يقدم القسم الثالث من سلسلة ﺗﻔﻜﻴﻚ اﻟﺒُﻨﻰ الأهلية ﻓﻲ ﺳﻮرﻳﺎ نظرة على تشكّل البنية الحاكمة من بداية الإسلام وسيطرة قريش وصولاً إلى تنظيم "داعش"، والذي استخدم نفس المنهج القبلي والعشائري في إنشاء خلافته وتمددها.
للاطلاع على الجزء الأول: تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: توزيع النفوذ وتعارض المصالح
للاطلاع على الجزء الثاني: تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: "داعش" وأخواتها
[(لعبت هاشمُ بالملكِ …. فلا خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلَ)
"فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على من وضعه عليه ليشنع عليه به وعلى ملوك المسلمين، وسنذكر ترجمة يزيد بن معاوية قريبا، وما ذكر عنه، وما قيل فيه، وما كان يعانيه من الأفعال والقبائح والأقوال،"
البداية والنهاية ـ ابن كثير]
سيُقرأ هذا البيت المنسوب ليزيد بن معاوية في المدونة الفقهية خروجاً وزندقة، فيما هو في حقيقته توصيفٌ سياسيّ مباشر جرى إنكاره من فقهاء مسلمين، بينما أقرّه يزيد نفسه. وما يقوله يزيد هنا لا يحتاج تأويل، أن هاشم "وهي فرع من قريش" قد ادّعت النبوّة لتنزع المُلك من بني أمية، وأن هذا المُلك عاد إلى أصحابه الحقيقيين، بني أمية، بعد اللعبة التي لعبتها هاشم عليهم، ومقصد يزيد بأن الإسلام بكليته هو هذه اللعبة، بالنبوءة والوحي وكل مافيه.
ويبدو أن يزيد والأموية لم يكونا أكثر من نكوصٍ من حالة اليوتوبيا الإمبراطورية التي خلقها الإسلام، ومن فكرة المساواة بين المسلمين، إلى البنية القبلية العشائرية السابقة عليه. غير أن الزمن كان قد فات على مواجهة الإسلام، الذي تحوّل هو نفسه بدهاء الأمويين لاحقاً، إلى مورد جديد للسلطة. وبات لدى بني أمية سلاحان في تثبيت حكمهم. البنية العشائرية، واتفاقيتها "إيلاف قريش"، والشرع الإسلامي الذي أعاد إدراج هذه البنية في النص القرآني، ليصبح أعظم المقدّسات في الدين الجديد هو حكم القبيلة نفسها، ويُصنَّف أدنى خروج عليها كفراً، بعد أن كان الخلاف معها قبل الإسلام ممكناً. من هنا، يندر أن نجد بين المليار ونصف مسلم في العالم اليوم، من يقرّ بأن أصله لا يعود إلى قريش كرابطة دم ونسب مغلق، إذ لا أحد يريد لنفسه، ولا لأبنائه، موقع "المواطن" من الدرجة الثانية في أي دولة، حتى لو كانت دولة الإسلام. ولو أُخذ بروايات النسب هذه التي يقول بها عموم المسلمين اليوم، لقارب عدد أفراد قبيلة قريش اليوم المليار، على أقل تقدير.
يرى هشام جعيّط، في "الفتنة"، أن معاوية كان أوّل من حوّل الخلافة الراشدة إلى مُلك، "لا بسيف البدو، ولكن بحسابات المدينة"، لكنه في الوقت نفسه "لم يكُن ليستغني عن سيوفهم". وأذهب للقول إن استخدام جعيط مصطلح "التحويل" وفق تقديرنا لم يكن دقيقاً، بل الأدق أنه كان هناك مُلك قبل الخلافة الراشدة وعاد لأهله في عهد معاوية، وأن هذا المُلك ليس غريباً عن البنية القبلية العربية، كما يؤكد المؤرخ جان سوفاجيه المعنى ذاته حين يكتب "كان البدو ما زالوا يؤلِّفون مادة الحروب في سبيل الإسلام… ثم إن أمراء الدولة الجديدة كانوا يتدخّلون عن رضى في مشاحنات القبائل، ويتسلّلون كلّ سنة إلى البوادي الفسيحة، فيعيشون عيشة أمراء البدو في المضارب مدة الأسابيع الربيعية".
وطالما ذكرنا في الجزئين الأول والثاني من هذه السلسلة أن البنية البدوية ليست سوى أسلوب حياة لسكان البادية فرضته شروط الصحراء، وأن اللغة العربية ليست سوى تطوّر عن لهجة آرامية قديمة، كما تُظهر الدراسات اللسانية المقارنة في الآراميات الشمالية والجنوبية، وأن قريش ذاتها لم تكن أكثر من اجتماعٍ لهذه العناصر تحت صيغة تحالفٍ سياسيٍّ مصلحيّ، فلا نسب واحد ولا عِرق.
وذكرنا كذلك أن الفتح الإسلامي لبلاد الشام لم يقع وفق السرد الذي كرّسته الرواية الإسلامية اللاحقة، ولا وفق الروايات الدينية المعارضة لها من يهودٍ أو مسيحيين، وأن هذه السرديات جميعها لا يمكن التعامل معها بوصفها وقائع تاريخية إلا بعد نزع الأسطرة عنها، وإعادة إدراجها ضمن سياقٍ أكثر واقعية للتحوّلات البطيئة والمتدرجة لأهل المنطقة، العرب أولاً، الخارجين من طائفةٍ "مسيهودية" مشرقيّة آمنت بنبوءة المسيح وبشرع اليهود، كما تشير أبحاث باتريشيا كرون ومايكل كوك، وكما ألمح جون وانسبرو حين قرأ النصوص التأسيسية بوصفها نتاجاً تاريخياً متدرجاً لا لحظة بعث فجائية.
تشكيل الإسلام بالسياسة
يقترب أبو العلاء المعرّي، في أكثر من موضع من كتاباته، من فكرة نفي القطيعة المطلقة، ويشير إلى أن النصوص والمعارف تُصقل تاريخياً ولا تُولد مكتملة فجأة. وأن المصحف ذاته "قد صقلته/حبّرته المحاريب" أي احتاجت نصوصه لقرون من عمل فقهاء لتطويرها بالشكل الذي وصلت به إلينا وبطلاوة نهاياته، وهو ما أكدته الأركولوجيا بعد الكشف عن "طروس صنعاء" وهي مخطوطات قرآنية مبكرة كُتبت فوق نصوص أقدم أُزيلت جزئياً، وتبيّن أن النص السفلي يختلف في ترتيب بعض الآيات، وفي بعض الصيغ اللفظية والرسمية، عن المصحف العثماني الذي استقر لاحقاً. وقد أثبتت الدراسات الفيلولوجية والمخبرية لهذه الطروس، كما في أعمال غيرد بوين، وفرنسوا ديروش، أن النص القرآني مرّ بمرحلة سيولة نصية قبل أن يُثبَّت في صيغته النهائية المعروفة، وأن هذا التثبيت لم يكن غرضه لغوياً أو دينياً محضاً، بل عملية ارتبطت بتبلور السلطة السياسية.
وعليه، فإن القول بتدرّج تشكّل النص، وبأن المصحف في صيغته النهائية هو ثمرة تاريخ طويل من القراءة والتأويل والضبط، ينسجم مع اتجاه واسع في دراسات القرآن المعاصرة التي تقرأ النص في سياق أواخر العصور القديمة، وتفكّك علاقته بالبيئة السريانية - الآرامية، وبالتقاليد الكتابية السابقة عليه. وبهذا المعنى يصبح النص جزءاً من سيرورة تشكّل السلطة والمعنى معاً، فهذه التكوينات الثقافية والدينية احتاجت قروناً من التطوّر والتدرّج والتمازج مع ثقافاتٍ محيطة حتى بلغت أشكالها المتأخرة، وهو ما يفسّر التراكم البطيء للطقوس، واللغة، والشرائع، وتحوّلها من ممارسات محلية متفرقة إلى نظام دينيٍّ جامع ذي بنية مؤسسية.
ومن هنا تُفهم الحاجة إلى نبوءة عربية ومرجعٍ ينافس بيزنطة ومرجعيتها المسكونية، في لحظة صراعٍ إمبراطوري على الشرعية، كما تُفهم رمزية القدس بوصفها "قبلة ثانية" داخل هذا الصراع السياسي على الرموز، لا بوصفها مسألة تعبّدية خالصة، بل باعتبارها استجابة لحالة وقوع الدولة الأموية بين قطبين رمزيين خارجها: القسطنطينية بوصفها المركز الديني والسياسي للعالم المتوسطي آنذاك، ومكة كقطب للعرب والتي سيطر عليها عبد الله بن الزبير في عصر يزيد وما تبعها من تهديم الكعبة على يد الحُصين بن نُمير بالمنجيق ثم على يد الحلاج، مما يدلل أيضاً على أن استسهال الأمويين لهدم الكعبة بأن الشرعية الأموية لم تُبنَ على قدسية مكة في حينهم.
وإذا كان الإسلام قد بدأ بوصفه طائفة مسيحية شرقية ثم تطوّر عنها، قبل أن يتشكّل أخيراً في العصر العباسي بالصورة التي وصلتنا، فإن قراءته من هذا المنظور لا تعيد تركيب الوقائع وربط جميع الأجزاء ببعضها فحسب، بل تكشف منطقها السياسي الداخلي. عندها يصبح دخول عمر بن الخطاب إلى القدس وتحالفه مع يهود أورشليم مفهوماً في سياقه العملي بوصفه حاجة للسلطة لا تقارباً دينياً، كما تغدو محاولات الأمويين المتكررة لإسقاط القسطنطينية، التي بلغت أربع حملات كبرى استمرت كل منها عدة سنوات وتخللتها محاولات غزو زادت عن الثماني مرات في أقل من نصف قرن، محاولةً لإسقاط المركز الديني الوحيد في عصره. وبعد انكفاء الحملات الأموية، أصبح لا بد من إيجاد بديلٍ شرعي بعد قرنين، وهو ما قامت به الدولة العباسية، أي أنه لو نجحت الدولة الأموية في السيطرة على ذلك المركز الديني للعالم المتوسطي لما احتاجت الدولة العباسية إلى خلق مركزها الخاص وابتداع كل ما لزمها لاحقاً وفق هذه القراءة.
ثم يتقدّم المسار خطوة أخرى، مع تصاعد الخلاف بين العرب واليهود، وتطوير العرب لتديّنهم الخاص استجابةً لحاجة الحكم إلى شرعية تخصه. فالنبوءة، في هذا السياق، ليست معطًى لاهوتياً سابقاً للسلطة، بل شرطاً سياسياً لثباتها واستمرارها، تماماً كما كانت المجامع المسكونية في المسيحية آلية توحيد قسري للإيمان لا فعلاً روحياً صرفاً. وحتى إذا مددنا الزمن قليلاً، سنجد أن وقف التأويل، واختصاره، وثم منعه، وتكفير كل من يؤوّل القرآن خارج التأويل الذي تقرّه السلطة، لم يكن فعلَ غيرةٍ دينية، بل أداةً لضبط المجال السياسي وتثبيت الحكم، وهو المسار نفسه الذي سلكته المسيحية حين أغلقت باب الاختلاف العقائدي وقامت بتعريف الإيمان في نيقية وما تلاها، قبل أن يتكرّس لاحقاً في التجربة الإسلامية بوصفه سنّة سلطوية لا دينية.
"ما جهِل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس."
الشافعي
وإن كان لكل ذلك علاقة بالبنية القبلية والمجتمع القبلي الذي حكم داخل الإمبراطوريات الإسلامية، فإن السؤال يصبح، هل يمكن فكّ ارتباط الإسلام بالعروبة، وهل يمكن فصله عن البيئة والبنية القبلية التي تشكّل فيها؟ يكاد الإسلام، في بنيته الفقهية والتاريخية، لا يُقبل ممن لا يتحدثون العربية، قال الحسن البصري "أهلكَتْهم العجمةُ؛ يتأوَّلُون القرآن على غير تأويله". كما أن ما هو مستقر في الفقه السياسي الإسلامي يحدّد، بشكل قطعي أن يكون الخليفة قرشياً. أي أن البنية ذاتها هي مصدر الإسلام وهي التي تعرّفه بهذا المعنى، وتضبط حدوده السياسية والاجتماعية، وبما أنه كذلك، فإن فرص المساواة بين القبائل لا تُحدَّد داخل الدين بقدر ما تُحدَّد مسبقاً داخل البنية التي حملته وأنتجته. عند هذه النقطة لا يعود السؤال عن الإسلام بوصفه عقيدة، بل عن البنية التي استخدمته للشرعنة وتنظيم الطاعة، وتحقيق المصلحة بالمحصلة.
فإذا كانت الدولة الإسلامية الأولى قد تشكّلت لتعبّر مصلحياً عن هذه البنية القبلية، واستعملت النبوءة والشرع لتثبيت السلطة، فإن ما نراه في التنظيمات الجهادية المعاصرة، وفي مقدمتها "داعش"، هي إعادة تشغيليه له بنفس الجوهر، ولكن في ظروف وشروط جديدة.
[("لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى."
-حديث نبوي.)
("الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم"
"العرب أفضل بني آدم كما صحَّ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم".
-ابن تيمية - اقتضاء الصراط المستقيم.)]
يعتبر الموروث الديني الإسلامي بأنه أحد أكثر المواد التراثية المتوافرة تناقضاً، وتحديداً بمراجعه الأساسية القرآن، ثم السنّة، حيث إن الآيات القرأنية نفسها تناقض بعضها، والمثال المشتهر هو الآيات التي تدعوا للتسامح والآيات التي تدعوا للقتل، إلا أنه لو توسعنا لرأينا الكثير من المتناقضات المتعلقة بالتشريع واستنباط الأحكام، في العبادات، وفي المعاملات، جميعها ليس لها سياق واحد، أو منطق رياضي مقبول، قامت المرجعيات الفقهية، بتلحيم هذه المتناقضات واستخدمت أدوات مختلفة لإخراج الأحكام.
ولو أردنا أن نركز هنا على التلحيم الذي اتبعه فقهاء أهل السلف لوجدنا أنهم اعادو نقض ليس فقط الآيات التي تقلل من قيمة البنية القبلية وتركيبها وفضل بعضها على بعض، بل أيضاً نقضوا الأحاديت، التي جاء اسمهم الأول منها، "أهل الحديث والأثر" والغاية هنا ليست تفكيك النص لذاته، بل تتبّع كيفية توظيفه تاريخياً كوسيط شرعنة لبنية سابقة عليه، وضع السنّة آليات المعالجة والتي نسخت آيات بآيات، ودائماً ما تم إيجاد أحكام في النهاية تحقق المصلحة، وهذا غير محصور في السنّة فقط، بل للشيعة سرديتهم وروايتهم وأدواتهم الفقهية، وللمعتزلة ذات الأمر، وللسنّة مدارس غير أهل الحديث خاضت في هذا المبحث، التوسع إلى بقية الطوائف يخرجنا عن موضوعنا هنا، فإذن كيف يمكن البدء بالتحقيق، وعلى ماذا يمكن الاعتماد وفق هذا البحر من المراجع المتناقضة والتي يلغي بعضها بعضاً.
الألباني الذي اعتُبر لدى السلفيين هو المقصود بحديث "إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها"، أي أنه وفق الاعتقاد السلفي هو الذي بعث ليجدد لهذه الأمة دينها على رأس القرن الماضي، سُئل عن الحديث النبوي القائل: "لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى"، وذلك في ضوء قول ابن تيمية الصريح بوجود فضلٍ للعرب على العجم في الإسلام. فكيف يمكن للمرجع الأهم في تاريخ السلفيين وأهل الحديث أن يبرّر هذا التناقض بين ما يراه عامة الناس عياناً، وبين حديث يُعامل تشريعياً لديهم بوصفه أرفع من القرآن نفسه. لم يخرج الألباني عن أقوال من سبقه، رغم إقراره بالتناقض، ولا يُفهم هذا التناقض الفقهي بوصفه إشكالاً لاهوتياً، بل كآلية اشتغالٍ بنيوي حوّل النص إلى أداة لضبط التراتبية الاجتماعية وتثبيت موازين القوة داخل البنية العشائرية، لا لتفكيكها أو تجاوزها، وهذا الموقف التاريخي لأهم فقهاء الإسلام وبالتحديد الذين اعتمدتهم التنظيمات الجهادية جاء كاشفاً عن نسق بنيويّ لا يمكن تجاوزه في الإسلام بالعموم وفي تعبيراته الجهادية المتأخرة.
لم يستطِع الألباني، ولا ابن تيمية من قبله، التنكر للبنية، إذ لا يمكن نفي تفوّق قريش أو مساواتها بسائر القبائل، ما دامت هي القبيلة التي يُشترط أن يكون الحكم فيها دون غيرها. والمسألة هنا لا تتعلّق بقبيلة واحدة، بل بتراتبية كاملة رسّخها الحكم الإسلامي، تُفاضل بين القبائل في السقاية، والسدانة، وخدمة الحرمين، وغيرها. والغوص في التشريح القبلي، والمراكز، والأدوار التي خُصِّصت لكل قبيلة، يُظهر أن هذه التراتبية سابقة على الإسلام، لكنها أُعيد إدخالها فيه وتثبيتها بنصوصه وتأويلاته.
وعليه، فإن ميزة أن يُنسب الإنسان لقبيلة عربية أصيلة في العالم الإسلامي كانت أقرب لانتساب فرد ما لطبقة النبلاء في العصور الوسطى الأوربية، وإن كان نسبه لقريش فمكانته في العالم الإسلامي بمكانة أبناء العائلة المالكة.
سياق البنية العشائرية
هذه القراءة تنطلق من افتراض أن البنية العشائرية/القبلية ليست مجرد سياق ثقافي، بل نموذج اجتماعي قابل للتشغيل السياسي، يُفعَّل عند انهيار الدولة أو فشلها، ويعيد إنتاج العنف عندما تمنع المصالح وتعدم الوسائل أو تشحّ.
فهم مؤسسو ومنظّرو "داعش" هذا المنحى جيداً. بأن أفضلية العرب هي جوهر الإسلام وأنها كانت قائمة دائماً. لذلك لجأ التنظيم إلى منح بعض الجماعات صفة "العروبة"، واخترع لها أنساباً عربية عند الحاجة لرفع مكانتها الرمزية. وهذا ما حصل حين قام التنظيم بنسب بعض القبائل التي بايعته في إفريقيا، مثل الصومال وأثيوبيا إلى العرب، على أنهم من أحفاد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة في عصر النبوة كما ورد في السيرة.
من هنا تأتي ضرورة العودة إلى الأصول الإسلامية عند تفكيك البنية القبلية العربية، وتحديداً في البادية الشامية بعد أن حاولنا إعادة قراءة قصة الفتح الإسلامي للشام وفق الطرح الذي قدمناه سابقاً، وإلى الأقوال التي اعتمدتها "داعش" حرفياً في تفسيرها الإسلامي. فداعش لم تخرج قيد أنملة عن هذه القواعد، بل تشددت للأقصى في تطبّيق الإسلام الأول حرفياً كما نقلته أمهات الكتب السنيّة، لا أي إسلام آخر.
القول بحقيقة أن هذا المسار لم يكن سوى جعل الإسلام في جماعة واحدة داعمة للسلطة لدى "أهل السنّة والجماعة"، لا يغير من كون هذا التعريف هو الأكثر تعبيراً عن حقيقة الإسلام، فالخروج عن الجماعة لا يعني الخروج عن الحكم فحسب، بل الخروج من الإسلام نفسه، ليُعطى الخليفة ما هو معطًى في الأصل لله، وفق هذا التصور.
وإذا تتبعنا نشاط داعش خارج المناطق العربية، نجد أنه لم يتمدّد ويسيطر على أية مجتمعات في أكثر من ثلاثين دولة وجد فيها، إلا وكانت هذه البيئات قبلية، وهنا لا نتحدث عن خلايا متفرقة أو ذئاب منفردة وفق التوصيف المتبع، بل على سيطرة عسكرية لها بنية اجتماعية حاضنة وتعتمد نظام حوكمي ينتمي لشرع "داعش"، نجد أن البنية القبلية هي الحامل الأصلي لهذا النموذج الجهادي أينما وُجد، أما مسألة العروبة فتأتي كأمتياز مضاف على هذه البنية بوصفها هوية ترفع من شأن من يحملها. ويصبح هنا السؤال واجباً، بأنه إذا كانت داعش قبلية في جوهرها وعربية في هويتها، فلماذا لم تنطلق من أكثر أماكن العرب قبليةً، أي من الجزيرة العربية نفسها؟ الجواب أنه في الراهن فإن قبائل الجزيرة ليست مهمّشة أو مقصيّة داخل دولها الحديثة، وأما لو عدنا عدة عقود لرأينا تعبيرات عن نفس هذا المبعث ولو عدنا قرون لصادفنا بنىً تم تشكيلها تُطابق في سلوكها وتطرفها الحركات الجهادية الحالية ومنها القرامطة رغم أنهم كانوا ينسبون للطائفة الأسماعيلية وليسوا من السنّة، كما أن قبائل الجزيرة العربية اليوم ليست في حالة صراع وجودي مع محيطها، بل كانت، في الواقع، عماد الدول والمجتمعات التي تعيش فيها اليوم، لا ضحية تهميش أو حرمان، بل أن هذه الدول هي بنية لتحقيق مصالحها.
البنية القبلية في "داعش"
طالبان في أفغانستان، بوكو حرام في نيجيريا، نمط القبيلة/الإثنية يتكرر في كل مكان كان هناك سيطرة فيه لأفرع تنظيم الدولة. البنية القبلية، حتى لو لم تكن عربية رأت في التنظيم آلية مناسبة لتحقيق مصالحها، في بلدان لا نظام فيها ولا قانون إلا القوة والعنف ولا كيانات دولة تحقق مصالح، مع حفاظ جميع هذه المجتمعات على الخاصية القبلية الأولى وهي بأن المصلحة مقدّمة على أية أيديولوجيا، والولاءات تتغيّر حين تتعارض مع المصلحة، أو حين يتم تقديم عروض أفضل، بينما يتم تفعيل الأيدولوجيا الداعشية حين تنعدم الخيارات أمام القبائل، ويتحقق لها شروط العلم بالتنظيم والاتصال به ووجود عناصر منه تمدّ سيطرتها وفي كثير من الحالات، حتى لو كانت هذه القبائل غير عربية.
لنفهم بعض الظواهر فإننا قد لا نحتاج إلى أكثر من فهم ما تعرف نفسها هي فيه. فبيعة أمير التنظيم ليست سوى عقدٍ عشائري بلغة دينية، والغنيمة التي هي اقتصاد بدوي قديم جرى تحديثها، والأمير ليس سوى شيخ عشيرة، والخليفة شيخ مشايخ العشائر، أو "شواخ"، أي قائد القادة أو أمير الأمراء.
لم توجد عبر التاريخ في بادية الشام والعراق منظومات حكم كانت قادرة على تحقيق المساواة وتأمين مصالح جميع القبائل. لذلك كان كل طرف عشائري يجد نفسه خارج معادلة التوازن يبحث عن قوة بديلة يستقوي بها، داخلية أو خارجية. هكذا تحالف المهمّشون قديماً مع الروم أو الفرس، وفي عصرنا مع الأميركيين أو الإيرانيين، أو توزّعوا بين النظام وخصومه، أو ركبوا موجة الفصائل الجهادية حين بدت راجحة. وعليه، فإن سؤالنا لا يدور حول "صحة" هذا التأويل الديني أو فساده، بل حول لماذا ينجح اجتماعياً حين تتطابق معادلات النص مع معادلات المصلحة داخل البنية العشائرية.
"تفوق" تنظيم الدولة
حين اشتدّ الضغط الدولي في الحرب على الإرهاب، كما حصل في نهاية عام 2019 في سوريا، جرى القضاء على العناصر الجهادية العالمية، فتبدد الوجه العالمي لـ"داعش". وانكشفت البنية العشائرية العربية في بادية العراق والشام بوصفها الحامل للتنظيم. وفي ما نشر لاحقاً من المتابعات الأمنية لعمل "داعش" التنظيمي، يظهر أن التنظيم اعتمد في تمدده على بناء شبكة استخبارية دقيقة، زرع عبرها عناصره وخلاياه في جميع المناطق. قامت هذه الخلايا بدراسة وتحليل البنية الاجتماعية، وقدّمت تقارير وأبحاث كان الغرض منها انتقاء البيئات التي يمكن لـ"داعش" إقامة حكمها فيها، قاسَ التنظيم من خلالها قدرته على السيطرة، حدّد الشخصيات المؤثرة من وجهاء وشيوخ عشائر وتجار ومشايخ دين، درسهم وقرر من وجب اغتياله منهم ومن وجب شراءه ومن يمكن الاعتماد عليه، ولم يقتصر هذا التحليل على البعد الاجتماعي، بل شمل الاقتصاد المحلي، وشبكات المصالح، وأنماط التدين المحافظ، وأي من تلك البيئات لديها قابلية لتكون حاضنة له أو معادية لوجوده، خيارات التنظيم بالسيطرة لم تخرج في النهاية عن الشروط القبلية للقبائل المهمشة.
وبالنتيجة فإن منظري التنظيم ومؤسسيه و"باحثيه" الذين قاموا بهذه الأبحاث، كانت دراساتهم وأبحاثهم وتحليلهم الأجتماعي للبيئات والبنى التي عملوا عليها، متفوقة على أبحاث أجرتها مراكز بحثية غربية وعالمية، حيث أخفقت هذه المراكز مثلاً في توقّع سرعة سقوط الموصل، وحجم الانهيار الاجتماعي المحلي، ومستوى التواطؤ العشائري الذي رافق الحدث، بالرغم من كثافة التقارير والتحليلات الصادرة آنذاك. في المقابل، لم يكن دخول التنظيم إلى المدينة بالنسبة له حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة سنوات من العمل الاستخباري الاجتماعي القائم على الاغتيالات الانتقائية، وشراء الولاءات، والاختراق العشائري الممنهج. ولم يكن الفرق في كمية المعلومات، بل في نوعها، المراكز درست الأيديولوجيا والخطاب، بينما درس التنظيم العشيرة بوصفها بنية مصلحة وحماية وتوازن قوى.
ورغم امتلاك المراكز الغربية أدوات تحليل اجتماعي وسوسيولوجي متقدمة، ونماذج ما بعد حداثية ومقاربات نظرية مجرّبة، فإن هذه الأدوات بقيت في كثير من الحالات بعيدة عن منطق المصلحة اليومية والعلاقات القرابية الفعلية التي تحكم المجتمعات المستهدفة. في المقابل، اعتمد منظّرو التنظيم و"باحثوه" الميدانيون على منهج استقرائي مباشر، قائم على المعايشة الطويلة، والاختراق الاجتماعي، والمعرفة القرابية الدقيقة، مستندين إلى إرث فقهي إسلامي أثبت أن لديه قدرة أكبر في تشريح هذه البنية العشائرية وقد كانوا متقنين لتوظيفه عملياً. وبهذا المعنى، لم تكن نتائجهم مرسلة أو أيديولجية، بل قابلة للمعاينة والتحقق بالوقائع الميدانية نفسها، كما أظهر التنظيم قدرة أعلى على التنبؤ بالسلوك الاجتماعي المحلي مقارنة بمراكز بحث عربية كبرى أخفقت في توصيف الواقع، بعضها لاعتماده النظريات الغربية نفسها، وأحياناً بدافع إنكاري، أو تحت ضغط سياسي وأيديولوجي مباشر.
هذا الخلل المنهجي لم يُعترف به إلا مؤخراً حين بدأت تظهر في الأدبيات الغربية دراسات عن "حوكمة المتمرّدين"، و"إدارة التمرّد"، و"السلطة الظلّية"، أقرّت بأن التنظيمات المسلحة وأهمها "داعش" امتلكت فهماً عملياً أدقّ للبنية المحلية من الباحثين الذين درسوها من الداخل أو من الخارج ولم يستطِع الطرفان أبداً تجاوز هذه الفجوة المعرفية.
