها مزلزلة، أن جسد المستبد هشّ مثل جسده، وأن العصا التي طالما بدت قدراً، يمكن كسرها. تلك المعرفة، أكثر من أي خسارة مادية، هي ما أصاب النظام في عمقه الرمزي.

يتقاطع هذا المعنى مع تمييز فالتر بنيامين بين "العنف الأسطوري" و"العنف الإلهي". فالعنف الذي تمارسه الدولة هو عنف يؤسس القانون ويحميه، يرسم الحدود ويعيد إنتاج الطاعة، عنف دائري لا يهدف إلا إلى استمرار ذاته. في المقابل، يأتي "العنف الإلهي" بوصفه قطيعة، كضربة صاعقة لا تفاوض القانون بل تحطّمه، لا لبناء سلطة بديلة فوراً، بل لتفكيك بنية الظلم التي اتخذت شكل قانون. كانت جمعة الغضب، بهذا المعنى الفلسفي الدقيق، لحظة عنف كاسر، انكشفت فيها هشاشة القوانين التي شرعنت القمع، وظهرت العدالة كقيمة أعلى من النصوص والأوامر وحالات الطوارئ والاستثناء.

من هنا، لا يمكن فهم العنف الثوري بوصفه "إرهاباً" كما روّجت السردية السلطوية، بل بوصفه فعلاً سياسياً مكتمل الأركان، استهدف نزع الشرعية عن دولة لم تعد تنتج الأمن بل الخوف، ولم تعد تحمي الحياة بل تديرها عبر التهديد الدائم بالموت. يشير فانون إلى أن العنف يوحّد الشعب، لأنه يضعه في مسار لا عودة منه؛ فالذي أشعل قسم شرطة في لحظة تمرّد جماعي، لم يعد قادراً على الرجوع إلى موقع المواطن المذعور، المنكفئ أمام البدلة العسكرية. هذا التوحّد هو ما خلق "الكتلة الحرجة" التي عجز النظام عن تفكيكها بالأدوات القديمة، وأفضى إلى ولادة ما سماه فانون "الإنسان الجديد"—إنسان استعاد حواسه السياسية بعد تخدير طويل، وأدرك أن الحرية لا تُمنح كامتياز من السلطة، بل تُنتزع كحق عبر الفعل ذاته، عبر كسر الجهاز الذي كان، بالفعل، قد بدأ في قتله ببطء.

 

لماذا تعثر البناء المؤسسي؟

تُميّز حنّة أرنت، بدقّة لافتة، بين "القوّة" التي تمتلكها السلطة الإكراهية، وبين "القدرة" التي لا تولد إلا حين يجتمع الناس ويتصرفون معا في تناغم. في 28 يناير، لم تكن المواجهة بين طرفين متكافئين، بل بين "قوّة" الدولة العارية—الغاز، الرصاص، المدرعات—و"قدرة" الناس المتجسدة في الحشود المليونية، والصمود، والتكافل في قلب الفوضى. السلطة الحقيقية، لا تنبع من قهر السلاح، بل من "الفضاء العام" الذي يظهر فيه الأفراد كذوات سياسية تتواصل أفقياً وتعمل معاً، غير أن مأساة جمعة الغضب تكمن في أن هذه "القدرة" الهائلة، التي تجلّت للحظة بكثافة نادرة، لم تنجح في التحوّل إلى "معمار مؤسسي" قادر على حماية المجال العام من الارتداد السلطوي.

بهذا المعنى، بدت جمعة الغضب وكأنها "ثورة بلا ثوّار" من حيث التنظيم والبناء السياسي. فمن ناحية، قد نجحت في تدمير "الجهاز القمعي القديم"، ومن أخرى، عجزت عن إنتاج "شرعية بديلة" تتجاوز المؤسسة العسكرية، التي سارعت إلى ملء الفراغ السيادي، أو حسب وصف سلافوي جيجك حيال هدف الثورة الحقيقية، فهي التي تغيّر "قواعد اللعبة" ذاتها، لا مجرد الوجوه. ما جرى في مصر كان أقرب إلى "انحناءة للعاصفة" نفذتها الدولة العميقة ببراغماتية باردة بقيادة المؤسسة العسكرية التي لم تكن وسيطاً محايداً، بل كانت السيادة الفعلية للنظام، فاختارت التضحية بـ"الرأس" (حسني مبارك) و"الذراع" (الشرطة) من أجل إنقاذ "الجسد"؛ أي بنية الحكم ومصالحها المتجذّرة.

وعند وضع التجربة المصرية في سياق مقارن، تتضح الفجوة أكثر. فالثورة الإيرانية عام 1979 امتلكت قيادة كاريزمية وشبكة مؤسسية موازية—المساجد—سمحت بملء الفراغ فور انهيار جهاز الشاه. وكذلك نجحت الثورة السودانية في 2019، عبر "تجمع المهنيين"، في تشكيل طليعة منظمة استطاعت فرض أجندة مدنية والتفاوض باسم الشارع لفترة أطول. أما في مصر، فقد أدى غياب المشروع السياسي الجامع، والانقسام الأيديولوجي الحاد بين الإسلاميين والعلمانيين، إلى تمكين "آلة الاسترداد" السلطوية من إعادة إنتاج نفسها، في ما جرى تفريغ مسار "العدالة الانتقالية" من مضمونه، وتحويله إلى أداة امتصاص للغضب الشعبي عبر محاكمات فساد محدودة، بينما جرى تحصين الجهاز الأمني ضد أي إصلاح هيكلي حقيقي. 

ستظل "جمعة الغضب" في التاريخ السياسي المصري، اللحظة التي برهن فيها الناس، عملياً لا نظرياً، على قدرتهم على تحطيم "صنم الدولة" الذي بدا طويلاً عصيّاً على الكسر. لكنها، في الوقت ذاته، تحوّلت إلى الكابوس الذي تسعى السلطة الحالية إلى استئصاله من الوعي الجمعي، ومن فترة لأخرى، لا يكف الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ترديد عبارة "لن أنسى 2011"، مطالبا المصريين بألا ينسوها هم أيضاً، لا بوصفها لحظة تحرر، بل كدرس في "الخراب والدمار". في هذا الخطاب الرسمي، لا يُقرأ 28 يناير كفعل سيادي للشعب، بل كـ"مؤامرة" هدفت إلى "فكّ الدولة" وتقويض وجودها، خصوصاً مع استدعاء سيناريو الانفلات في سيناء كدليل دائم على أن الثورة لم تكن سوى تهديد وجودي كاد يبتلع البلاد.

هذا الإصرار على نبذ جمعة الغضب والتحذير من تكرارها، يعكس جوهر الصراع الذي خلّفته الثورة، صراع يتجاوز السياسة إلى مستوى أنطولوجي أعمق. فبينما يرى من شاركوا في ذلك اليوم ذروة "القدرة الجماعية" ولحظة انكشاف الخوف، يراها الحاكم الحالي ذروة "الفشل" الذي كلف الدولة المليارات وأدخلها في نفق عدم الاستقرار، مبرراً بذلك أولوية "بقاء الدولة ومؤسساتها" على أي حديث عن الحقوق أو الحريات. غير أن "القطيعة الرمزية" التي أحدثتها الثورة تظل ناقصة ما لم تتحول إلى "قطيعة مؤسساتية" تعيد بناء الثقة وتُنهي "حالة الاستثناء" الدائمة. وقد نجحت السلطة في إعادة احتكار العنف، وإغلاق المجال العام، واستخدام "فوبيا السقوط" كأداة ضبط، لكنها لا تستطيع محو المعرفة التي وُلدت في 28 يناير، أن الخوف ليس قانوناً طبيعياً، وأن ادّعاء احتكار العنف قابل للتبخر متى قرر المقهورون الظهور مجدداً بصفتهم أصحاب السيادة الحقيقيين، كما تظل روح جمعة الغضب كامنة تحت رماد الصمت والتحذيرات الرسمية، تذكيرا دائما بأن الدولة التي لا تستمد شرعيتها من كرامة مواطنيها تبقى، مهما اشتد بطشها، مهددة بلحظة غضب أخرى لا يمكن التنبؤ بها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث