أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن كلاً من السعودية والإمارات أبلغتا الولايات المتحدة بشكل رسمي أنهما لن تسمحا باستخدام مجاليهما الجويين أو أراضيهما في أي عملية عسكرية محتملة ضد إيران، ما يفرض قيوداً كبيرة على خيارات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حال قررت توجيه ضربة عسكرية لطهران.
وبحسب الصحيفة، فإن السعودية أعلنت موقفها بعد بيان مماثل أصدرته وزارة الخارجية الإماراتية، في خطوة تمثل انتكاسة دبلوماسية لإدارة ترامب التي تسعى إلى تصعيد الضغط على إيران، على خلفية استمرارها في تخصيب اليورانيوم وشن حملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين.
وأضاف التقرير أن هذه المواقف الخليجية تعكس خشية واضحة من الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، رغم أن كلاً من الرياض وأبوظبي ترى في إضعاف إيران مصلحة استراتيجية بعيدة المدى.
لا أجواء ولا أراضٍ لعمل عسكري
وقالت "وول ستريت جورنال" إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نقل هذا الموقف بشكل مباشر خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث شدد – وفق بيان رسمي سعودي – على أن المملكة "لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها لأي أعمال عسكرية ضد إيران".
ويأتي هذا الموقف السعودي بعد يوم واحد فقط من إعلان مماثل من وزارة الخارجية الإماراتية، التي أكدت أن أراضي الدولة وأجواءها لن تكون منطلقاً أو ممراً لأي عملية عسكرية أميركية تستهدف إيران.
وترى الصحيفة أن هذا القرار يعكس قلقاً خليجياً عميقاً من ردود الفعل الإيرانية المحتملة، خاصة أن السعودية والإمارات كانتا في السابق هدفاً لهجمات مباشرة أو غير مباشرة من طهران.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كريم سجادبور، قوله: "السعودية والإمارات كانتا بالفعل هدفاً لهجمات إيرانية ووكلائها. ورغم أن إضعاف النظام الإيراني يصب في مصلحتهما، لكنهما تخشيان الفوضى الإقليمية والانتقام الإيراني، ولا تريدان أن تكونا رأس الحربة الأميركية في أي حرب".
كل الخيارات مطروحة
وبالتوازي مع الموقف الخليجي، نقلت "وول ستريت جورنال" عن متحدث باسم البيت الأبيض قوله إن الرئيس ترامب "يراقب الوضع في إيران بجدية كبيرة، وجميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة، خصوصاً إذا أقدمت السلطات الإيرانية على إعدام المتظاهرين".
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب لفت إلى الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ولا سيما العدد الكبير من السفن الحربية المنتشرة في المنطقة، في رسالة مباشرة إلى طهران.
كما نقلت عنه منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه: "نأمل أن تأتي إيران سريعاً إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن – لا أسلحة نووية – اتفاق جيد لجميع الأطراف. الوقت ينفد، والأمر بالغ الأهمية".
ويحتفظ ترامب بعلاقات وثيقة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي زار البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث وعده ترامب ببيع مقاتلات "F-35" المتطورة، كما جرى التأكيد آنذاك، في اتفاق تعاون دفاعي، على أن الولايات المتحدة هي "الشريك الاستراتيجي الأول" للسعودية، إلى جانب الإعلان عن منح الرياض وصولاً أوسع إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية.
حملة طويلة بلا دعم خليجي
عسكرياً، أرسلت إدارة ترامب حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" ومجموعتها القتالية إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك سفن مزودة بصواريخ كروز، إضافة إلى نشر أسراب من مقاتلات F-15E في الأردن.
كما لا تزال الولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات عبر قاذفات B-2 الشبحية والقاذفات بعيدة المدى التي يمكن أن تنطلق من الأراضي الأميركية"CONUS" أو من قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي.
غير أن مسؤولين عسكريين أميركيين سابقين حذروا من أن رفض السعودية والإمارات فتح مجاليهما الجويين سيزيد من تعقيد أي عملية عسكرية ويرفع كلفتها. وقال الفريق المتقاعد في سلاح الجو الأميركي ديفيد دبتولا، لـ"وول ستريت جورنال"، "من الناحية العسكرية، هذا القرار يزيد التعقيد والكلفة لأي عمل ضد إيران، لكنه لن يمنعه إذا كانت واشنطن مصممة". وأضاف أن هذه الخطوة "تخفض أيضاً الكلفة السياسية على طهران لمقاومة الضغوط الخارجية".
من جهته، قال الجنرال الأميركي المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية: "قد نُجبر على الاعتماد بشكل أكبر على الطيران المنطلق من حاملات الطائرات أو على القاذفات بعيدة المدى القادمة من الأراضي الأميركية أو من قواعد مثل دييغو غارسيا".
وأشار فوتيل إلى أن هذا التطور "يضغط على دول إقليمية أخرى قد تفكر في دعم عملية أميركية"، ويجعل أي تحرك عسكري "أكثر أميركية وأقل طابعاً تحالفياً إقليمياً".
وأوضحت الصحيفة الأميركية أن واشنطن ما تزال قادرة تقنياً على ضرب إيران من دون استخدام الأجواء السعودية أو الإماراتية، عبر المرور في الأجواء الأردنية والسورية والعراقية، أو باستخدام صواريخ كروز من الغواصات، أو عبر الطيران المنطلق من حاملات الطائرات في بحر العرب.
لكن خبراء الشرق الأوسط الذين استشهدت بهم الصحيفة حذروا من أن إسقاط النظام الإيراني، أو حتى توجيه ضربة قوية تكفي لردعه عن قمع المتظاهرين، سيحتاج إلى حملة عسكرية قد تمتد أسابيع أو حتى أشهر، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل غياب الدعم الخليجي.
وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن نائب رئيس السياسات في معهد الشرق الأوسط والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كينيث بولاك، قوله: "النظام الإيراني مصمم على البقاء ومستعد لقتل عدد غير محدود من الناس من أجل ذلك. إسقاطه بالقوة الجوية وحدها كان دائماً مهمة صعبة للغاية، فكيف إذا اقتصرنا على ما يأتي من حاملات الطائرات أو من الأراضي الأميركية ودييغو غارسيا".
وقال الأكاديمي في جامعة الكويت والمتخصص في شؤون الخليج، بدر السيف، "نعم، إيران ووكلاؤها أصبحوا أضعف، لكنهم لم يختفوا. دول الخليج تروج لنفسها كمنطقة استقرار وجذب للاستثمار. لا أحد سيستثمر إذا أصبح التصعيد العسكري هو الوضع الطبيعي".
وبذلك، تخلص "وول ستريت جورنال" إلى أن موقف السعودية والإمارات لا يمنع الولايات المتحدة من توجيه ضربة عسكرية لإيران، لكنه يحولها إلى عملية أميركية شبه منفردة، أكثر تعقيداً وكلفة، ويقلل من فرص تشكيل تحالف إقليمي واسع ضد طهران.
